‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عربية. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 مارس 2013

صفقة السلاح الروسي للعراق: السمسار إيران والأكراد سرّبوا خبرها

ما زال الغموض يحيط بمصير صفقة السلاح الروسي للعراق، فيما تكشف معلومات القبس عن أسرار وملابسات كثيرة دارت حولها.
بغداد ما زالت تقول إن الصفقة ماضية، فيما قالت مصادر روسية إنها ألغيت، متهمة واشنطن بأنها وراء إيقافها. أما أربيل، 
فتقول إن الصفقة فشلت. وطهران لزمت الصمت ولكن تحركها يجري وراء الستار.
الصفقة تضم 30 مروحية هجومية «سمتية» من طراز مي - 28 مع 42 منظومة صواريخ أرض جو من طراز بانتسير، بمبلغ 4.2 مليارات دولار، ورافقت ذلك مفاوضات للحصول على مقاتلات ميغ 29 ودبابات من طراز حديث تي 72. وشكّل رئيس الوزراء العراقي لجنة لإعداد المستلزمات قبل أن يسافر إلى موسكو للتوقيع عليها، وحين وصوله (إن كان يدري أو لا يدري) كان هناك وفد إيراني يتباحث حول مطالبة روسيا بالتخفيف من تشددها في اجتماعات لجنة (5+1) حول النووي الإيراني.
لم تكن هذه هي مهمة الوفد فقط إنما كان ينتظر إبرام الصفقة التي كانت طهران «سمساراً» لها والزبون عراقي. وبحسب مصادر القبس فالوساطة الإيرانية بين بغداد وموسكو لم تكن فقط بمنزلة «رشوة» لروسيا مكافأة لها على موقفها الداعم لإيران وسوريا، إنما جاءت رداً على طلب واشنطن من بغداد إيقاف رحلات السلاح الإيراني إلى دمشق عبر الأجواء العراقية. أما واشنطن، فكانت تنظر إلى الصفقة بعين القلق رغم أنها أظهرت عدم مبالاتها. وكالعادة في مثل هذه الحرب السرية، تحركت المخابرات الأميركية لتضع أول عصا في عجلة الصفقة، بتسريب معلومات عن فساد اللجنة التي شكّلها المالكي وأن هناك عشرات ملايين الدولارات «رشوة» سيقبضها أعضاؤها عند إتمامها.
وتلقفت لجنة النزاهة البرلمانية في بغداد وبدفع كردي هذه المعلومات، وطالبت بالتحقيق. وفوجئ المالكي فقرر لفلفة الفضيحة بإيقاف الصفقة مؤقتاً ريثما تتولاها لجنة جديدة، وأبلغ الجانب الروسي بذلك. موسكو من جانبها لزمت الصمت منتظرة وعد بغداد. أما الأكراد، فكانوا معترضين، معتبرينها «سلاحها هجومياً» سيستعمل يوماً ما ضدهم. فسافر الزعيم مسعود البرزاني إلى موسكو لثنيها عن إتمامها. وبعد يوم من المباحثات أعلن من موسكو أن الصفقة فشلت.
وحسب مصادر القبس، فإنه تلقى وعداً روسياً بالتريث في إتمامها لقاء تغيير موقفه الداعم للمعارضة السورية والقبول بمرور شحنات السلاح الإيراني إلى النظام السوري عبر أراضي كردستان، ووعدوه، أيضاً، بتسليح البشمركة. بغداد تطايرت من هذه المعلومات، واعتبرت تسليح البشمركة إحدى المخالفات الكبرى للأكراد. فيما طمأنت طهران المالكي بأن الروس لن يلعبوا على الحبلين كعادتهم.

الجمعة، 22 فبراير 2013

الصراع السني ـ الشيعي في لبنان بلغ مستويات مثيرة للقلق

لا ينفصل الصراع السني ـ الشيعي في لبنان عن الصراع السني ـ الشيعي في المنطقة. ولكن نظرا لخصوصية الوضع في لبنان وتركيبته المعقدة وتوازناته الطائفية والسياسية الدقيقة، كان الصراع السني الشيعي يظل دائما مضبوط الإيقاع محصور النطاق وتحت السيطرة ومن ضمن قواعد اللعبة. ولكنه ومنذ مطلع هذا العام سجل تطورا وسلك منحى تصعيديا وتصاعديا وبدأ يقترب من دائرة الخطوط الحمر والمستويات المثيرة للقلق في حال استمرت الأمور في منحاها الحالي ولم يصر الى وضع «ضوابط وكوابح» تحد من اندفاع «قطار الفتنة».

ويمكن التوقف عند أربعة مؤشرات وعناصر تعزز هذا القلق وتدل على تقدم مسار الخلاف والتصادم على مسار الحوار والتسوية.. وهي:

١ ـ المعركة الدائرة حول قانون الانتخابات وباتت مختزلة في جولاتها النهائية في معركة «القانون الأرثوذكسي». هذه المعركة على قانون الانتخابات تدخل في صلب الصراع السياسي الدائر بين السنة والشيعة منذ ما بعد الطائف والمتحرك صعودا وهبوطا منذ العام 2005 عبر عدة محطات بدءا من التحالف الرباعي الذي لم يعمر إلا أشهر قليلة، مرورا باتفاق الدوحة الذي لم يعمر إلا سنوات قليلة، وصولا الى محطة الافتراق الكبير بداية العام 2011 عندما تم إخراج الرئيس سعد الحريري من الحكم والبلاد وحصل ما يشبه «الانقلاب السياسي» بطرق دستورية.

هذا الصراع السياسي هو صراع على السلطة وحول «من سيحكم لبنان لسنوات مقبلة» يتمحور حاليا حول قانون الانتخابات ويكاد أن يكون مختزلا به، وأن تصبح معركة «الأرثوذكسي» معركة «حياة أو موت» بالنسبة لتيار المستقبل في سياق خطته وإستراتيجيته للعودة الى الحكم من باب الانتخابات، ومعركة «مفصلية» بالنسبة لحزب الله في سياق خطته وإستراتيجيته لتثبيت وضعه المتقدم في الحكم وفي البرلمان بعد الحكومة. ولذلك فإن معركة قانون الانتخاب التي هي في المبدأ والأساس معركة تحسين وتحصيل التمثيل المسيحي والمناصفة الفعلية، هي في العمق والواقع معركة مفصلية في الصراع السياسي المفتوح بين تيار المستقبل وحزب الله.

٢ ـ عملية الاستقطاب الجارية في معرض هذا الصراع للعنصر والمكون المسيحي الذي طرأت على أجوائه تغييرات في الفترة الأخيرة. المسيحيون منذ العام 2006 بدوا قوة سياسية «ملحقة وتابعة» ومتحركة على هامش الصراع السني ـ الشيعي بحكم أن القيادات والقوى المسيحية موزعة بين الطرفين في إطار الانقسام السياسي في البلد بين فريقي 8 و14 آذار. وفي ظل هذا الصراع أتيحت فرصة للزعيم الدرزي وليد جنبلاط في أن يلعب دور بيضة القبان والقوة المرجحة. ولكن حصل أخيرا ما أدى الى تقدم الصراع المذهبي على الصراع السياسي وهو ما يؤدي تباعا الى تغييرات في الخارطة السياسية بحيث ان تعديلات بدأت تطرأ مثل اتساع الحالة الوسطية وانحسار الانقسام السياسي على أساس 8 و14 آذار، مقابل تقدم الانقسام الطائفي بين الطوائف والمذاهب. وهذا التبدل يجعل المجموعة المسيحية مرشحة لأن تلعب دور القوة المرجحة وبيضة القبان في الصراع الدائر وأن حالة من التنافس والتسابق بين القوتين الشيعية والسنية ستشتد لاجتذاب واستقطاب العنصر المسيحي مع تسجيل تقدم بالنقاط لحزب الله على تيار المستقبل في إدارة معركة قانون الانتخاب، ومع الإشارة الى أهمية العامل المسيحي في الانتخابات النيابية التي تدور فعليا على الأرض المسيحية وفي الانتخابات الرئاسية (هوية الرئيس الماروني).

٣ ـ وصول التجاذب السياسي الى المؤسسة العسكرية، وظهر ذلك بوضوح في تداعيات «حادثة عرسال» وردود الفعل عليها، وسجلت انفعالات ومزايدات عند الطرفين: عند حزب الله الذي نظم مع حلفائه حملة تضامن واسعة مع الجيش. وعند تيار المستقبل و«أهل السنة» الذين وجهوا انتقادات الى الجيش لدرجة اتهامه بالوقوع تحت نفوذ وتأثير حزب الله. وهكذا وجد الجيش نفسه في وضع مستجد وغير سليم وواقعا بين فكي التشجيع والتحريض من جهة والتشكيك والاتهام من جهة ثانية، ومهددا بتعطيل دوره.

٤ ـ التورط بأشكال مختلفة في الأزمة السورية، والذي بلغ حد التورط في القتال الدائر على أرض سورية لتبقى سياسة النأي بالنفس في إطارها الرسمي والنظري من دون التزام أطراف إعلان بعبدا بها. وبعد توافر وقائع وأدلة على تورط سني (تلكلخ) وشيعي (القصير)، صار السؤال بعد وقوع واقعة القتال غير المباشر في سورية ما الذي يمنع انتقال القتال الى لبنان ليصبح مباشرا أم أن المسألة مسألة وقت وتبدأ في لبنان حين تنتهي في سورية؟ 

الأنباء الكويتية

السبت، 26 يناير 2013

تطورات الشرق الأوسط قد تجر أوباما إلى التورط

الخط الأساسي الممتد من الولايات المتحدة إلى الصين وإلى روسيا وأوروبا والمنطقة العربية والشرق الأوسط إلى أفريقيا وإلى أميركا الجنوبية وكافة أنحاء العالم يبقى واحداً، وهو: أن الفرد يبحث عن لقمة العيش والوظيفة، يبحث عن الحياة الآمنة وبعض الاستقرار. يبحث عن يومٍ ما يخف به الفساد الذي يطوّقه وتنحسر فيه تلك النزعة المتجذرة إلى السلطوية واحتكار السلطة والاستفراد بالقرار. أحاديث المنتدى الاقتصادي العالمي قل ما تركز على هذه البديهيات لأن التحديات التي يُفترض أن يدقق فيها قادة النخبوية في شتى القطاعات تدخل عامة في خانة الاستراتيجيات الكبرى وصنع القرارات العالمية. هذه السنة، اقتحم أجواء دافوس نوع من الحاجة إلى ضخ التفاؤل والثقة بالديناميكية التي أراد لها رئيس المنتدى البروفسور كلاوس شواب أن تتسم بالمثابرة والقدرة على التحمل والتأقلم والتغلب على الصعوبات والتشاؤم. 
  
 لذلك لربما حاول منظمو المنتدى توجيه الأنظار بعيداً عن مآسي ما يحدث في سورية أو مالي، للتركيز على التحديات الكبرى التي تحدق على المدى البعيد في مستقبل الدول، من روسيا إلى الصين، إلى الولايات المتحدة وأوروبا ومنطقة الشرق الأوسط والعالم. كان ذلك تمريناً مفيداً في جلسات وحوارات المنتدى على جبال الألب، لكن واقع المآسي بقي مرادفاً، والتشاؤم بقي مسيطراً بالذات عند بحث المنطقة العربية. على رغم ذلك، دفع النقاش في دافوس اللاعبين السياسيين كما كبار المفكرين إلى مرتبة أخرى من النقاش تعدّت الحدث اليوم ودخلت إلى معنى الأحداث على المدى البعيد إقليمياً ودولياً. وهذا أدى إلى طرح أفكار خرجت عن نمط الاجترار وفتحت آفاقاً على تناول مختلف لما حدث منذ أتى التغيير إلى المنطقة العربية، وماذا قد يحدث في عهد الانزواء عن القيادة بالذات داخل أهم دولتين مؤهلتين للقيادة العالمية – الولايات المتحدة والصين.
  
 روسيا التي أراد لها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2013 أن تكون النجم وتلقت صفعة استهلت مخاطبة رئيس الوزراء للمنتدى ديمتري ميدفيديف. فلقد وضع المنتدى دراسة عن السيناريوات السلبية التي قد تحدق في مستقبل روسيا وتم إجراء استفتاء في الجلسة الافتتاحية حول ما هو الخطر الأساسي والأول الذي يحول دون تقدّم روسيا في السنوات المقبلة. أتت النتيجة لتسجل أن ما يقارب 80 في المئة أكدوا أن ما تفتقده روسيا هو الحكم الرشيد وأن الأولوية القصوى في سياساتها يجب أن تكون لمحاربة الفساد والحكم الرشيد وإدخال الإصلاحات الجذرية.
  
 ميدفيديف تصرّف على الطريقة الروسية – البوتينية بامتياز. ضرب بعرض الحائط تلك النتيجة التي حذرت من أن حكومته ستواجهه ثورة من الطبقة الوسطى إذا استمر هو ورئيسه فلاديمير بوتين بتجاهل الحاجة الماسة إلى إصلاح اقتصادي وسياسي على السواء.
  
 هذا النمط من الإنكار Denial مرض متفش في كثير من الدول النامية التي ترفض الاعتراف بما يعرقل مسيرتها إلى النمو والتقدم. روسيا بوتين لا تعتبر نفسها دولة كبرى فحسب وإنما دولة عظمى. إنها تتصرف على هذا الأساس بقفز ونكران وتجاهل للحاجة الماسة إلى الإصلاح والديموقراطية اللذين يقفان عثرة أساسية أمام مستقبلها.
  
 ما يراهن عليه فلاديمير بوتين وتلميذه ديمتري ميدفيديف هو انحسار الرغبة أو القدرة على القيادة لدى الآخرين بالذات الدولتين الكبريين – الولايات المتحدة والصين. الرئيس الأميركي باراك أوباما أوضح في ولايته الأولى أنه ليس راغباً بمحاربة دور القيادة للولايات المتحدة لا سيما في أماكن النزاع بالذات في الشرق الأوسط – وأنه ليس معارضاً لفكرة الشراكة في القيادة.
  
 وجد بوتين فرصة مضاعفة له في المنطقة العربية حيث امتدت نزعة باراك أوباما بالانسحاب والانعزالية لتجنب التورط في ما قد يؤدي بالأميركيين إلى دفع كلفة التورط بالقوات والمال. ورافق تلك «الأوبامية» استعداد من قِبَل القيادة الصينية لإيلاء القيادة في مسائل الشرق الأوسط – بالذات سورية وإيران – إلى روسيا بصورة تشابه التكليف بالنيابة للقيادة إلى روسيا.
  
 أخطاء روسيا في تفسيرها لهذه الوقائع لا تنحصر باستدعائها العداء من المنطقة العربية وكذلك من الجهاديين المتطرفين وإنما هي أيضاً أخطاء قراءة استراتيجية لما يحدث في العلاقة الأميركية – الصينية أو في التنافس المبطن على القيادة العالمية بين العملاقين.
  
 أحد المفكرين المخضرمين في هذه الأمور قال في إحدى الجلسات المغلقة إن ما يسمى بـ Pivot to Asia أي التحول في الاهتمام إلى آسيا مفاده أن الولايات المتحدة قررت مواجهة الصين في عقر دارها. هذه المواجهة قد تبدو، سطحياً، مقتصرة على المنافسة لاقتصادية وحشد الدعم والولاء لأميركا في الدول المجاورة للصين. إنما في العمق، بحسب هذا المخضرم، أن مثل هذه المواجهة الاستراتيجية والمنافسة على العظمة ستتطلب في نهاية الأمر عكس ما هو حجر الأساس في السياسة الأوبامية – أي حشد الإمكانيات العسكرية الأميركية الكبرى والاستعداد لاستخدامها إذا برزت الحاجة.
  
 في هذه المعادلة بين العملاقين الحقيقيين، تبدو روسيا عملاقاً قزماً وتبدو موضع استخفاف في نهاية المطاف، أميركياً وصينياً، وهي تورط نفسها في الشرق الأوسط متوهمة أنها تصنع التاريخ فيما التاريخ يحذفها من معادلة الكبار الذين يفوضونها بالقيادة أو يوحون لها بانعزالية وتخلّ عن القيادة. ساحة هذه التطورات المهمة في العلاقة الأميركية – الصينية – الروسية هي سورية بشكل خاص حيث تخوض الجمهورية الإسلامية الإيرانية معركة بقاء وتعتقد بدورها أنها هي وحدها تمتلك سلم الهبوط أو "سلم التسلق هبوطاً" ليس فقط للقيادة السورية وإنما أيضاً للقيادة الروسية.
  
 على الصعيد الآني، تُبذّل الجهود حالياً في الأمم المتحدة – وفي بعض اللقاءات وأحاديث دافوس – للعمل على صيغة إخراج من الوضع الراهن في سورية توفر صيغة «إنقاذ ماء الوجه» لكل من القيادة الروسية والقيادة السورية كي يكون في الإمكان إنقاذ القيادة الأميركية من التورط ومن المحاسبة على التلكؤ واعتماد التآكل والاستنزاف سياسة.
  
 إدارة أوباما الثانية تود الكف عن اعتماد «تعييب» السياسات الروسية Shaming كسياسة وتبحث عن وسائل للكف عن إحراج روسيا واستبدال ذلك بنوع من الشراكة. عقدة موسكو تبقى في رغبتها بعدم الظهور بأنها تتخلى عن صديقها في دمشق، الرئيس بشار الأسد، وهي راغبة في التعاون إذا ما تمت معالجة تلك العقدة. والكلام يدور في حلقة إمكانية ووسائل تحييد «عقدة الأسد» في الجولة الأولى من الحلول السياسية.
  
 البعض يقترح وضع مسألة الأسد على جنب بمعنى عدم الانطلاق من الاشتراط بأن لا دور له في العملية الانتقالية السياسية أو بأن عليه التنحي. يقول هذا البعض إن أسلوب «الافتراضيات» قد يكون مفيداً للخروج من الحلقة المفرغة في البحث عن حل سياسي وكي يتم التركيز على التحول الديموقراطي الحقيقي بما يحافظ على وحدة سورية بدلاً من تدهورها إلى التفكك والتفتت. جزء أساسي من أسلوب الافتراض هو أن بشار الأسد لن يبقى رئيساً في نهاية المطاف بعد أن تبدأ حكومة انتقالية أعمالها ويتم التوصل إلى دستور جديد يحدد مدة الرئاسة وبعدما يتم إجراء انتخابات بمراقبة حقيقية. هذا رأي يشق طريقه إلى الجهود الدولية التي تُبذَل في الأمم المتحدة ولربما يكون جزءاً مما يسمى «جنيف +» في إشارة إلى الاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا الصيف الماضي – ثم وقع في الحلقة المفرغة بسبب اختلاف تفسيره بالذات بين روسيا والدول الغربية.
  
 مصير هذا الرأي يتوقف ليس فقط على ما تقبل به المعارضة السورية وإنما أيضاً على ما إذا كانت إدارة أوباما الثانية جاهزة له. روسيا تحاول التملّص من المأزق والنفق الذي أدخلت نفسها فيه وهي تتمنى أن تمد لها إدارة أوباما الثانية السلم للتسلق هبوطاً.
  
 الرئيس أوباما لا يمانع الابتعاد عن التورط وهو يبدو عازماً على تجنب الانجرار إلى صنع السياسة الخارجية بالذات في الشرق الأوسط. تحوّله إلى آسيا يشكل الرد الأميركي على صعود الصين وهذا سيفرض عليه الانخراط في السياسة الخارجية. تطورات منطقة الشرق الأوسط قد تجره «مرغماً» إلى الانخراط مهما حاول تجنب الانزلاق في متاهات المنطقة.
  
 كثير من الأميركيين المعنيين بصنع السياسة الأميركية لا يريدون أن يتورط في فشل آخر ولذلك ينصحونه بتجنب تناول الملف الفلسطيني – الإسرائيلي، أقله مطلع إدارته الثانية. وزير خارجية بريطانيا وليام هايغ يريد العكس وهو يدفع بأوباما إلى الإقدام على البحث الجدي عن حل جذري للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. الانقسام كبير حول خيارات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد حصول فلسطين على مقعد دولة غير عضو في الأمم المتحدة بين من يشجعه على التوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية للشكوى على إسرائيل لا سيما ضد سياسة الاستيطان واستمرار الاحتلال كجريمة حرب، وبين من يهدده بالعقاب المرير وقطع عنق السلطة الفلسطينية أو خنقها عبر حجب كامل المعونات الأميركية إذا تجرأ عباس على تلك الخطوة.
  
 النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي والموضوع السوري ليسا وحدهما في طليعة الأحداث التي قد تجر إدارة أوباما الثانية إلى التورط. دول «الربيع العربي» كما تسمى – أيضاً قد تستدعي إدارة أوباما الثانية إلى الانزلاق في متاهاتها من مصر إلى تونس مروراً بليبيا واليمن.
  
 رئيس البنك المركزي السابق في تونس مصطفى نبلي الذي عاد إلى دافوس من دون تلك الحقيبة علماً بأنه أتى إلى دافوس قبل سنتين بنشوة التغيير. قال هذه المرة: «كنا نحلم وأقدامنا في الهواء. ما زلنا نحلم إنما أقدامنا الآن في الأرض الوحلة». قال إن المعركة مستمرة بين الواقع والتوقعات والخلاف مستمر على الأسس الجذرية مثل نوعية الدستور وكيفية التوجهات. لفت إلى أن «العنف في السياسة» يستعر كرفيق لفرض الأيديولوجيات الدينية منها والمدنية.
  
 هذه المعارك مصيرية والمرحلة الانتقالية في المنطقة العربية معقدة في بعدها المحلي وفي استدعاء الآخرين إليها.
  
 ضخ التفاؤل في مثل هذه المرحلة صعب جداً. لكن عنوان دافوس ليس مجرد بدعة. إنه دعوة جدية إلى الكف عن التشاؤم واستبداله بديناميكية تدعمها المثابرة والقدرة على المضي إلى التغيير الحقيقي بتواصل مع المستقبل.
  

الخميس، 3 يناير 2013

ماذا يفعل قائد فيلق القدس الأيراني في القاهرة - "الإخوان" استعانوا بإيران للسيطرة على الأجهزة الأمنية!

قالت مصادر أمنية مصرية رفيعة المستوى إن قائد فيلق القدس الايراني، اللواء قاسم سليماني، زار القاهرة في الفترة من 26 إلى 30 ديسمبر الماضي، والتقى الدكتور عصام الحداد، مسؤول ملف العلاقات الخارجية في الرئاسة المصرية. وأكدت المصادر، التي طلبت عدم ذكر اسمها، أن الحديث بين الطرفين دار حول أساليب السيطرة على الأجهزة الأمنية في مصر، خاصة أن سليماني خبير في هذا المجال، وكان قد نجح في فرض سيطرة النظام الإيراني على أجهزة الأمن في إيران. وأشارت المصادر المصرية إلى أن اللقاء دار داخل أحد الفنادق الشهيرة بالقاهرة، وفرضت أجهزة أمنية تابعة لمؤسسة الرئاسة طوقا أمنيا حول الفندق طوال تلك الزيارة، ومنعت أفراد الشرطة التابعين لوزارة الداخلية من التواجد في الفندق. وأوضحت المصادر أن قيادات في جماعة الإخوان المسلمين كانوا على علم بهذا اللقاء، وأنهم هم من قاموا بترتيب الزيارة إلى القاهرة التي تسببت في غضب قيادات في وزارة الداخلية بعد علمهم بما دار فيها. وذكرت المصادر أن جهاز الأمن الوطني رصد خلال الفترة الماضية قيام عدد من المسؤولين الإيرانيين، بالتنسيق مع قيادات إخوانية، بالترتيب لإنشاء وكالة أخبار إيرانية في القاهرة بالقرب من مقر مجلس الوزراء. "القبس" الكويتية

السبت، 8 ديسمبر 2012

هذا حال الفساد المستشري في حزب "المقاومة" لماذا يطمس «حزب الله» الفضائح؟

قال السيد حسن نصرالله الأمين العام لحزب الله في لبنان في اجتماع موسع لقيادات الحزب ما معناه «حقاً نحن نمتلك صواريخ لضرب إسرائيل، ولكن من أين نأتي بالصواريخ لضرب الفساد؟!».
هذا الكلام لم يعد سراً بالنسبة إلى جميع الكوادر الحزبية التي لا شك ان بينها من هو نظيف جداً، ويعتبر نفسه أنه يحمل قضية، كما لا شك ان بينها من ثبت انه يقع في الإغراء حتى ولو كانت الهدية عبارة عن جهاز تلفزيون، فكيف يكون الحال اذا ما كانت الهدية شقة فاخرة، شقة فاخرة بكل أثاثها وتجهيزاتها، ربما وصولاً الى الزوجة الثانية أو الثالثة، فضلاً عن الخادمات، لم يصل الأمر حتى الآن الى حد إهداء خادمات.. رومانيات!
وتردد ان نصرالله تحدث، وأمامه كومة من التقارير التي تتحدث عن ثروات البعض، وعن ممتلكاتهم، وعن شبكاته التجارية التي تنسحب على أشقائه وذويه بطبيعة الحال، ليضيف ما معناه أيضاً ان ما في هذه التقارير أكثر خطورة، وأكثر هولاً، من ألف كيلو غرام من المتفجرات توضع أمامي، وهنا بالذات. متفجرات لا تدمر المكان بمن فيه فحسب، وانما تدمر الحزب.
وتردد أيضاً ان نصرالله قال للقيادات انه يرفض ان يكون شاهداً على تفجير الحزب، لذا قدم استقالته الى تلك القيادات، وقال انه وضع رسالة في هذا الخصوص الى الولي الفقيه، أي الى آيه الله علي خامنئني بعدما قال ان الفساد وصل الى الأعصاب الحساسة جداً للحزب، وانه بات خائفاً على نفسه من أن يصاب بهذه العدوى.
حذرنا من السلطة
البعض امتعضت وجوههم، والبعض ذكرّوه بأنهم حذروه من الانخراط في السلطة، عبر المجلس النيابي، أو عبر التشكيلة الحكومية، ناهيك عن المجالس البلدية وما شاكل، لأن السلطة في لبنان تقوم، إلا فيما ندر، على الفساد «وعندما نصبح جزءاً من السلطة لا مناص من ان نصبح جزءاً من الفساد الذي دخلنا نحن إليه بإرادتنا، ولم يكن بالإمكان تحصين النفوس، ونقصد كل النفوس ضده».
البعض دعا الى انقلاب داخل الحزب، أو الى ثورة داخل الحزب، باعتبار ان الترقيع ليس مجدياً، وحصل هذا بعدما تبين ان جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، وقيل أجهزة استخبارات أخرى، تمكنت من اختراق بعض القيادات العسكرية، بما في ذلك قيادات في حوزتها كل الأسرار حول الصواريخ وحول أمكنة وجودها، الاختراق حصل مالياً ونسائياً.
الإجراءات الحديدية .. وعالم المال
لم يصدق نصرالله ان تلك الأسماء يمكن ان تتورط، وان تقع في الإغراء وفي الإغواء بعدما كان يلتقيها في أحيان كثيرة، وان كان جهاز الاستخبارات التابع للحزب طبق إجراءات حديدية للحيلولة دون معرفة أماكن تواجد نصرالله الذي قيل انه لا يمكث في المكان الواحد لأكثر من شهرين أو ثلاثة، فالجهاز يتعامل مع أي قيادي في الحزب، حتى ولو كان من أقرب المقربين، كأي شخص عادي عندما ينقل للقاء «سماحة الأمين العام».
قبل انفجار قضية عزالدين، والأموال التي كان يوظفها لقاء فوائد مجنونة، وبمعنى الكلمة، كانت هناك أقوال كثيرة، ذات مرة، كان أحد كبار أركان الحزب عند نصرالله، وعندما مد يده الى جيب سترته ليتناول قلماً بدت «ماركة» البدلة التي يرتديها الضيف واضحة تماماً. انها المار كة التي لا يشتريها الا أثرياء القوم، لم يتحمل نصرالله ذلك، وسأله عن ثمن البدلة، وتردد انه بعدما استغرب ان يشتري «مجاهد كبير في الحزب» البدلة اياها، لاحظ ان سعرها يفوق راتب أي مقاتل بثلاث أو أربع مرات..
ولكن هناك من يقول ان الخطأ الذي ارتكبه الحزب لم يكن انخراطه في السلطة وحسب، بل وانخراطه في عالم الأعمال ايضا، اذ اصبحت له مؤسساته التجارية الضخمة التي، وان كانت تدار من قبل اشخاص آخرين مؤتمنين من قبل الحزب، ولهم باعهم الطويل في القطاعات المعنية، فقد كان للشركاء اقرباء او اصدقاء في الحزب. وعندما تدخل الارقام في اللعبة، هل من الممكن ان تبقى المبادئ على نقائها؟!
الحزب بين السلطة والمال. كيف يمكن حمايته إذن من الفساد؟
اغتيال مغنية
لا أحد يدري ما إذا كانت صحيحة تلك المعلومات التي قالت ان اختراقا حصل وأدى الى اغتيال القائد العسكري للحزب عماد مغنية، باعتبار ان الرجل كان يعتمد اساليب للتخفي او للاختفاء لا تخطر في بال. ثمة من وقع في الاغواء مع ان الحلقة التي كان يعمل فيها ضيقة جدا ومخلصة جدا. يحكى عن لغز مثير، مثلما يحكى عن اختراق مثير، ربما عن امرأة مثيرة ايضا. والله أعلم.
قضية عز الدين كشفت عن أهوال. والأهم من الارقام التي بات مؤكدا انها اذهلت نصر الله واغضبته الى حد الاستعانة بالأطباء للحيلولة دون التأثيرات السلبية لارتفاع معدل السكر في الدم، هو ذلك الجشع في تكديس المال، وعبر طرق تبين انها لا تمت الى المبادئ الدينية والحزبية بصلة..
عملية تطهير
بدا واضحا ان ثمة تدهورا، لكن المشكلة كانت في عدم امكانية تنفيذ عملية تطهير واسعة لما لذلك من انعكاسات دراماتيكية على الحزب الذي يقول عدد من انصاره انه عبارة عن أمينه العام وعن المقاتلين في الخنادق، والذين وضعوا حياتهم على أكفهم، اما الآخرون، فإن بعضهم يبدو وكأنه ضيف مقيم لدى.. الف ليلة وليلة.
بطبيعة الحال، هناك من قال داخل اجتماعات للنقد الذاتي ان اعضاء الحزب بشر، وانهم يعيشون في لبنان الذي ورث كثيرا من الماركنتيكية الفنيقية، كما ان الحزب مر في اوقات ضاغطة جدا، وفي حروب ضروس، مما استدعى التجنيد العشوائي في احيان كثيرة، وهذا ما احدث ثغرات في بنية الحزب كان يتم استدراكها «منهجيا».
وعلى الرغم من التعبئة العقائدية المكثفة لم يكن بالامكان تفادي حصول بعض «السقطات القاسية» جدا، وحين كانت الاختراقات المعروفة من قبل الموساد الذي لا بد انه يتقن لعبة التعامل مع نقاط الضعف، فضلا عن لعبة اكتشاف نقاط الضعف هذه..
تغطية الفضائح
المشكلة ايضا في من يستظلون قيادات الحزب، ان لجهة القرابة الضيقة جدا، او لجهة الصداقة الضيقة جدا.
ولعل المشكلة الاخطر ان قيادات الحزب تغطي على الفضائح، خشية ان تصبح قيد التداول العلني، مع ان حجبها في لبنان الذي هو عبارة عن «قرية» لا مجال لاخفاء الأسرار فيها، لا بل ان الفضائح عندما تحجب تصبح أسرارها أكثر.
انتشاراً وأكثر تضخيماً، فحين ظهر من تحقيقات احد الاجهزة ان ابن الشيخ محمد يزبك، وهو عضو في مجلس الشورى واحد اركان الحزب في منطقة البقاع، يعمل في تهريب السلاح الى سوريا، راحت الاشاعات تتوالد، والى حد القول انه كان يتولى تهريب السلاح الاسرائيلي.
وحينما اندلعت فضيحة حبوب الكبتاغون وغيرها من حبوب الهلوسة، والمخدرات، وتبين ان شقيق النائب حسين الموسوي هو الضالع الرئيسي في تصنيع تلك الحبوب وترويجها، لاسيما في الضاحية الجنوبية، لم توفر الاشاعات النائب نفسه الذي كان الناس يرددون انه بذل المستحيل لطي الملف، فهل من الجائز لأي مسؤول في الحزب ان يطمس فضيحة بهذه الخطورة؟!
أدوية مزورة... أوراق مزورة
ثم ألا يشجع ذلك آخرين على الدخول في محظورات اخرى ما دام هناك من يؤمن لهم الحماية أو التغطية في الاوقات الحرجة؟!
... وصولا الى قضية الادوية المزورة. والواقع ان سمعة وزير التنمية الادارية محمد فنيش كانت دائما بعيدة عن الشبهات. الرجل دمث وآدمي ومتقشف وبعيد عن مظاهر الصخب والتعالي. ولكن باسمه هو ارتكب شقيقه عبداللطيف (محمود) ما ارتكب، وضد صحة الناس، فيما بذلت جهود هائلة للفلفة القضية، بحيث تتحول من قصة ادوية مزورة، وذكرت بالاسم وسحبت من الاسواق، الى قصة اوراق مزورة.
حين يكون هناك مال حتى ولو وصف بــ«الطاهر» لا بد ان تهتز المبادئ، وحين تكون هناك سلطة، لا بد ان تكون هناك مكيافيلية، وانتهازية، وحتى زبائنية تنتج ما هو اشد قباحة بكثير، فهل اقتنع «حزب الله» بأنه لا يستطيع العودة الى الوراء، اي ان يبتعد عن الضوء ويعود الى الخنادق، كي لا يقال «مثلما تحمي الصواريخ لبنان، حسبما يقول نصر الله، فإنها تحمي الفساد ايضا»؟!
ربما شخصية حسن نصرالله تختلف عن شخصية ياسر عرفات الذي دمر الثورة الفلسطينية، كما دمر لبنان، بالمال، وان كان هناك من يعطي التبريرات تلو التبريرات. وللتذكير فقط، فإن وفداً فيتنامياً زار في مطلع السبعينات «فتح لاند» في منطقة العرقوب في جنوب لبنان وسهر مع فدائيي تلك المرحلة ليعود من هناك بهذا الانطباع «تلك ثورة غير قابلة للحياة لأنها متخمة».
نتيجة العقوبات
سبب الانطباع هو رؤية اعضاء الوفد لمئات علب «المربّى» المقدمة من الغرب وقد نثرت حول الخيم، فيما اخذ من كل منها مقدار ملعقة او ملعقتين ثم رميت ارضاً.
يقال الآن ان العقوبات التي فرضت على ايران التي لا يمكن ان تكون سخية كما في السابق قد ينتج عنها أمران، اما التقشف في بلد يعيش هستيريا المال، او الانخراط أكثر فأكثر في الفساد، ويقال: من دخل السوق باع واشترى!
 عن القبس

الأحد، 25 نوفمبر 2012

كاتبة سورية من الطائفة العلوية توصم بالخيانة العظمى بسبب تأييدها للثورة السورية


بالنسبة لضابط البوليس السري الكبير الذي ظل يصفعها عدة مرات حتى تهاوت قدماها، كانت سمر يزبك خائنة، فالمشاركة في مظاهرات مناهضة للنظام كانت في رأيه فعلا سيئا بما يكفي، إلا أن ما جعل هذا الفعل يصل إلى مرتبة الخيانة العظمى المشينة إلى أبعد حد في نظر ذلك الضابط هو أن سمر يزبك كانت من بين القلة القليلة من العلويين البارزين الذين جاهروا بخروجهم على النظام. فبعد بداية جادة عام 1970، حينما استولى حافظ الأسد على الرئاسة في انقلاب عسكري، انتزع العلويون سوريا من قبضة سادتها التاريخيين من الطائفة السنية، وبالتالي فمن الممكن أن يخسروا كل شيء إذا ما عاد السنة إلى السلطة.

وكان من بين ما صاح به الضابط في وجهها «أنت نقطة سوداء في جبين جميع العلويين»، ثم استدعى رجلين مفتولي العضلات اقتادا سمر يزبك إلى سلسلة من زنازين التعذيب المبنية تحت الأرض كنوع من الوعيد المؤلم. وقد روت أنها وجدت في الزنزانة الأولى 3 شباب أجسادهم نصف عارية ومعلقين من أيديهم في السقف إلى درجة أن أصابع أقدامهم كانت بالكاد تلامس الأرض. وكتبت سمر يزبك في مذكراتها التي نشرت مؤخرا عن أول 4 أشهر للثورة السورية بعنوان «امرأة في تقاطع النيران»: «كانت الدماء تسيل من أجسادهم، دماء طازجة، ودماء جافة، وجراح عميقة في جميع أنحاء أجسادهم، كما لو كانت ضربات ريشة رسام تجريدي. فجأة حاول واحد من هؤلاء الشباب أن يرفع رأسه في وهن، فرأيت وجهه على خيوط الضوء الخافت. لم يكن لديه وجه: كانت عيناه مقفلتان تماما، وكانت هناك مساحة فارغة في المكان الذي كان من المفترض أن يكون أنفه، ولم تكن هناك أي شفاه».

وانهارت سمر يزبك (42 عاما) أمام ذلك المشهد، فأوقفوها على قدميها من جديد كي تواصل جولتها داخل ذلك المجزر، في واحد من أبشع الأيام التي روتها داخل ذلك الكتاب، الذي يعتبر تأريخا مبكرا نادرا للثورة من الداخل. وسواء في الكتاب أو في حياتها الحقيقية، تتذبذب الروائية سمر يزبك بين اعتناقها للشعار العلوي ورفضها له، حيث كرهت ما يجري من تلوين للثورة بألوان طائفية، وهو شعور سائد بين ذلك العدد المحدود من العلويين الذين أعلنوا انضمامهم إلى الثورة. وقد ذكرت باللغة العربية وهي تتناول القهوة داخل فندق في منطقة ميدتاون مانهاتن: «لم أكن أهتم أبدا بما إذا كنت علوية أم لا. لقد كان الأمر كما لو أن شخصا يقول إن لديك عينان زرقاوان».

وقد كان تأييد الحركة الاحتجاجية السلمية التي انطلقت في شهر مارس (آذار) عام 2011 أمرا نادر الحدوث بين الأقلية العلوية، التي تمثل نحو 12 في المائة من سكان سوريا البالغ عددهم 23 مليون نسمة، فرغم كل شيء، فإن الرواية الرسمية عن الثورة تقول بأن عصابات الإرهابيين السنة القادمة من الخارج تسعى إلى إسقاط النظام. إلا أن سمر يزبك تقول: «بدأت أقول إنني علوية وإنني مع الثورة». ولم تكن هذه هي أول مرة تواجه فيها مصاعب في حياتها، فقد ولدت سمر — التي تمتلك ملامح جميلة مثل كثيرين من أبناء المدن الساحلية السورية — في أسرة بارزة بدأت ثرواتها في التضاؤل بعد أن قام جدها طواعية بتوزيع أراضيه الشاسعة على الفلاحين الذين كانوا يعملون فيها (وقد كانت إحدى قريباتها من بعيد متزوجة من أسامة بن لادن). وكانت سمر واحدة من 5 أشقاء و3 شقيقات، وقد فرت من المنزل وهي في عمر 16 عاما وتزوجت وهي في عمر 20 عاما، ثم طلقت بعدها بعامين، فاصطحبت طفلتها الرضيعة معها إلى دمشق، وهي تقول إنها كانت عازمة على المحاربة من أجل حقوق المرأة، «من أجل التصدي لوضعها في العالم العربي».

وفي نهاية المطاف كان رصيدها قد وصل إلى ما يقرب من 12 كتابا، منها 5 روايات، وقد حصلت الشهر الماضي على «جائزة بن بنتر الأدبية للكاتب الدولي الشجاع»، إلا أن السلطات منعت نشر كثير من هذه الأعمال، حيث كسرت سمر يزبك قيود المحرمات بالكتابة عن علاقات الجنسية المثلية بين النساء، كما استعانت بالأدب القصصي في استكشاف التجربة العلوية. وقد تحدثت في واحدة من رواياتها الطموحة عن تفاصيل علاقة عاطفية بين ممثلة وضابط كبير، وكلاهما من العلويين وكلاهما لم يتم إخفاؤه كثيرا عن الواقع، ومن بين التغييرات الأخرى في الحبكة الدرامية أن الاثنين كانا يصران على أنهما سبق أن التقيا كعاشقين مرات كثيرة على مر القرون، فالعلويون على عكس معظم المسلمين يؤمنون بتناسخ الأرواح.

وحتى قبل الثورة، كانت سمر يزبك تقول بأن حكم عائلة الأسد أفقر العلويين، وقد اعتادت على الغضب الذي كان يجلبه ذلك عليها شخصيا، إلا أنها لم تكن متأهبة للمضايقات التي انصبت فجأة فوق رأس أسرتها بعد اندلاع الثورة، حيث وزعت منشورات تطالب برأسها في جميع أنحاء المناطق العلوية الساحلية، ومن بينها مسقط رأسها مدينة جبلة التي تقع بالقرب من اللاذقية. وقد صاحت مدرسة في وجه ابنة أخيها ذات مرة قائلة لها إن عمتها «عاهرة».

وفي النهاية قبلت سمر يزبك بأن يعلن أفراد أسرتها التبرؤ منها من أجل الحفاظ على حياتهم، إلا أنها لم تستطع تحمل التهديدات التي تعرضت لها ابنتها، التي أصبح عمرها الآن 19 عاما، ولا المشاهد المبكية لابنتها الخائفة وهي تحاول منعها من الذهاب إلى المزيد من المظاهرات. غير أن سمر يزبك كانت عازمة على أن تصبح مؤرخة للحركة الاحتجاجية السلمية، وقد تحملت مخاطر كبيرة من أجل القيام بذلك، ففي بعض الأحيان على سبيل المثال، كانت تمثل أنها بكماء حتى تتمكن من المرور عبر نقاط التفتيش.

ويصف الكتاب تفاصيل مؤلمة عن هذه المواجهات المصيرية، منها أن متظاهرا شابا إلى جوارها مباشرة أصيب بطلقة نارية أودت بحياته من بندقية قناص تابع للنظام. وهي تقول: «كنت أعلم أنه نظام قمعي، لكنني صدمت نفسيا في البداية من رؤية الناس وهم يقتلون أمامي». وقد أصابها الذهول من السرعة التي تحركت بها قوات الأمن لضرب المتظاهرين دون أي قدر من الإحساس، وكتبت: «لم أظن أبدا أن عمليات القتل يمكن أن تنتشر فجأة في الشوارع مثل الأشجار. كيف جعلت أجهزة الأمن الناس بمثل هذه الوحشية؟» وقد اضطرت إلى الاعتماد على الأدوية المنومة حتى تتمكن من النوم، وظلت تتنقل من منزل إلى آخر في محاولة ساذجة منها للهروب من البوليس السري، وحينما كانت تمشي في أي شارع من الشوارع، كانت تلاحظ أنها تنظر باستمرار إلى أسطح البنايات بحثا عن القناصة، وقالت وهي تفكر في حياتها إنها رواية أكثر واقعية من كل ما يمكنها أن تؤلفه على الإطلاق. وكثيرا ما كانت تشعر بالوحدة، حيث كتبت: «أنا مجرد امرأة في هذا العالم الصغير تعيش بمفردها مع ابنتها. ما أضيق هذا المكان على روحي. يمكنني تقريبا أن أمد يدي خارجه وألمس السماء».

وتنتهي هذه المذكرات في شهر يوليو (تموز) عام 2011 حينما فرت إلى باريس، إلا أنها ظلت منذ ذلك الحين تتسلل عائدة إلى شمال سوريا، مما أثار مشاجرات مع أصدقائها، حيث تقول رانيا سمارة مترجمة الفرنسية التي تستعين بها وصديقتها منذ 20 عاما: «أخبرتها أنها فقط تحاول إظهار نفسها. لقد سألتها ما الذي تحاول إثباته، وهو أنها ما زالت جزءا من المعركة، مما يجعلها تخاطر بحياتها من أجل الاستجابة لمن يقولون إنه ينبغي عليها البقاء؟» وتقول رانيا سمارة إنها ظلت تتصل بها يوميا لمدة 10 أيام تقريبا، مضيفة: «لقد قلت لها إنها مجنونة، وإنه ينبغي ألا تقوم بهذه المخاطرة، وإن لديها ابنة، وإنني لن أكون مسؤولة إذا حدث أي شيء». وقد شعرت سمر يزبك بالغضب، إلا أن هذا لم يثنها عن رأيها، إذ تؤكد رانيا سمارة: «لديها فكرة واضحة للغاية عما تريد فعله وما لا بد من فعله. إنها شجاعة ومخلصة. كل ما تفعله تفعله باقتناع وإخلاص».

إلا أن مشاعرها ما زالت مشاعر فطرية، ففي الكلمة الافتتاحية التي ألقتها أمام حلقة نقاشية في «معهد السلام الدولي» هنا، انفجرت في البكاء بمجرد أن بدأت في الحديث عن صمود الشعب السوري، رغم الثمن المروع الذي يدفعه. ومثل كثير من السوريين، فهي تلقي باللائمة على الغرب، متهمة إياه بالفشل الأخلاقي لعدم التوسط في الأمر، وقالت إن الغرب لم يتحرك لأن سوريا ليس لديها نفط ولأن إسرائيل تريد أن تراها ممزقة.

ووصفت سمر يزبك المخاوف المتعلقة بمن قد يسيطر على سوريا في يوم من الأيام بأنها حجة واهية، قائلة إن الناس الذين يديرون العشرات من لجان التنسيق المحلية التي نظمت الثورة سوف يتقدمون ليكونوا الجيل التالي من الزعماء السياسيين، إلا أن أكثر ما يشغلهم في الوقت الراهن هو البقاء على قيد الحياة حتى يمكن أن يعتنوا بأمر العملية الانتقالية. وقد صرحت في نهاية الحوار ودموعها تسيل مرة أخرى: «نحن نريد الديمقراطية. بعد كل هذه البطولة وبعد كل هذه الفوضى، الشعب السوري يستحق ذلك، يستحق أن يعيش بطريقة عادلة وشرعية وحرة. إن ما مروا به هو ثمن بسيط يدفعونه من أجل بلوغ ذلك الهدف».

الشرق الأوسط

الخميس، 22 نوفمبر 2012

من يحكم سوريا: 'الكاردينال' مخلوف خلف الستار

كشفت صحيفة "العرب" اللندنية عن هيكلية السلطة الحقيقية وآليات اتخاذ القرار في العاصمة السورية بتركيزها الضوء على محمد مخلوف خال الرئيس السوري بشار الأسد. وتساءلت الصحيفة في تقرير خاص بها نشر في عددها الصادر الاثنين على صدر صفحتها الاولى تحت عنوان "من يحكم سوريا؟" هل هو بشّار الأسد... أم أن الرئيس السوري مجرّد واجهة لمجموعة عائلية تمارس السلطة من خلاله بعد فرضه رئيسا للجمهورية خلفا لوالده وجرى إقناعه بأنّه يمتلك صفات "القائد الملهم" القادر على أن يكون جديرا بارتداء بذلة حافظ الأسد الذي مارس السلطة المطلقة طوال ثلاثة عقود؟ وكشف مصدر سوري مطّلع على ما يدور في كواليس العائلة الحاكمة أنّ الرجل القوي الحقيقي في سوريا هو محمّد مخلوف، خال بشّار، الذي يسيطر بشكل مباشر أو عبر أبنائه على كلّ مفاتيح السلطة. وقال المصدر للصحيفة التي تصدر في لندن منذ عام 1977"إن محمّد مخلوف يراجع يوميا كلّ الملفات التي تعاطى معها بشّار أو عالجها وذلك قبل أن يأوي الرئيس السوري إلى فراشه". وأوضح "أن بشّار يستمع جيدا إلى ما يقوله خاله، وهو على استعداد للتراجع عن أي وعد أعطاه خلال النهار لمجرد أن يكون محمّد مخلوف اعترض على ذلك". وذكر المصدر السوري أنّ بشار لا يجد حرجا في نفي أن يكون أعطى موافقته على موضوع معيّن عندما لا يكون هذا الموضوع قد وجد موافقة لدى خاله. وهو يكتفي بالقول للذي تلقى الوعد بأنّه لم يوافق يوما على طلبه موحيا لمحاوره بأنه "يكذب أمام رئيس الجمهورية العربية السورية" مع ما يعنيه ذلك من نتائج يمكن أن تترتب على مثل هذا التصرّف ! ويسيطر محمّد مخلوف مع أفراد عائلته، خصوصا نجله رامي، على قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري. وتغطي تلك السيطرة قطاعات الاتصالات والنفط والمصارف والأسواق الحرة وكلّ ما له علاقة بالخدمات والمواصلات والتطوير العقاري. في حين يسيطر على قسم آخر من الاقتصاد شقيق بشّار العميد ماهر الأسد وكيل شركات التبغ، بمن في ذلك "بريتيش أميركان توباكو". وكان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني خرج بعد تمضية ما يزيد على أسبوع في سوريا إثر اندلاع الاضطرابات فيها في آذار- مارس 2011 بانطباع فحواه أن البلد كناية عن "شركة". وقال أمير قطر لشخصيات التقاها بعد الزيارة ما فحواه انّ هناك "مجلس إدارة" يدير سوريا وأن الأمر يشبه أي مجلس إدارة في أي شركة، مضيفا أن كل شيء محصور بالعائلة التي يشكّل أفرادها الأساسيون مجلس الإدارة. ويبلغ محمد مخلوف الثمانين من العمر، لكن الذين يعرفونه عن كثب يقولون إنّه في حالة صحّية جيدة إذ يمارس لعبة "الغولف" يوميا، إضافة إلى أنه متقد الذهن. ويعتبر "الخال" الشخص الأهمّ في العائلة، بل هو محور الحياة السياسية والاقتصادية في سوريا. ولعب الدور الأساسي في عملية انتقال السلطة من حافظ الأسد إلى نجله. وقد رتّب كل تفاصيل عملية نقل السلطة بأدق تفاصيلها مبعدا كبار الضباط العلويين من ذوي الطموحات، بمن فيهم علي دوبا وعلي حيدر، عن المواقع المهمة في الجيش السوري. كذلك، لعب محمّد مخلوف دورا حاسما في إبعاد كلّ من الشخصيتين السنيتين العماد حكمت الشهابي ونائب الرئيس عبد الحليم خدّام عن مواقع القرار في مرحلة ما قبل غياب حافظ الأسد وبعد وفاته. وقال المصدر لصحيفة "العرب" ذاته أن بشار الأسد ينام يوميا "على يد" خاله ولا يعصي أي توجيه. وأشار إلى أن محمّد مخلوف اكتسب نفوذه عن طريق حافظ الأسد، إذ كان العضو الوحيد النافذ في الأسرة الذي لم يعترض على زواج الضابط العلوي الآتي من أسرة متواضعة من شقيقته أنيسة. وتعتبر عائلة مخلوف نفسها من الأسر العلوية الكبيرة، في حين يعتبر آل الأسد، وأصلهم آل الوحش، من الأسر المتواضعة التي سعت إلى الصعود اجتماعيا عن طريق إرسال أبنائها إلى الجيش. وسهّل موقف محمّد مخلوف زواج حافظ الأسد من أنيسة مخلوف، وهو جميل بقي حافظ الأسد معترفا به حتى اليوم الأخير من حياته. وطوال عهد حافظ الأسد، بقي محمّد مخلوف في الظل مكتفيا بالسيطرة على بعض القطاعات الاقتصادية، من بينها التبغ والتنباك، ولكن من دون الذهاب بعيدا في منافسة التجّار السنّة. لكنّ السنوات الأخيرة من عهد حافظ الأسد شهدت صعود نجمه وذلك بعدما بدأ المرض ينهش جسد الأسد الأب وبعدما عاد بشّار إلى سوريا كي يعد نفسه لخلافة والده في الرئاسة. ويلعب محمد مخلوف حاليا دورا أساسيا في العلاقة مع إيران وروسيا التي أمضى فيها فترة لا بأس بها في الصيف الماضي. كذلك، يلعب دورا رئيسيا في بقاء نجيب ميقاتي رئيسا للوزراء في لبنان بدعم من "حزب الله". والمعروف أن نجيب ميقاتي لا يردّ طلبا لأخيه الأكبر طه ميقاتي الذي تربطه علاقة متميّزة على صعد كثيرة بمحمّد مخلوف، حتى أن طه يعتبر نفسه فردا من أفراد عائلة مخلوف. وخلص المصدر السوري الموثوق به إلى القول أنّ محمد مخلوف، الحاكم الحقيقي لسوريا، يؤمن بأن في الإمكان حسم الصراع في سوريا عسكريا ما دامت إيران وروسيا على استعداد للذهاب إلى النهاية في دعم بشّار الأسد http://al-rassed.blogspot.com/2012/11/blog-post_20.html

نظاما سورية وإيران خارج المعادلة في غزة

عبدالوهاب بدرخان


الفارق بين غزة اليوم وغزة 2008 هو كالفارق بين سورية اليوم وسورية ما قبل الخامس عشر من آذار (مارس) 2011. القتل الإسرائيلي هناك، والقتل الأسدي (هل يمكن وصفه بـ «السوري»؟) هنا، يؤكدان أن النظامين وثالثهما الإيراني لا تؤمن إلا بعقيدة واحدة: القتل. وهذه أنظمة بات تحالفها الضمني عبئاً على المنطقة وشعوبها. لم يكن نظام دمشق قد فرغ بعد من مداهمة مكاتب «حماس» ولم يجد فيها «شبّيحته» ما يستحق أن يُنهب، حتى كان النظام الإسرائيلي يستعد لاختبار صواريخه مجدداً في أجساد أطفال غزة، فيما طلب «الحرس الثوري» من المرشد الإيراني أن يصدر له الأمر بـ «تحرير القدس».
أما الفارق بين «حماس» و»حزب الله» فبالغ البساطة وجدير بالملاحظة. إذ إن «حماس» اختارت أن تغادر سورية لئلا تضطرها ضغوط النظام إلى القتال إلى جانب قواته، أما «حزب الله» فاختار بكامل وعيه وتصميمه المشاركة في قتل السوريين، بل اعتبرها «واجباً جهادياً». وفيما تعمّد الأمين العام لهذا الحزب أن يخصص بعضاً من خطبه لبثّ احتقاره للشعب السوري وحقده على ثورته، متحدياً بأن النظام «لن يسقط»، فضّل قادة «حماس» التزام الصمت لئلا يتهموا بالجحود و«إنكار الجميل» إلا أن عدداً من قادتهم في غزة ومنهم إسماعيل هنية تمايز بتأييد الشعب السوري، علماً بأنه أحد الذين يرتبطون بإيران وقد زارها بعدما جهر بهذا الموقف، ذاك أن إيران واصلت النظر إلى «حماس» على أنها حليف تعوّل على خدماته لمواصلة العبث بالملف الفلسطيني في إطار استرتيجيتها الإقليمية.
كانت «حماس» وجدت، كجميع الفلسطينيين في سورية، أن النأي بالنفس عن الصراع الداخلي، على صعوبته، حق وواجب. حقٌ لأن النظام منحها لجوءاً عليها أن تحترمه. وواجبٌ لأنها عاشت احتضاناً متبادلاً مع الشعب ولا بدّ أن تتعاطف مع توقه إلى الحرية. وكان زعيم «حماس»، خالد مشعل، استبق الثورة السورية بأسابيع محذراً بشار الأسد مباشرةً، بعدما سأله إذا كان يتقبّل الصراحة، من أن رياح التغيير العربية لن توفره. وبعد ذلك أبلغه عبر وسطاء من النظام أن «الإخوان المسلمين» السوريين فوّضوا إليه نقل اقتراح مبكر لحوار يركّز على «إصلاحات». ولم يأته ردّ أو قل جاء الردّ بافتتاح حملة التقتيل، فسحب «الإخوان» عرضهم، ثم جيء إلى مشعل بـ «طلب خاص من الرئيس» بأن يردّ على تصريحات للشيخ يوسف القرضاوي من قطر يبشّر فيها بـ «نهاية نظام بشار»، لكنه تملّص ناصحاً بأن يأتي الرد على عالم دين من عالمٍ دين بمرتبته. ثم طُلب من مشعل أن يقوم بحملة داخلية للدفاع عن النظام، وكان العنف قد حصد بضعة آلاف من المدنيين، فأجاب أن قادة آخرين في «حماس» يقومون ذلك لكنه استشعر الضغط خصوصاً أن الأسد لم يعد مهتماً باستقباله والاستماع إليه، فرأى مشعل آنذاك الاستنجاد بحسن نصرالله لعله يساعد في نصح بشار بالتعجيل في الحوار وفي طرح «إصلاحات حقيقية»، وبالفعل قصد نصرالله دمشق واجتمع بضع ساعات مع الأسد، ثم بعث برسول إلى مشعل ليبلغه «السيّد يقول لك مشي الحال»، أي أن الأسد متجه فعلاً إلى الحوار. ولم يمشِ الحال طبعاً إذ تصاعد العنف واجتيحت حماة وبوشر حصار حمص (صيف 2011) وبدأت الانشقاقات من الجيش، فارتأى مشعل أن يتغيّب مبتعداً عن دمشق بعض الوقت، ولما عاد جاءه أحد الاستخباريين البارزين ليقول له إن الرئيس يريده أن يقوم بحملة يزور فيها مناطق محددة لعقد لقاءات مع الناس والدعوة إلى وقف الثورة و»بعد ذلك الرئيس سيستقبلك»، واعتذر مشعل عن عدم تلبية الطلب وقال «يؤسفني أنني لم أعد قادراً على مقابلة الرئيس في هذه الظروف»، ثم اتصل بعدد من المسؤولين السوريين يبلغهم بما حدث فاستهولوا الأمر لكنهم لم يلوموه، وبعد بضعة أيام غادر دمشق نهائياً.
وتشير الطريقة التي اغتيل بها الكادر الحمساوي كمال غناجة إلى عملية انتقامية بحتة لا تقلّ وحشية عما فعله «شبيحة» النظام ويفعلونه ضد سوريين عاديين يصوّرون عمليات تعذيبهم قبل ذبحهم أمام الكاميرا، إذ فصل رأسه عن جسده الذي حمل آثار تعذيب بالغ الشدّة. كان غناجة تخلّف في دمشق ولم يغادرها مع بقية أعضاء المكتب السياسي، ربما لأنه قائد عسكري يطارده الإسرائيليون وكان نائباً لقائده محمود المبحوح الذي اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في دبي (كانون الثاني/ يناير 2010). لكن انتقام النظام من «حماس» لن يتوقف عند هذا الحد، خصوصاً أن غناجة تولّى بعد المبحوح تهريب الأسلحة إلى غزة، وقد استولى قتلته على كمبيوتره وملفاته.
في أي حال أكد التصعيد الجديد في غزة أن النظام السوري بات خارج المعادلة، وكذلك إيران رغم أن وجود الصواريخ في أنحاء القطاع يُنسب إليها. هذه المرّة، خلافاً للعام 2008، لم يتبارَ محورا «الاعتدال» و«الممانعة» على النفوذ الإقليمي فوق جثث غزة ودمارها. وفي حين أن بعض تظاهرات الجمعة الماضية في سورية رفع شعارات مؤيدة للغزّيين في مواجهتهم العدوان الإسرائيلي، كان النظام يتساجل مع إسرائيل بقذائف وطلقات طائشة لا يُعرف ما ترمي إليه. لعل الموقف الشعبي انتزع من النظام فرصة بدت سانحة لإحياء مقولة الأسد إن النظام والشعب متوافقان ومتلاقيان في «الممانعة»، فهو دفع بهذه الحجة ليستبعد احتمال قيام ثورة شعبية ضدّه. لكن الوقائع بيّنت أن الشعب في محنته ظلّ أكثر وفاءً لنصرته التاريخية للفلسطينيين من النظام الذي انشغل دائماً باللعب بـ «الورقة الفلسطينية».
ورغم أن الحدث الغزّي استرق بعض الأضواء من الحدث السوري، خصوصاً لأنه أظهر مصر مستهدفةً، سواء في سياستها «الجديدة» الراغبة في التمايز عن نهج نظام مبارك أو في العلاقة الأيديولوجية بين حكامها الجدد و»حماس»، إلا أن النظام السوري لم يجد سبيلاً إلى استغلال الاحتجاب الجزئي للأضواء الإعلامية عنه لا في الداخل ولا في الخارج. وفي ذلك دلالة إلى الحال التي بلغها، وبلغتها إيران معه. ولا شك في أن طهران قرأت التغيير السلبي الحاصل، والخسارة الملموسة التي نجمت عنه، ذاك أنها تستطيع الاستمرار في تسليح «حماس» وأخواتها في غزة، إلا أن شلل سورية النظام وتعطّلها باتا يحولان دون تحقيق مكاسب أو جنيها. فحتى اندفاع «حزب الله» لإسماع المعنيين عربياً ودولياً بأن له (لإيران) دوراً في مفاجأة ظهور صواريخ «الفجر 2» الحمساوية، وأنها عينة مما لديه، يبقى أقلّ بكثير من الاستقطاب الذي أمكن اجتراحه مطلع 2009 لمناهضة المحور المصري - السعودي. فتركيا وقطر هذه المرّة إلى جانب مصر، وفيما كان الاستقطاب السابق تحوّل حرباً سياسية بين محوري «الاعتدال» و»الممانعة» انتهزتها إسرائيل للذهاب في عدوانها على غزة إلى الهدف الذي رسمته مسبقاً، فإن «الممانعة» بدت في التصعيد الراهن وكأنها تنتقل ولو جزئياً إلى القاهرة التي لن تخوضها على الطريقة الإيرانية - السورية، ولن تمكّن طهران من الاستثمار فيها.

السبت، 3 نوفمبر 2012

١٢ "متمرساً" من "حزب الله" و"الحرس الثوري" نفذوا اغتيال الحسن

لم تكد "شعبة التصفيات" في الجناح الأمني لـ"حزب الله" التي تضم عناصر استخبارية "متخصصة ومجربة وشديدة الخبرة" من "فيلق القدس" في بيروت "تطوي ذيلها" على خيبتيها في اغتيال رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع وبعده بأسابيع قليلة القيادي في "14 آذار" النائب بطرس حرب, "حتى جاءتها الأوامر من مكتب التنسيق السوري-الايراني المشترك التابع لرئاسة الامن القومي التي يشغلها اللواء علي مملوك, والموجود في طابق خاص يتألف من غرف عدة في مبنى الامن القومي في قلب دمشق, باغتيال رئيس شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي اللواء وسام الحسن, الذي كان- حسب تقرير استخباري ألماني- أفشل عمليتي اغتيال جعجع وحرب بتحذيرهما وتسليمهما معلومات موثوقة ومؤكدة عن استهدافهما بالقتل ومن ثم عملية تهريب ميشال سماحة المتفجرات الاربع والعشرين لزرعها في شمال لبنان وربما في بيروت ايضا من اجل تفجير حرب اهلية". وكشف التقرير الالماني الذي وزعت القيادة العسكرية في حلف شمال الاطلسي في بروكسل, قبل يومين, نسخاً محدودة عنه على عواصم القرار الاوروبية المهتمة بالشرق الاوسط, واطلعت "السياسة" على بعض جوانبه, أن أوامر مكتب التنسيق السوري- الايراني في دمشق بإشراف مملوك شخصياً, جرى تحديدها بثلاث مراحل: 1- اشتراك عناصر "فيلق القدس" (قوات النخبة في "الحرس الثوري" الإيراني) في السفارة الايرانية في بيروت مع العناصر الامنية المختارة بدقة من "حزب الله", بوضع خطة اغتيال الحسن, لأن قيادة الحزب مسيطرة على لوائح المسافرين والقادمين من وإلى مطار بيروت الدولي الواقع في أهم مربع امني في الضاحية الجنوبية التابع لها, ولأن قيادة الامن العام اللبناني المشرفة على المطار والمرافئ والمعابر الحدودية البرية كافة تابعة عبر رئيسها اللواء عباس ابراهيم إلى جهاز أمن "حزب الله", وهو احد "المنسقين الاقوياء مع استخبارات الحرس الثوري الايراني في السفارة الايرانية في بيروت وخارجها في البقاع خصوصاً" بحسب التقرير. 2- جرى تفخيخ ثلاث سيارات على الأقل بمتفجرات شديدة الفاعلية من زنة 50 إلى 60 كليوغراماً شبيهة بالمتفجرات التي نقلها سماحة إلى بيروت من دمشق, لكنها أكبر وزناً وتحتوي على مواد شديدة الفتك كتلك التي ادى انفجارها الى قتل رفيق الحريري العام 2005. وجرى توزيع تلك السيارات في ثلاثة شوارع مؤدية كلها إلى المكتب السري الذي كان اللواء الحسن يشغله في الاشرفية, والذي اكتشفت استخبارات "حزب الله" وحليفتها السورية وجوده عن طريق اختراقها شعبة المعلومات "بواسطة ضابطين مواليين لها". 3- أشرف 12 عنصراً من "حزب الله" بينهم 4 من "الحرس الثوري" مباشرة على أماكن السيارات الثلاث المفخخة, وتوزعوا في خمس سيارات بداخل كل منها ريموت كونترول للتفجير. واضاف التقرير الألماني انه "جرى تفخيخ السيارات الثلاث لاغتيال الحسن في أحد مرائب منطقة الشياح على بعد نحو 50 متراً من طريق صيدا القديمة الفاصلة بينها وبين عين الرمانة, بمعرفة جهاز أمن "حركة أمل" برئاسة نبيه بري, وعناصر من الاجهزة الامنية اللبنانية التابعة لـ"حزب الله" والسفارة الايرانية مباشرة". وأكد التقرير ان العناصر الاربعة من "فيلق القدس" الايراني الذين شاركوا في بعض مراحل تنفيذ الاغتيال "جرى سحبهم في اليوم التالي لتنفيذ الجريمة الى طهران عبر دمشق, وان عددا بديلاً عنهم انتقل من العاصمة السورية الى السفارة الايرانية في بيروت بانتظار تنفيذ مهمات جديدة مع حزب الله".

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

حزب الله والتضحية بالأسد!

طارق الحميد ليس من الغريب أن تخرج صحيفتان غربيتان، إحداهما بريطانية والأخرى أميركية، بتقريرين متشابهين عن حزب الله والورطة التي بات يشعر بها لبنانيا، وعربيا، وحتى إسلاميا؛ فالأحداث في سوريا، التي تشهد تورطا مجنونا للحزب هناك في دعم الأسد، وكذلك عملية اغتيال الراحل وسام الحسن، كلها تضع حزب الله في عين العاصفة. صحيفتا الـ«واشنطن بوست» الأميركية، والـ«صنداي تلغراف» البريطانية، نشرتا تقارير عن تباينات داخل حزب الله حول النهج الذي يجب أن يتبع في سوريا، وخطورة الاندفاع بالدفاع عن بشار الأسد، حيث أفقد ذلك الحزب شعبيته في المنطقة، ولبنان، حيث انفضح كذب الحزب، وانفضحت طائفيته. لكن اللافت في قصة الـ«صنداي تلغراف» هو ما نقل عن مصدر مقرب من دوائر القيادة بحزب الله، حيث يقول المصدر: «يدرك قادة حزب الله وإيران أنهم على طريق صدام مع السُنة إن لم يردموا الهوة بينهم. والقضية الساخنة في ذلك هي سوريا، ومستقبل حزب الله والشيعة عموما مرتبط بسوريا. وإذا كان الأمر يتطلب التضحية ببشار فلنضحِ به ولا نضحي بسوريا»! وهذا كلام مهم، لكن هل لا يزال بمقدور حزب الله التضحية بالأسد والاحتفاظ بسوريا؟ أشك في ذلك كثيرا، فبعد مقتل قرابة خمسة وثلاثين ألف سوري على يد قوات الأسد تصبح الحلول صعبة، وترميم العلاقات الطائفية سيكون أعقد. صحيح أن بإمكان حزب الله، لو كان صادقا ومن الصعب تصديقه، أن يقوم بعمل ما لتقليل الخسائر، ومثله إيران، لكن المؤكد أن جدار الثقة قد أصيب بشرخ عميق ليس من السهل علاجه. وقد يقول قائل: هل تصدقون أن حزب الله سيقدم على التضحية بالأسد للحفاظ على سوريا؟ والإجابة هي أن الحزب يتمنى ذلك، لكن هذا أمر صعب، حيث سيسقط الأسد أراد الحزب أم لا. والواضح اليوم من مثل هذه التسريبات التي تتحدث عن انقسام في الرأي بين قيادات الحزب المدنية والعسكرية حول سوريا، والتضحية بالأسد، أنها كلها تشير إلى أن هناك قلقا حقيقيا داخل حزب الله، وهو ما سبق أن أشرنا إليه في أحد المقالات، وتحديدا بعد مقابلة حسن نصر الله المطولة مع قناة «الميادين». كما أن هذه التسريبات تشير إلى أن حزب الله بات يشعر بورطة حقيقية بعد اغتيال العقل الأمني اللبناني وسام الحسن، حيث شعر الحزب بحجم البغض له من شريحة كبيرة من اللبنانيين، وخسارته للشارع السوري، وبالطبع الشارع العربي، وعليه فمن الطبيعي أن في الحزب من يستشعر خطورة مثل هذه الأوضاع، وآخرين يعميهم الغرور، خصوصا أن من يعرفون قيادات الحزب جيدا ينقلون عن بعض هؤلاء القيادات حالة الغرور التي باتت تعتري حسن نصر الله، خصوصا بعد حرب 2006، واحتلال بيروت، حيث تحول إلى الرجل الذي لا يقال له لا! وعليه فليس من المهم الآن تفكير حزب الله في التضحية بالأسد للحفاظ على سوريا، حيث لا بواكي للأسد، كما أن قيمة أي «صفقة» لإسقاطه باتت تقل أكثر وأكثر، بينما حجم خسائر حزب الله في ازدياد، وهذا ما يجب أن يقلق حزب الله الإيراني، وليس التضحية بالأسد والاحتفاظ بسوريا. الشرق الأوسط

الأحد، 21 أكتوبر 2012

التوترات داخل الطائفة العلوية تزيد من التحديات التي يواجهها الأسد... لم يكن دعمها الراسخ للنظام موضع شك على الإطلاق

تمثل الإشارات الدالة على وجود حالة من الاستياء في أوساط الأقلية العلوية في سوريا تحديا جديدا للجهود التي يبذلها الرئيس السوري بشار الأسد للاحتفاظ بالسلطة في مواجهة الثورة المسلحة الآخذة في الاتساع، الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول ولاء الطائفة التي ينتمي إليها الأسد في الصراع الذي يجتاح البلاد حاليا. لطالما اعتمد الأسد بشكل متزايد على الطائفة العلوية القوية، التي يبلغ تعدادها 2.5 مليون نسمة، لدعمه في مواجهة الأغلبية السنية التي انضمت إلى الثورة، مما أدى إلى إضافة بعض الأبعاد الطائفية إلى الثورة السورية التي انطلقت في مسعى عفوي للبحث عن المزيد من الحريات، مستوحى من الثورات التي اجتاحت العالم العربي. وبدورها، احتشدت الطائفة العلوية خلف قيادة الأسد، مدفوعة ببعض المخاوف بشأن سوريا المستقبل التي لن يحكموها والتي سيلعب فيها المسلمون السنة الدور الرئيسي حال انتصار الثوار. أما الآن، فهناك بعض الإشارات القادمة من معقل الطائفة العلوية في المنطقة الساحلية شمال سوريا، والتي تؤكد على وجود مؤامرات وتوترات في داخل عائلة الأسد نفسها، حيث جرى تبادل لإطلاق النار بين بعض أفراد أسرة الأسد الكبيرة في بلدة القرداحة، التي ينتمي إليها أسلاف الرئيس، في أواخر الشهر الماضي، بينما يعد قيام قوات النظام باعتقال أحد الناشطين العلويين البارزين بمثابة الإشارة إلى وجود حالة من عدم الارتياح داخل إحدى الشرائح السكانية التي لم يكن دعمها الراسخ للأسد موضع شك على الإطلاق. لا توجد أي مؤشرات تدل على أن العلويين على وشك التحول للانضمام إلى المعارضة المفتتة، والتي لم تقم ببذل الكثير من الجهود لحثهم على تبني مثل هذه الخطوة. وفي الحقيقة، التزم الكثير من العلويين، الذين رحبوا في البداية بمطالب الإصلاح السياسي في البلاد، بالصمت لفترة طويلة، أو حتى احتشدوا خلف نظام الأسد بمجرد أن قام الثوار بحمل السلاح، وبدأ المتطرفون السنة في لعب دور أكثر بروزا، وذلك وفقا لبعض الناشطين العلويين وسكان منطقة اللاذقية، حيث تتركز الأقلية العلوية. وباعتبارهم أعضاء في طائفة غامضة منبثقة عن المذهب الشيعي، تحمل العلويون قرونا من الاضطهاد تحت الحكم السني، قبل أن يتمكن حافظ الأسد، والد بشار الأسد، من الاستيلاء على الحكم في عام 1970 والدفع بهم بين صفوف النخبة في البلاد. ويخشى الكثير من العلويين من أن يتم تصنيفهم كمواطنين من الدرجة الثانية مرة أخرى، أو حتى مواجهة الأسوأ، وهو القتل على أيدي السنة انتقاما من قيام قوات الشرطة التي يهيمن عليها العلويون بإراقة دمائهم على مدار أشهر طويلة. توحي علامات التوتر الموجودة داخل الأقلية العلوية، على الأقل، بأن الضغوط التي استمرت خلال الثورة السورية، التي دخلت شهرها الـ19، قد تركت بصمات واضحة على تماسك العلويين. يقول هلال خشان، وهو أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت «يعد العلويون أمرا حاسما في مسألة بقاء الأسد، حيث إنه لن يتمكن من البقاء ليوم واحد من دون دعمهم الكامل، وبالتالي فإن وجود مثل هذه التوترات داخل الطائفة العلوية لهو أمر شديد الأهمية في الحقيقة»، مضيفا «معظم العلويين مستاءون من النظام، ويشعرون بأن الأسد يجر طائفتهم نحو صراع لن يتمكنوا من الانتصار فيه في نهاية المطاف». لم تتضح بعد كل الملابسات الخاصة بما حدث في القرداحة خلال عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، حيث تختلف الروايات حول ما إن كان هذا الصراع قد نشب بسبب خصومات سياسية أو شخصية، لكن الجميع يتفقون على وجود تبادل لإطلاق النار بين اثنين من أفراد عائلة الأسد في أحد المقاهي في بلدة القرداحة الجبلية، التي ولد فيها حافظ الأسد ودفن فيها جثمانه في مقبرة رخامية عظيمة. تشير الروايات إلى قيام محمد الأسد، الرجل القوي في هذه المنطقة، بسحب مسدسه بعدما تعرض للإهانة من قبل أحد أقرباء الأسد الآخرين، وهو صخر عثمان، مما نتج عنه إصابة الرجلين في تبادل لإطلاق النار، فضلا عن إصابة ستة أشخاص آخرين. يقول الباحث السوري جوشوا لانديس، الذي يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الطائفة العلوية من خلال زوجته التي تنتمي إلى الطائفة نفسها، إن معركة الأسلحة النارية حدثت بسبب إهانة عثمان لمحمد الأسد، المعروف محليا باسم «شيخ الجبل»، نظرا للدور الذي يلعبه باعتباره كبير عائلة الأسد في المدينة. ووصفت رسالة بريد إلكتروني من أحد أقرباء الأسد كيفية تدخل الرئيس بشار الأسد في هذا النزاع لتهدئة الأمور واستعادة النظام، حسبما يؤكد لانديس، وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة أوكلاهوما الأميركية. يقول محمد الصالح، وهو ناشط علوي في سوريا، إن تبادل إطلاق النيران كان بسبب تجارة التهريب المربحة في مجال السجائر والأسلحة وغيرها من الأشياء المحظورة التي ازدهرت بين العشائر العلوية التي تقطن المناطق الساحلية تحت حكم عائلة الأسد، مضيفا أن محاولات تحميل هذا الحادث معاني إضافية هي «محض هراء». تأججت الشكوك حول ما إن كان هذا الصراع يعكس وجود خلافات سياسية أعمق داخل الطائفة العلوية نظرا لحقيقة أن تبادل إطلاق النار قد وقع داخل مقهى مملوك لأحد أفراد عائلة الخيّر الشهيرة، التي لطالما كانت منافسا لعائلة الأسد، فضلا عن أن أحد المصابين ينتمي أيضا لعائلة الخيّر، ومجيء هذه المعركة بعد بضعة أيام من إلقاء القبض على عبد العزيز الخيّر، وهو عضو بارز في العائلة وأحد المنشقين عن النظام. وتم اعتقال عبد العزيز الخيّر في دمشق لدى عودته من رحلة إلى روسيا ثم الصين باعتباره ممثلا لـ«هيئة التنسيق الوطنية» المعارضة، وهي الهيئة التي تتخذ من دمشق مقرا لها والتي يبدي النظام تسامحا كبيرا معها نظرا للموقف المعتدل نسبيا الذي تتبناه. وجاء هذا الاعتقال وسط تكهنات واسعة انتشرت في العاصمة السورية دمشق بأن عبد العزيز الخيّر يجري إعداده من جانب موسكو للقيام بدور محتمل في الحكومة المستقبلية، وذلك وفقا لأحد المحللين الذي تحدث من دمشق شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه يخشى على سلامته. يقول النشطاء، الذين يعتقدون أن تبادل إطلاق النار يعد مؤشرا على ظهور انقسامات سياسية داخل الأسرة العلوية الحاكمة، إن عثمان كان في اجتماع مع ممثلين من عائلة الخيّر للبحث في الرد الأنسب على اعتقال عبد العزيز الخيّر عندما دخل محمد الأسد إلى المقهى لتفريقهم. ويقول لانديس إن شبح نشوب عداء دموي بين أفراد الطائفة العلوية يبدو مستبعدا تماما، وهو ما يعود في الأساس إلى التحديات الوجودية الهائلة التي تواجهها الطائفة بحيث تدرك معظم الأسر العلوية جيدا أنه يتعين عليهم البقاء مع بعضهم بعضا، مؤكدا أن حدوث انقسام داخل العائلة الحاكمة سوف يمثل «تحولا جذريا وجديدا من نوعه» في الثورة السورية. ويضيف لانديس «لا أعتقد بحدوث مثل هذا الأمر، ولكن من الواضح وجود تحركات ما في القرداحة ليست في صالح الأسد، فهناك الكثير من التوترات». وفي الواقع، فإن افتراضات ولاء العلويين للنظام السوري تخفي حقيقة أكثر تعقيدا، حيث إن المنافسات العائلية التقليدية باتت متشابكة إلى حد بعيد مع حالة من الإحباط العميقة المنتشرة بين الكثير من أفراد الطائفة الذين لديهم بعض الشكوك بشأن الطريق الذي يقودهم إليه بشار الأسد، وذلك وفقا لبعض العلويين الذين يقطنون المنطقة الساحلية والنشطاء المنفيين. وفي القرى العلوية الموالية للنظام، يستمر تدفق الكثير من التوابيت بصورة يومية، والتي تحتوي على جثث الرجال العلويين الذين يلقون حتفهم في الصراع مع الثوار. ويعد منظر النساء المتشحات بالسواد مشهدا مألوفا في الشوارع المزينة بصور الأسد. ولم تقم الحكومة بإصدار إحصائيات بأعداد الضحايا بين صفوف قوات الأمن، ولكن في حال صدق الأرقام المتداولة حاليا على نطاق واسع، والتي تؤكد وفاة 10.000 علوي، فسوف يعني هذا أن المواطنين العلويين الموالين للنظام يلقون حتفهم بمعدل أكبر من السنة. تقول إحدى القصص، التي ربما تكون ملفقة ولكن يتم سردها كثيرا بصورة كافية لتجد بعض الآذان المصغية، إنه عندما شاهدت إحدى الأمهات جثة ابنها الثالث والأخير الذي يلقى حتفه أثناء محاربة الثوار، قالت للضابط «هل تريدون قتلنا جميعا حتى يبقى رجل واحد؟». تتزايد الشكاوى الخاصة باستغلال النظام الحاكم في سوريا لمخاوف الطائفة العلوية في حماية الأسد وعائلته بصورة مستمرة في الوقت الذي يشهد ارتفاع أعداد القتلى، وذلك وفقا لأحد الأطباء العلويين من اللاذقية، والذي تحدث أثناء وجوده في بيروت شريطة عدم الكشف عن هويته لأنه يخشى على سلامته. ويضيف هذا الطبيب «الأسد لا يمثل العلويين، إنه يستغلهم في الحقيقة. وإذا كان العلويون مستعدين للموت من أجل الأسد، فهذا يرجع إلى شعورهم بالخوف على أنفسهم، وليس بسبب حبهم له». لم تستفد الكثير من المجتمعات العلوية الفقيرة من صعود عائلة الأسد، فضلا عن أنهم كانوا يشكلون تاريخيا أحد العناصر المهمة في صفوف المعارضة لحكم الأسد، وفقا لما صرح به أحد النشطاء من اللاذقية، والذي قضى عقدا كاملا في السجن في فترة التسعينات من القرن الماضي ولم يرغب في الكشف عن هويته. ولكن جرى تجنيد هؤلاء الأشخاص بصورة كبيرة في الأجهزة الأمنية بعد اندلاع الثورة، وتم دفعهم إلى الخطوط الأمامية عقب حدوث الكثير من الانشقاقات في صفوف الجنود السنة، مما يلقي بظلال من الشك حول مصداقية الوحدات السنية، حسبما يؤكد بعض الخبراء العسكريين. وفضلا عن ذلك، يتزايد اعتماد الجيش على الشبيحة، وهم مجموعة من الجنود غير النظاميين الذي ينتمي معظمهم للطائفة العلوية، حيث قام الجيش بتنظيمهم في صورة ميليشيات محلية. يتم تجنيد السنة أيضا في مجموعات الشبيحة في المناطق ذات الأغلبية السنية، مثل حلب ودرعا ودير الزور، مما يتسبب في حدوث التباس في التفسيرات البسيطة التي تصف الصراع بالطائفي الذي يدور بين العلويين والسنة، حسبما يؤكد الناشطون. ويتم إلقاء اللائمة في العديد من المجازر واسعة النطاق التي يتم ارتكابها ضد المدنيين، مثل تلك المجازر التي جرت في قريتي الحولة والقبير خلال الصيف الحالي، على قوات الشبيحة العلوية. وعلى الرغم من أنه لا توجد هناك أي سجلات تفيد بقيام الثوار بارتكاب مجازر انتقامية ضد المدنيين العلويين، تقول «مجموعة الأزمات الدولية»، في تقرير حديث لها «إن خطر حدوث أعمال انتقامية على نطاق واسع.. هو أمر مخيف حقا». ويؤكد خشان أنه من المرجح أن تتسبب هذه المخاوف في استمرار ارتباط العلويين بالأسد، حيث ينظرون إلى هذا الصراع على أنه صراع من أجل وجودهم. ويضيف خشان «لقد تركهم من دون أي خيارات أخرى سوى البقاء إلى جانبه، لقد نجح في ربط مصير العلويين بمصير نظامه».

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية