الخميس، 9 فبراير 2012

نصر الله: "منظومة" الصدقية تتهاوى!



فادي شامية



في الواقع؛ ليس السيد حسن نصر الله أكثر مصداقية من السياسيين الآخرين، وإن كانت جماعته تزعم الصدق المطلق لأقواله. ثمة أقوال قالها نصر الله فخالفتها أفعاله أو أقواله اللاحقة، وثمة توصيفات أو نُقول غير دقيقة في خطاباته، وثمة تناقضات وانتزاع متعمد للأحداث من سياقها ووضعها في سياق آخر في مواقفه... الأمثلة على ذلك كثيرة للغاية، ولعل كثيرين توقفوا عند مجموعة من هذه الأمور في معرض تعليقهم أو تحليلهم على خطابات سابقة للرجل.

كل ذلك معلوم؛ غير أن الجديد أن السيد نصر الله تورط –تحت وطأة الحشرة- بتوصيف ظاهر التهافت عندما قال في خطابه الأخير (7/2/2012): "يوم اجتماع مجلس الأمن بدؤوا بالحديث عن أن حمص ولعانة، وبعد التدقيق تبين أن لا شيء في حمص. توقيت الخبر وهذا الضخ قبيل جلسة مجلس الأمن ليس مبنياً على وقائع بل تسخير للإعلام في إطار معركة تريد تحقيق هدفها بالحلال والحرام"!.

شاهد مقطع من خطاب نصر الله والصور من حمص

//www.youtube.com/watch?v=bvSVMWunpws

في الواقع كان هذا القول أظهر الأقوال التي قالها نصر الله افتقاداً للمصداقية، ذلك أن العالم كله تابع قصف حمص ليل الجمعة-السبت في 3-4/2/2012 (الليلة التي سبقت جلسة مجلس الأمن)، ليس من خلال تصوير الثوار فقط، وإنما من خلال نقل حي قامت به قناة "الجزيرة-مباشر". في تلك الليلة الرهيبة استشهد 217 سورياً غالبيتهم الساحقة في حمص-حي الخالدية؛ حيث ارتكبت مجازر يصعب وصفها (بعضهم قتلوا بالطعن بالحراب)، ذهب ضحيتها عائلات كاملة (على سبيل المثال لا الحصر: عائلة النكدلي وعائلة الحسين وعائلة وشاح..)... كل ذلك شاهده العالم عدا السيد نصر الله، والأنكى أن نصر الله انتقل إلى الهجوم فكذّب الإعلام المُسخّر بـ "الحلال والحرام"!، مع أنه الإعلام نفسه الذي وقف إلى جانبه في حرب تموز 2006!.



دليل آخر على افتقاد المصداقية
لم يكتف نصر الله بهذا؛ بل قدّم في الخطاب نفسه دليلاً ظاهراً آخر على افتقاده للمصداقية عندما قال: "قبل أسابيع قام موظف إسرائيلي بتحليل شخصي يظهر منه أنه يدافع عن نظام الأسد، فلم يبق أحد في 14 آذار إلا وتحدث وهذا جزء من التحريف، لكن اليوم هناك شبه إجماع إسرائيلي على وجوب إسقاط نظام الأسد، وبالتالي أين 14 آذار لماذا بلعوا لساناتهم هل لأن المشهد تغير؟".

من غير الواضح من هو "الموظف الإسرائيلي" الذي قصده نصر الله، لكن الأكيد أن شبه الإجماع الإسرائيلي منعقد على مصلحة "إسرائيل" ببقاء الأسد، وهذا ما صرح به أرفع شخصيات في كيان العدو، وأن الآراء المخالفة هي إما مخالفة لشبه الإجماع أو أنها تريد أن تظهر غير ما تُبطن، بعد تأكدها من رحيل الأسد، ما يعني أن السيد نصر الله قلَب الحقيقة، عندما اعتبر أن "هناك شبه إجماع إسرائيلي على وجوب إسقاط نظام الأسد".

وفي كل الأحوال؛ ما كان لنصر الله -ولو كان صاحب مصداقية- أن يدعي حصول إجماع، أو أن ينقل رأياً ويغفل آخر. كان ينبغي في معرض ذكره الموقف الإسرائيلي أن ينتبه إلى أن رامي مخلوف قال في 11/5/2011: "لن يكون هناك استقرار في إسرائيل إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا"، رابطاً استقرار "إسرائيل" باستقرار النظام السوري!، وأن "وزير الدفاع الإسرائيلي" إيهود باراك (وليس أي "موظف" آخر!) قال: "يمكن للأسد أن يصمد لأسابيع، لكنه غير قادر على البقاء لفترة طويلة، والإطاحة به ليس تطوراً إيجابياً لصالح إسرائيل" (2/8/2011)، وأن رئيس الهيئة الأمنية والسياسية بوزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد قال: "إن سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيترتب عليه حدوث كارثة تقضي على إسرائيل"(16/11/2011)، وأن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي يوءاف موردخاي قال: "يوجد قلق إسرائيلي من سقوط الرئيس السوري بشار الأسد لأنه يقف على جبهة مغلقة منذ سنين طويلة"!(14/9/2011)، وأن "يديعوت أحرونوت" أجرت استفتاءً خلصت من خلاله إلى أن 85% من الإسرائيليين يعتبرون بقاء الأسد لمصلحة إسرائيل"! (15/10/2011)، وأن الصحيفة نفسها نقلت أن الأسد أبلغ الأمريكيين بعد تصريح مخلوف استعداده لاستئناف محادثات السلام مع إسرائيل "بعد أن تهدأ الأوضاع في سوريا" (21/5/2011)، وأن "واشنطن بوست" عنونت: "إسرائيل تفضل بقاء الأسد" (31/3/2011)، وأن هآرتس عنونت: "الأسد ملك إسرائيل" (1/4/2011)!، وأن "لو فيغارو" الفرنسية أكدت أن "إسرائيل طلبت رسمياً من حلفائها وقف الحملة ضد سوريا" (28/7/2012)... على الأقل كان على نصر الله أن ينتبه إلى أن الأسير وئام عماشة، وهو السوري الوحيد المحرر في صفقة جلعاد شاليط، قد انضم إلى الثوار من الجولان المحتل لأنه اعتبر أن نظام الأسد هو الذي يحمي الحدود مع فلسطين المحتلة!.

عادة قديمة!
غير بعيد عن ذلك؛ مارس السيد نصر الله عادة قديمة له، تقوم على أساس انتقاء أوهن الاتهامات لحزبه، والبناء عليها للقول إن ما يُتهم به الحزب لا أساس له من الصحة، ذلك أنه من المعلوم أن الشخص الطبيعي أو المعنوي يُتهم أثناء ممارسته العمل السياسي بما هو صحيح وما هو غير صحيح، وما هو مثبت وما هو غير مثبت، فلا يعني ذلك أن الاتهامات صحيحة كلها أو كاذبة كلها، واستطراداً فإن الاتهام الضعيف لـ "حزب الله" بإطلاقه صواريخ من لبنان على الزبداني في سوريا، لا يعني أبداً أن الحزب لا يشارك بأي شكل مادياً (المقصود دعم القمع بالرجال) في دعم النظام السوري!.

على أي حال؛ فقد خلص السيد نصر الله من مطالعته الجديدة إلى "أننا وصلنا لمرحلة أن كل ما يُقال في وسائل الإعلام لا يجوز أن نبني عليه"! (بتاريخ 6/2/2012 وفيما كانت الفضائيات العربية تنقل قصف حمص بنقل مباشر، قالت المنار: إن الأهالي يشعلون الإطارات على أسطح المنازل لإيهام العالم أن المدينة تتعرض للقصف، لكن القناة -عالية الصدقية- لم تذكر شيئاً عن مئات القتلى والجرحى واستهداف المشفى الميداني، ولا نقلت مشاهد الدفن، وانتحاب الناس!). وبعد ذلك قال نصر الله: "لا كثرة التهويل، ولا قلة التهويل، يمكن أن تنال من موقفنا المبني على رؤية، ومن يريد أن يعمل على قلبنا وأعصابنا فهو يراهن على سراب".

والواقع؛ أن من يناشد "حزب الله" التبصر في موقفه؛ هم الحريصون على الحزب لا خصومه، لأن خصوم الحزب يدركون أن كل خطاب لنصر الله يُظهّر فيه موقفه من "الثورة الشاملة في سوريا" يعدل جهد عشرات السنوات من الإعلام المضاد للحزب!، وأن مقاربة الحزب لما يجري في سوريا هي الضريبة التي اضطر "حزب الله" لدفعها، جراء قناعاته الفئوية وتحالفاته الخارجية، مع أنها قوضت- كما لم يحصل من قبل- الصورة الذهنية التي عمل الحزب على بنائها منذ أكثر من عشرين سنة في العالمين العربي والإسلامي، إذ بفضل موقف "حزب الله" المبنى على "رؤية" انقلب الموقف من الحزب إلى نقيضه، في أكثر بقاع العالم تأييداً له في السابق؛ في سوريا، والأمر نفسه ينطبق على دول العالم الأخرى... وبفضل هذه الرؤية أيضاً بات الحزب يعاني حشرة الانتقال جماهيرياً من الاحترام إلى الازدراء، بل لعل الناس باتت تقرأ اليوم تاريخ الحزب بأثر رجعي، يضيع تضحيات كبرى للحزب، ولشهدائه الذين ضحوا بحياتهم من أجل تحرير لبنان!.

... ويحسد "حماس" على النجاة بنفسها!
ولأن نصر الله محشور شعبياً وأخلاقياً –كما لم يحصل من قبل-؛ فقد استنكف عن التحدث بالنيابة عن المقاومة الفلسطينية، كما كان يفعل في السابق، فقد بات هذا الأمر غير مقبولٍ من المقاومة الفلسطينية نفسها، التي فضّلت النجاة بنفسها والابتعاد عن "حزب الله" في مقاربته لـ "الثورة الشاملة في سوريا". صحيح أن "حماس" -المقصودة في كلام نصر الله- لم تصدر بياناً واضحاً في دعم الثورة السورية، لكن الصحيح أيضاً أن الحركة الفلسطينية المقاومة فعلت كل شيء عملي للتأكيد على انحيازها إلى خيارات الأمة.

كان ذلك واضحاً عندما كذّبت "حماس" تكراراً بيانات نسبها النظام إليها في دعمه، وكان واضحاً عندما رفض خالد مشعل –أكثر المقربين سابقاً من الرئيس السوري- الاجتماع علناً بالأسد رغم طلب الأخير ذلك، فضلاً عن تجاهله وساطة ورّطه بها أمين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي، وكان أكثر وضوحاً عندما حمل مئات الآلاف في غزة علم الاستقلال السوري (علم الثوار) في ذكرى انطلاقة "حماس"، وكان ظاهراً تماماً عندما قام رئيس حكومة غزة إسماعيل هنية بجولته العربية الأولى، حيث زار العواصم التي تناصب النظام السوري العداء متحاشياً زيارة "عاصمة المقاومة والممانعة" دمشق، بل لعل الأمر كان أفضل ما يكون ساطعاً عندما انحنى هنية أمام الكاميرات ليُقبّل يد العلامة يوسف القرضاوي، الذي قال لبشار: "أيها المتأله... سترحل"! .

لهذه الأسباب امتدح نصر الله دعم إيران لحزبه، تاركاً لـ "حركة المقاومة في فلسطين أن تتحدث عن نفسها" مضيفاً: "وسواء تحدثت أم لم تتحدث فهذا شأنها"، وكأنه يقول: الوفاء يقتضي منك يا حماس أن تكوني معنا إلى جانب النظام السوري أيضاً!.


في واقع الأمر؛ قدّم نصر الله لخصومه الكثير في خطابه الأخير (الحديث عن الدعم الإيراني، والتجارة، والحكومة...)، لكن الأهم أن "الثورة الشاملة في سوريا" سطّرت مكرمة جديدة هي؛ إسقاط أسطورة المصداقية المزعومة لنصر الله، بعد أن دفعته إلى أقوال ليست بحاجة إلى مقالات لفحص صدقيتها... لأن النقل المباشر ومشاهد الموت لا تكذب!.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية