الاثنين، 20 فبراير 2012

"المجلس الوطني السوري": من مخاض الولادة العسير إلى مرحلة كسب الشرعية الدولية وصناعة مستقبل سوريا




فادي شامية – اسطنبول



ما بين اعترافات قانونية وأخرى واقعية؛ يبدو "المجلس الوطني السوري" أكثر قبولاً -كجهة تمثيلية- من النظام القائم في دمشق نفسه.

قبل أن يبلغ "المجلس الوطني السوري" هذه المرحلة؛ مرّ بمخاض عسير. بدأت المحاولات الأولى لإنشاء مجلس وطني يشكل ذراعاً سياسياً للثوار بعد شهر على قيام الثورة في سوريا، لكن المحاولات التي سبقت 15/9/2011 باءت كلها بالفشل. أسباب الفشل كانت كثيرة، فالشعب السوري مكوّن من خليط واسع من الطوائف والقوميات والإيديولجيات، لكن الأهم أن نظام البعث القائم طمس على هذه التشكيلة المجتمعية والسياسية، فلم يكن متاحاً أن تلتقي الناس مع بعضها، تحت طائلة اعتبار الاجتماع مؤامرة تهدد أمن الدولة، بل لم تكن -حتى الاجتماعات الموسعة- ضمن الحزب الواحد متاحة، فضلاً عن أن بعض القوى لم يكن مقبولاً بها أصلاً، ومجرد الانتماء إليها يعني الإعدام (الأخوان المسلمون) .

في 26/4/2011 وتحت رعاية تركية التقت مجموعة من الشخصيات تمثل مؤسسات المجتمع المدني السوري. لم ينتج شيء هام عن الاجتماع، لكنه كان محاولة أولى للتلاقي مع الشريك الآخر في الوطن.

في 1/6/2011 انعقد "المؤتمر السوري للتغيير" في إنطاليا بتركيا، بمشاركة نحو 300 معارض سوري، من بينهم ممثلون عن جماعة "الأخوان المسلمين"، وعن "إعلان دمشق"، وعن تنظيمات وشخصيات كردية، وممثلون عن العشائر والحراك في الداخل. غلب اللون "الليبرالي" على المؤتمر، فلم يحظ بإجماع المعارضة والنشطاء السوريين. وبما يشبه الرد على هذا المؤتمر نظّم "الأخوان المسلمون" مؤتمراً في 6/6/2011 في بروكسل بمشاركة نحو 200 شخصية سورية وقد غلب عليه اللون الإسلامي.

في 27/6/2011 عُقد مؤتمر سميراميس وسط دمشق بمشاركة نحو 200 شخصية من المعارضين المستقلين في الداخل أبرزهم: فايز سارة، ولؤي حسين، وميشيل كيلو، ومنذر خدام. شكّل هذا الاجتماع أول مؤتمر للمعارضة في الداخل، لكن سقفه المنخفض جعله محل شك، أو على أقل تقدير اعتُبر – عن حق أو غير حق- بمثابة قارب نجاة للنظام.

في 16/7/2011 انعقد مؤتمر "الإنقاذ الوطني" في اسطنبول بمشاركة نحو 300 معارض سوري، أبرزهم هيثم المالح. كان مقرراً عقد مؤتمر موازٍ في الوقت نفسه في القابون بدمشق، لكنه النظام ارتكب مجزرة في المكان لإفشال المؤتمر في الداخل. أدى هذا الواقع إلى إضعاف المؤتمر، فضلاً عن ضعف التمثيل فيه أصلاً، كما اختلف المجتمعون حول تشكيل حكومة ظل طرحها المؤتمر.

في 29/7/2011 احتضنت قطر ندوة بحثية بدعوة من "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، الذي يديره عزمي بشارة في الدوحة، حضرها عدد محدود من الشخصيات السورية المعارضة، ولم تخرج الندوة بشيء يذكر.

في 9/8/2011 انعقد ملتقى "الوحدة الوطنية"، بحضور نحو مئة من ممثلي قوى وأحزاب وتنسيقيات وشخصيات مستقلة في الداخل والخارج. صدر عن الملتقى بيان دون تشكيل هيئة تمثل المعارضة. أتبع ذلك خطوة بدت مرتجلة، ولكنها عبّرت عن عمق الحاجة إلى وجود مجلس وطني؛ حيث أعلن ضياء الدين دغمش، عن مجلس وطني، ضم 94 معارضاً سورياً من مختلف الطوائف والعرقيات السورية برئاسة برهان غليون، وفق التوزيع الآتي: 17 سنة، 10 علوية، 3 شيعة، 3 دروز، إضافة إلى حصة لـ "الإخوان المسلمين"، والعشائر، والأكراد، والسيدات، ولم يكن كثير من هؤلاء على علم حتى بذكر اسمه!.

في 15/9/2011 أعلنت بسمة قضماني تأسيس "المجلس الوطني السوري" بعد جهود مضنية للتوفيق بين أطراف المعارضة. هدف المجلس كان واضحاً جداً: إسقاط النظام بكل مندرجاته والسعي لإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية.

وفيما يشبه الرد على تشكيل "المجلس الوطني"؛ انعقد في ريف دمشق في 17/9/2011 مؤتمر "المجلس الوطني الموسع لهيئة التنسيق الوطنية". ضم المؤتمر أكثر من 200 شخصية سورية موزعة على أحزاب
"التجمع الوطني الديمقراطي" بزعامة حسن عبد العظيم، وأحزاب كردية، وحركات يسارية، ولجان من الحراك الثوري، وشخصيات مستقلة، من بينها هيثم مناع، الذي سيبرز لاحقاً كرأس لـ "هيئة التنسيق" هذه.
مع نهاية شهر أيلول الماضي بدا المشهد منقسماً على الشكل الآتي: "المجلس الوطني السوري" يدعو لإسقاط النظام، و"هيئة التنسيق" تدعو لإصلاح النظام أو رحيله الطوعي، لكن الفارق في حجم التمثيل بين الهيئتين كان واسعاً لصالح "المجلس الوطني"، وهو يزداد يومياً مع تزايد جرائم النظام.

وفيما بعد محضت التنسيقيات في الداخل ثقتها لـ "المجلس الوطني" وسمّت جمعة باسمه، واعتبرت أن مطلب إسقاط النظام بكل مندرجاته هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التفاوض عليه، ومع الوقت صارت مطالب الحماية الدولية والممرات الآمنة وحظر الطيران مطالب شعبية تبناها "المجلس الوطني".

كان لقاء الرئيس الفرنسي بأعضاء من المجلس الوطني أول اعتراف أوروبي واقعي به (2/10/2011)، فيما سجلت ليبيا أول اعتراف قانوني بالمجلس، وفيما بعد سُلمت سفارة سوريا في بنغازي إلى المجلس بعد طرد سفير النظام (21/10/2011).

تشكّل "المجلس الوطني" في البداية في أمانته العامة من 19 ثم من 29 ثم من 41 عضواً؛ يمثلون الكتل الآتية: "الأخوان المسلمون" وحلفاؤهم- مجموعة "العمل الوطني" (أحمد رمضان والآخرون)-مجموعة إعلان دمشق- المستقلون (برهان غليون أبرزهم)- الأكراد- مجموعات الحراك الثوري. أما المكتب التنفيذي فتشكّل من 5 ثم 7 ثم 9 أعضاء. ووفق آخر اللوائح الصادرة بأسماء الأعضاء (باب الانتساب مفتوح) فقد بلغ العدد نحو 280 عضواً في الهيئة العامة.

لم يكن لـ "المجلس الوطني" في البداية نظام داخلي ولا مشروع سياسي تفصيلي. وُضع النظام الداخلي، وهو ينص على التداولية في الرئاسة التي تولاها برهان غليون، لمدة ثلاثة أشهر لكل دورة قابلة للتجديد (تم التجديد له شهراً في السابق، ثم ثلاثة أشهر جديدة في اجتماع عُقد في الدوحة بتاريخ 16/2/2012)، وفي 20/11/2011 أعلن المجلس عن برنامجه السياسي: "بناء دولة ديمقراطية مدنية تعددية، نظامها جمهوري برلماني السيادة فيها للشعب، ويقوم على مبدأ المواطنة المتساوية وفصل السلطات وتداول السلطة وسيادة القانون وحماية الأقليات وضمان حقوقهم"، وللوصول إلى ذلك لا بد من "إسقاط النظام القائم بكل رموزه".

وفي تطورين هامين؛ اعتبر "المجلس الوطني" لاحقاً أن "الجيش السوري الحر" ركن من أركان السعي لإسقاط النظام واتفق معه على لجنة تنسيق (28/11/2011)، كما نجح بضم شخصيات أخرى إلى صفوفه أبرزها هيثم المالح ووليد البني.

ثمة مشكلة بدأت تبرز أمام المجلس مؤخراً وهو رغبة بعض الأكراد في التعبير عن أنفسهم من خارج المجلس، ومن خارج السقف المتوافق عليه بين المعارضة، وذلك بالتنسيق مع مسعود البرزاني في العراق، لكن الهزة الأبرز التي واجهت المجلس، مطلع العام الجاري، تمثّلت بنشر "هيئة التنسيق الوطني" مسودة اتفاق بينها وبينه، لا يتبنى "الجيش الحر" ويرفض عمله، ويرفض أي شكل من أشكال التدخل الخارجي لوقف القتل. كاد هذا الأمر أن يفرط المجلس الذي رفع سقفه إلى المطالبة بتدخل دولي لحماية المدنيين، الأمر الذي اضطر غليون إلى طي صفحة الاتفاق الذي لم يكن نهائياً أصلاً. ويعتبر غالبية المعارضين اليوم أن طروحات "هيئة التنسيق" تجاوزتها الثورة، فيما لا يُخفي بعضهم الارتياب من تنسيق "هيئة التنسيق" أو بعضها مع النظام، وقد سمع معارضون هذا الانطباع من شخصيات رسمية غير سورية أيضاً، وتالياً فقد تخطّى المجلس مسألة الحوار مع "هيئة التنسيق" وتابع مشواره بموقف رسمي مفاده أن الساحة تسع الجميع.

يتبع المجلس اليوم 11 مجلساً متخصصاً، وأعضاؤه منتشرون في عواصم العالم كافة تقريباً، ويحظى برعاية واعترافات مختلفة، ولديه إطلالة إعلامية كبيرة، ودور فعلي ومستقبلي كبير، وتؤخذ ملاحظاته ومواقفه على محمل الجد (تقرير الدابي مثلاً)، ويُتوقع أن يكون الجهة السياسية الانتقالية لسوريا ما بعد بشار.

المجلس الوطني سيحضر -بدعوة رسمية- مؤتمر "أصدقاء سوريا"، المقرر عقده في تونس في 24/2/2012، وذلك كممثل لسوريا، وثمة من يؤكد أنه سيحظى باعتراف دولي، وأن الدول المجتمعة سوف تشكّل الغطاء الدولي المطلوب، لتدخل عسكري تركي أو غير تركي، من أجل فرض ممرات آمنة أو منطقة حظر طيران، أو على الأقل تبني وتسليح "الجيش الحر" على نطاق واسع ومعلن، وذلك بعدما تأمن غطاء أممي كبير في الهيئة العامة للأمم المتحدة (137 صوتاً مقابل 12 وذلك بتاريخ 17/2/2012)، وفي ذلك كله يلعب "المجلس الوطني" دوراً محورياً باعتباره الشريك السوري في مواجهة نظام انتهت صلاحيته!.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية