كان أبرز ما يواجه عمليّة "لبننة" الفكر السياسي الإسلامي (والواقع الإسلامي نفسه)، ذلك التعارض المطلق الذي أقيم بين الهويّات المختلفة: لبنانيّة/سوريّة/عربيّة/إسلامية/ شيعيّة/سُنية مناطقيّة/عشائريّة... الخ. وقد "اشتغل" الإمام محمد مهدي شمس الدين على ضرب الموْهومات الفكريّة/النظريّة المبرّرة للتهويمات ما فوق قوميّة، التي عُرفت بها الحركات القوميّة والإسلاميّة في لبنان. فقد انطلق من ملاحظة أننا واجهنا قضيّة "التجزئة" العزيزة على فكر القوميين والإسلامويين، بنفس العقليّة الموروثة عن مرحلة (سايكس/بيكو)، وأننا لم ننتبه إلى اعتبار أن الاجتماع العربي الإسلامي لا يقوم على أساس وحدة اندماجية على غرار الوحدات القوميّة الأوروبيّة. وأننا عالجنا بالتالي قضية الوحدة في مقابل التجزئة علاجاً خاطئاً عمّقها وشجّع القطرية الإقليمية، وخلق أنظمة مصالح متناقضة بدل أن يخلق فضاء أوسع للتنوّع مع التركيز على بناء نظام مصالح متكامل.
ورأي الشيخ محمد مهدي شمس الدين أن "الأمّة" انتزاع تجريدي، وأنّ هذا التجريد لا أساس فقهياً له، كما أنه لا قيمة علميّة له، فالأمّة خاضعة واقعياً لتقسيمات وكيانات وأنظمة مصالح. وهذا الانقسام الواقع عمل مشروع ومبرّر فقهياً إذا لم يصادم نظامُ مصالح كيانٍ ما نظام مصالح الكيانات والأنظمة الأخرى. ومقولة "الحكومة العالمية"، حتى في العصور الإسلامية السالفة، كلام غير دقيق، لا مشروعيّة فقهيّة له ولا مشروعيّة علميّة، وحتى الدولة النبوية الأولى فهي كانت دولة تتراوح بين الفيدرالية والكونفيدرالية.
يُعرف عن الإمام شمس الدين أنّه كان أول مَنْ أيّد ودعَم نهضة الإمام الخميني والثورة الإسلامية الإيرانية؛ وظل يدافع عنها في وجه كل الهجمات والاعتداءات والافتراءات. ويُعرَف عنه أيضاً أنّه كان أول (ولعله الوحيد) مَنْ عارض وظل يعارض نظرية ولاية الفقيه وسمّاها باسمها الحقيقي: الاستبداد الديني. ودفاعه عن الدولة الإسلامية في إيران قام على أساس مشروعيّتها الشعبيّة الديموقراطية، إذ اعتبر أن النظام الإسلامي ودستوره شرعيان نظراً إلى إقرارهما في استفتاءات وخيارات شعبيّة ديمقراطيّة لا غبار عليها، وليس لأنّ الفقهاء فرضوا هذا الخيار. وقد قرن اعترافه ودعمه لخيار الشعب الإيراني، بتشديده على ضرورة مؤسسات القرار في داخل الدولة، وتطوير المشاركة الشعبيّة وأدوات الديموقراطية في إيران. وقال: إن "إيران دولة إسلامية قائمة على ولاية الفقيه، هذا جيد. ولكن في حدود إيران، أما خارج إيران فلا ولاية لهم على أحد".
كما أنه طوّر نظريّته حول ولاية الأمّة على نفسها داعياً إلى اعتمادها لتطوير النظام الإيراني نفسه نحو الديموقراطية الحقيقيّة الموافقة للشورى الإسلاميّة. ففي عصر الغيبة، بالنسبة للشيعة المؤمنين بغيبة الإمام المهدي، وبعد سقوط الخلافة على مستوى أهل السُّنة كما على مستوى الواقع التاريخي، استعاد الناس ولايتهم على أنفسهم، ولاية الأمّة على نفسها تعني أن ينظم الناس حياتهم وفق مصالحهم التي يدركونها ولا يسلمونها إلى أحد.
ويمكن أن تنتج عن ذلك، كما حدث في إيران، وفي غيرها، دولة ودستورها الإسلام ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يحكمها الشيوخ المعمّمون. بل الأولى والأصحّ أن الناس تنتخب ممثليها وتعطيهم ولايتها على نفسها. ويمكن بهذا المعنى أن تنشأ عدة دول إسلامية، وأن تكون لها مؤسسات رقابة وتمثيل كما هو حاصل في إيران. والمهم هو احترام الديموقراطية وولاية الناس أو الأمّة على نفسها. وعدم الوقوع في الاستبداد الديني تحت عنوان الولاية العامة للفقهاء. إذ ليس للفقهاء أي ولاية على الناس، من حيث إن الولاية التي كانت للرسول أو للأئمّة المعصومين لم تعد موجودة، وصار الناس ملزمين باختيار ما يناسب مصالحهم وإدراكهم لها.
ووجود دولة إسلامية، اختار شعبها دستورها الإسلامي، لا يعني بالضرورة أن يكون كل نظام وحكومة إسلاميين. فلا دعوة عند شمس الدين إلى ضرورة قيام حكومة إسلامية أو حكم إسلامي. فالمجتمع السياسي الإسلامي يمكن أن يستمر مسلماً في تكوينه ومنهجه العام، ويكون قابلاً لأي نظام لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، من دون أن يكون نظام الحكم إسلامياً.
حزب الله وولاية الفقيه
برغم ما سبق قوله من وجود تيارات عديدة صبت كلها في إطار تشكيل حزب الله لاحقاً، إلا أن الحقيقة الأكبر أنه ما كان لحزب الله أن يولد وينمو ويستمر لولا الرعاية الإيرانية. فلقد تشكّل حزب الله في لبنان على أساس أنه "حزب الثورة الإسلامية في لبنان" أي كفرع من "حرس الثورة الإسلامية" الإيراني. ولم يكن ذلك فقط من حيث إن قوات حرس الثورة التي جاءت إلى لبنان إثر اجتياح صيف 1982 وأقامت قاعدة عسكرية لها في بعلبك، قامت فعلياً بتوحيد وتدريب وتأطير وتنظيم المجموعات التي صارت لاحقاً حزب الله (1982- 1985)، وإنما أيضاً وأساساً من حيث إن الأساس العقائدي/الفكري/التنظيمي يقوم على نظرية وممارسة ولاية الفقيه، أي على الإيمان المطلق بها والانضباط التام لها والطاعة لمستلزماتها، وفي ذلك يقول السيد إبراهيم أمين السيد، أحد أبرز قادة حزب الله، حين كان الناطق الرسمي أو الأمين العام الأول للحزب: "نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه، والفقيه لا تعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشرع الإسلامي، فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران. نحن نعتبر أنفسنا - وندعو الله أن نصبح- جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره ولا نؤمن بالجغرافيا، بل نؤمن بالتغيير".
وفي بيان تأسيس الحزب (16 فبراير (شباط) 1985) نقرأ: "إننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد".
وفي شرح أدق لهذا المعنى يقول السيد حسن نصرالله: "الفقيه هو وليُّ الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة إلى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون باتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت. فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة".
إظهار الرسائل ذات التسميات دنيا ودين. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات دنيا ودين. إظهار كافة الرسائل
الجمعة، 7 سبتمبر 2012
الخميس، 16 أغسطس 2012
هامبورغ تقنن علاقتها بمسلميها
رحبت منظمات إسلامية وكنائس مسيحية والحزب المسيحي الديمقراطي المعارض في ولاية هامبورغ الألمانية بإقرار حكومة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكمة بالولاية اتفاقية دولة تعترف رسميا بالدين الإسلامي وتمنح المسلمين وضع الجماعة الدينية المتساوية قانونيا في الحقوق مع غيرها من الطوائف الدينية المعترف بها مثل المسيحيين واليهود.
وجرى التصديق الرسمي على الاتفاقية المنظمة لعلاقة الحقوق والواجبات المتبادلة بين مسلمي هامبورغ وسلطاتها، في احتفال أقيم الثلاثاء بمقر حكومة الولاية.
وتعد هامبورغ أكبر مدينة وميناء في ألمانيا وتنفرد مع برلين وبريمن بالجمع بين وضعي المدينة والولاية، ويبلغ عدد سكانها نحو 1.7 مليون نسمة أكثرهم من البروتستانت، وتقدر الإحصائيات الرسمية عدد المسلمين في هذه المدينة الساحلية بأكثر من 130 ألف نسمة يشكلون قرابة 5% من السكان.
الموقعون والمضمون
ومن المتوقع دخول اتفاقية الدولة بين السلطات والمسلمين في هامبورغ حيز التطبيق الفعلي، عقب التصويت عليها الخريف القادم في برلمان الولاية، حيث يمتلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم أغلبية مطلقة.
وجرى التوصل إلى هذه الاتفاقية بعد مفاوضات بين طرفيها استغرقت خمس سنوات، ووقع عليها أولاف شولتس رئيس حكومة هامبورغ ورؤساء ثلاث منظمات تمثل نحو 90% من المسلمين هي منظمة الشؤون الدينية التركية (ديتيب) ومجلس الجمعيات الإسلامية (شورى) واتحاد المراكز الثقافية الإسلامية.
وتماثل اتفاقية الدولة اتفاقيات سابقة أبرمتها ولاية هامبورغ قبل سنوات طويلة مع الكنائس المسيحية والجالية اليهودية، الذين حصلوا بمقتضى تلك الاتفاقيات على اعتراف بهم كممثل رسمي لطوائفهم الدينية أمام السلطات الحكومية.
ألتوغ: الاتفاقية اعترفت بحقوق المسلمين كغيرهم من الطوائف الدينية (الجزيرة نت)
وتحدد الاتفاقية الجديدة قواعد منظمة لممارسة الأقلية المسلمة في هامبورغ شعائرها الدينية، وتقنن السماح للمسلمين ببناء المساجد وفق ما يناسبهم من طراز معماري داخل المدينة وضواحيها وليس في أطرافها، وأقرت بحق مسلمي الولاية في تأسيس رياض الأطفال الإسلامية وإقامة مدافن خاصة بهم يتم الدفن فيها بالكفن وليس بالتابوت.
وتسمح الاتفاقية بتدريس الدين الإسلامي للتلاميذ المسلمين في المدارس الرسمية، ويحصل هؤلاء التلاميذ على عطلة رسمية في عيدي الفطر والأضحى، ومنح العمال المسلمين إجازة مماثلة مدفوعة الأجر بنفس العيدين.
وتلزم الاتفاقية الطرفين الموقعين عليها باحترام مبادئ التسامح الديني والتعايش السلمي والقبول بالتعددية الدينية والمساواة بين الرجل والمرأة ورفض التمييز.
وأوكلت لمجموعة عمل متخصصة من ممثلي المسلمين والسلطات المعنية، مهمة الاتفاق على مشروع محدد لتدريس الدين الإسلامي كمقرر في المدارس الحكومية، وفي المقابل تجنبت الاتفاقية التطرق لمشكلة حظر عمل المسلمات بالحجاب في المدارس أو في الدوائر العامة، غير أن رئيس وزراء هامبورغ أولاف شولتس -في كلمته بحفل التوقيع على الاتفاقية- ترك المجال مفتوحا أمام إمكانية إيجاد حل توافقي لهذه المشكلة مستقبلا.
حدث تاريخي
واعتبر شولتس -وهو قيادي بارز بالحزب الاشتراكي الديمقراطي ويتمتع بشعبية كبيرة في عموم ألمانيا- أن النجاح في التوصل إلى الاتفاقية يعطي إشارة بإتجاه تعزيز التعاون المجتمعي بشكل فاعل في هامبورغ، وقال إن ما تضمنته الاتفاقية "يمثل محصلة لأشياء طبيعية كان يتوجب حدوثها قبل فترة، غير أن الأشياء الطبيعية تحتاج أحيانا لوقت طويل لإنجازها".
ومن جانبه وصف رئيس منظمة ديتيب زكريا ألتوغ الاتفاقية الجديدة بالحدث التاريخي، وعبر عن تفاؤله بالتوقيع عليها في يوم احتفال المسلمين بليلة القدر.
وأشار ألتوغ في تصريح للجزيرة نت إلى أن اتفاقية الدولة اعترفت للمرة الأولى في تاريخ ألمانيا الحديثة بالمسلمين كفئة مجتمعية متساوية في الحقوق الدينية مع غيرها من الطوائف الدينية المعترف بها في الولاية.
المصدر:الجزيرة
الأربعاء، 2 مايو 2012
رسوم مسيئة للنبي محمد تؤدي الى أعمال عنف في ألمانيا
هاجمت مجموعة من الاسلاميين السلفيين يوم الثلاثاء افراد الشرطة في مدينة زولنغين الألمانية، خلال تظاهرة لليمين المتطرف، وأسفر الهجوم عن اصابة اربعة اشخاص بجروح. وجاء الهجوم ردا على استفزاز حزب يميني متطرف عرض رسوما مسيئة للنبي محمد. وكان المسؤولون الألمان حذروا من ان الخطوة الدعائية التي اقدم عليها حزب "برو إن آر في"، أو "حزب من اجل ولاية شمال الراين ـ فيستفاليا" اليميني المعادي للمسلمين يمكن أن تثير أعمال عنف.
وتعرض نحو 30 سلفيا الى الاعتقال بعد اصابة ثلاثة شرطيين وأحد المارة بجروح نتيجة رشقهم بالحجارة، وضربهم بأعواد اللافتات التي رفعها المحتجون على التظاهرة اليمينية.
وكان حزب "برو ان آر في" نظم تظاهرته قرب مسجد تابع للسلفيين في مدينة زولنغين.
واندلعت اعمال العنف عندما عرض اليمينيون المتطرفون رسوما مسيئة للنبي محمد، للرسام الدنماركي كورت فسترغارد. وكان احد الرسوم بين مجموعة رسوم كاريكاتيرية نشرتها صحف دنماركية عام 2005 وأدى نشرها الى احتجاجات نظمها المسلمون في انحاء العالم.
ونقل موقع شبيغل اونلاين، عن المتحدثة اسم الشرطة آنيا مايز ان عدة سلفيين معممين قفزوا فجأة فوق طوق الحواجز، ورموا الحجارة باتجاه أفراد الشرطة وضربوهم أيضا بأعواد اللافتات.
واعلن حزب "برو ان آر في" انه سيقيم مسابقة لرسوم كاريكاتير موضوعها النبي محمد ويعرض الرسوم خارج 25 مسجدا في ولاية شمال الراين ـ فيستفاليا شمالي المانيا. ولاقت حملة الحزب الدعائية قبل الانتخابات المحلية في الولاية في 13 ايار (مايو) ادانة واسعة.
وحذر وزير الداخلية الألماني هانز بيتر فريدريش من أن مسابقة الرسوم الكاريكاتيرية وتنظيم تظاهرات قرب المساجد، يمكن ان تؤدي الى اشتباكات عنيفة وتهدد السفارات والشركات الالمانية في الخارج.
وأعربت السلطات الأمنية الألمانية عن قلقها من أن يستغل السلفيون استفزاز اليمين المتطرف في مواجهة تلفت الانتباه اليهم. وكان السلفيون أثاروا اهتمام الإعلام مؤخرا بحملة لتوزيع القرآن مجانا في المدن الالمانية.
إيلاف
الجمعة، 30 مارس 2012
قَوَادِحٌ عَقَدِيَةٌ فِي بُرْدَةِ الُبوصِيرِي
قَوَادِحٌ عَقَدِيَةٌ فِي بُرْدَةِ الُبوصِيرِي
د . عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - مـن أشـهــــر الـمــدائـح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن الـمـشـطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحـهـــــا الـمكتوبة خمـسـيـن شــرحـــــاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.
يـقــول الـدكـتـور زكـي مـبــارك : وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عـقـــــد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كـانـت تـتـلـقـاهــــا جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مـثــل هذا الـــدرس لم يـكـــن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1).
وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لـكـعـــــب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النـبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فـقــــد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!
وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخـــــر هو الـبرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشـدائــد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
وقـد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).
يقــــول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكـتـف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضــع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابـهــــــا، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفـيــة الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).
وأما عن مناسبة تألـيـفـها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثـــم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فـعـمـلـتـهـــا، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بــردة، فـانـتـبـهــت ووجــدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عـلـيــــه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكــر الفقير ذلك، وشاع المنام(6).
ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -.
ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل بــــه - كما ثبت في الحديث -.
ثـم ادعــى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسـلــم، وأن الرســــــول -صـلـى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلــى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.
قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله(7).
وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه.
يقول شيخ الإسلام : ثم سـبـب قـضــــاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فـإنــــه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مبــاح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة(8).
وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محـمــــد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـــــــل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقـف مــــــع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل.
ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!
توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع(9).
وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل.
1- يقول البوصيري :
وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن *** لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدم
ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نـبـيـنــا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،
وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10).
2- قال البوصيري :
فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق *** ولـم يـدانــوه في عــلـــم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبيـاء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنــــــه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالـة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11).
3- ثم قال :
دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في الـمـسـيـــح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة(12).
لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مـريـم إنـمــــــــا أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله(13)، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هـــــو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى(14).
ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر(15).
4 - وقال أيضاً :
لو ناسبت قــدره آيــاتــه عِظماً *** أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم
يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره(16).
يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).
5- وقال أيضا :
لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه *** طوبى لمنتشق منه وملتثم
فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).
6- ثم قال :
أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له *** من قلبه نسبةً مبرورة القسم
ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(19).
وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد(20).
7- قال البوصيري :
ولا التمست غنى الدارين من يــده *** إلا استلمت الندى من خير مستلم
فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .
وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].
8- قال البوصيري :
فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي *** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد!
و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك(21).
فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة(22).
9- وقال البوصيري :
إن لم يـكـن في معادي آخذاً بيدي *** فضلاً وإلا فقل يا زلة الـقــدم
والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13].
ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً(23).
10- وقال :
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية(24).
وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب(25).
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون(26).
11- وقال البوصيري :
ولن يضيق رسول الله جاهك بي *** إذا الكريم تحلى باسم منتقم
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27).
12- وقال أيضا :
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13](28).
وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيــات فـي هـذا كثيرة معلومة(29).
وأخـيـراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنـمـا يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة.
وإن كـــان لا بد مـن قـصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي.
اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)
======================
الهوامش :
(1) المدائح النبوية، ص 199.
(2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة.. وهذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .
(3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري، ص 29.
(4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك، ص 197.
(5) مقدمة ديوان البوصيري، ص 29، 30.
(6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، 2/258.
(7) مجموع الفتاوى، 11 /598.
(8) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/692، 693، باختصار.
(9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص 5 - 44، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .
(10) انظر : الصنعاني في موضوعاته، ص 46 ح (78)، والمسلسلة والموضوعة للألباني، 1/299، ح(282).
(11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان، ص 169 - 196.
(12) الدرر السنية، 9/81، وانظر 9/48، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا)، ص 88.
(13) أخرجه البخاري، ح ./3445.
(14) انظر القول المفيد، 1 /376، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ، ص 236، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان، ص 208 .
(15) فتح الباري، 12 /149.
(16) غاية الأماني للآلوسي، 2 /349.
(17) غاية الأماني للآلوسي، 2/ 350، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان، ص 136.
(18) الرد على الأخنائي، ص 41.
(19) رواه أحمد، ح. /4509، والترمذي، ح./ 1534.
(20) التمهيد، 14/366، 367 .
(21) تيسير العزيز الحميد، ص 22.
(22) انظر الدرر السنية، 9 /51.
(23) انظر الدرر السنية، 9/49، 82، 271.
(24) تيسير العزيز الحميد، ص 219، 220.
(25) الدرر السنية، 9/ 80، وانظر 9/49، 84، 193، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص 212.
(26) الدر النضيد، ص 26.
(27) تيسير العزيز الحميد، ص 220، وانظر الدرر السنية، 9/52.
(28) انظر الدرر السنية، 49، 50، 81، 82، 85، 268.
(29) انظر الدرر السنية، 9/50، 62، 81، 82، 268، 277.
(*) المصدر : مجلة البيان - العدد 139 - ربيع الأول 1420 هـ
د . عبد العزيز محمد آل عبد اللطيف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن ميميه البوصيري - المعروفة بالبردة - مـن أشـهــــر الـمــدائـح النبوية وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً، ولذا تنافس أكثر من مائه شاعر في معارضتها، فضلاً عن الـمـشـطِّرين والمخمِّسين والمسبِّعين، كما أقبل آخرون على شرحها وتدريسها، وقد تجاوزت شروحـهـــــا الـمكتوبة خمـسـيـن شــرحـــــاً، فيها ما هو محلى بماء الذهب! وصار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن.
يـقــول الـدكـتـور زكـي مـبــارك : وأما أثرها في الدرس، فيتمثل في تلك العناية التي كان يوجهها العلماء الأزهريون إلى عـقـــــد الدروس في يومي الخميس والجمعة لدراسة حاشية الباجوري على البردة، وهي دروس كـانـت تـتـلـقـاهــــا جماهير من الطلاب، وانما كانوا يتخيرون يومي الخميس والجمعة، لأن مـثــل هذا الـــدرس لم يـكـــن من المقررات فكانوا يتخيرون له أوقات الفراغ(1).
وقد أطلق البوصيري على هذه القصيدة البردة من باب المحاكاة والمشاكلة للقصيدة الشهيرة لـكـعـــــب بن زهير - رضي الله عنه - في مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ؛ فقد اشتهر أن النـبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى كعباً بردته حين أنشد القصيدة - إن صح ذلك - (2) فـقــــد ادعى البوصيري - في منامه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ألقى عليه بردة حين أنشده القصيدة !!
وقد سمى البوصيري هذه القصيدة أيضاً بـ الكواكب الدرية في مدح خير البرية(3). كما أن لهذه البردة اسماً آخـــــر هو الـبرأة ؛ لأن البوصيري كما يزعمون برئ بها من علته، وقد سميت كذلك بقصيدة الشـدائــد ؛ وذلك لأنها - في زعمهم - تقرأ لتفريج الشدائد وتيسير كل أمر عسير.
وقـد زعم بعض شراحها أن لكل بيت من أبياتها فائدة ؛ فبعضها أمان من الفقر، وبعضها أمان من الطاعون(4).
يقــــول محمد سيد كيلاني - أثناء حديثه عن المخالفات الشرعية في شأن البردة -: ولم يكـتـف بعض المسلمين بما اخترعوا من قصص حول البردة، بل وضعوا لقراءتها شروطاً لم يوضــع مثلها لقراءة القرآن، منها : التوضؤ، واستقبال القبلة، والدقة في تصحيح ألفاظها وإعرابـهــــــا، وأن يكون القارئ عالماً بمعانيها، إلى غير ذلك. ولا شك في أن هذا كله من اختراع الصوفـيــة الذين أرادوا احتكار قراءتها للناس، وقد ظهرت منهم فئة عرفت بقراء البردة، كانت تُستدعى في الجنائز والأفراح، نظير أجر معين(5).
وأما عن مناسبة تألـيـفـها فكما قال ناظمها : كنت قد نظمت قصائد في مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثـــم اتفق بعد ذلك أن أصابني خِلْط فالج أبطل نصفي، ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة، فـعـمـلـتـهـــا، واستشفعت بها إلى الله في أن يعافيني، وكررت إنشادها، وبكيت ودعوت، وتوسلت ونمت، فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فمسح على وجهي بيده المباركة، وألقى عليّ بــردة، فـانـتـبـهــت ووجــدت فيّ نهضة ؛ فقمت وخرجت من بيتي، ولم أكن أعلمت بذلك أحداً، فلقيني بعض الفقراء، فقال لي : أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت : أيّها؟ فقال : التي أنشأتها في مرضك، وذكر أولّها، وقال : والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرأيت رسول الله -صلى الله عـلـيــــه وسلم-، يتمايل وأعجبته، وألقى على من أنشدها بردة، فأعطيته إياها، وذكــر الفقير ذلك، وشاع المنام(6).
ففي هذه الحادثة تلبّس البوصيري بجملة من المزالق والمآخذ، فهو يستشفع ويتقرب إلى الله - تعالى - بشرك وابتداع وغلو واعتداء - كما سيأتي موضحاً إن شاء الله -.
ثم ادعى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون أن يبيّن نعته ؛ فإن من رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- حسب صفاته المعلومة فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل بــــه - كما ثبت في الحديث -.
ثـم ادعــى أن النبي في -صلى الله عليه وسلم- مسح على وجهه وألقى عليه بردة، فعوفي من هذا الفالج، فتحققت العافية بعد المنام دون نيل البردة! ثم التقى البوصيري - في عالم اليقظة - بأحد المتصوفة وأخبره بسماع القصيدة بين يدي الرسول صلى الله عليه وسـلــم، وأن الرســــــول -صـلـى الله عليه وسلم- تمايل إعجاباً بالقصيدة، وهذا يذكّرنا بحديث مكذوب بأن النبي -صلــى الله عليه وسلم- تواجد عند سماع أبيات حتى سقطت البردة عن منكبيه وقال: ليس بكريم من لم يتواجد عند ذكر المحبوب.
قال شيخ الإسلام : إن هذا الحديث كذب بإجماع العارفين بسيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسنته وأحواله(7).
وأما عن استجابة دعاء البوصيري مع ما في قصيدته من الطوامَّ، فربما كان لاضطراره وعظم فاقته وشدة إلحاحه السبب في استجابة دعائه.
يقول شيخ الإسلام : ثم سـبـب قـضــــاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة أن الرجل منهم قد يكون مضطراً ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وان كان تحري الدعاء عند الوثن شركاً، ولو استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فـإنــــه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعفُ الله عنه، فكم من عبد دعا دعاء غير مبــاح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة(8).
وأما عن التعريف بصاحب البردة فهو : محـمــــد بن سعيد البوصيري نسبة إلى بلدته أبو صير بين الفيوم وبني سويف بمصر، ولد سنة 608هـ، واشتغل بالتصوُّف، وعمل كاتباً مع قلة معرفته بصناعة الكتابة، ويظهر من ترجمته وأشعاره أن الناظم لم يكن عالماً فقيهاً، كما لم يكن عابداً صالحاً ؛ حيث كان ممقوتاً عند أهـــــــل زمانه لإطلاق لسانه في الناس بكل قبيح، كما أنه كثير السؤال للناس، ولذا كان يقـف مــــــع ذوي السلطان مؤيداً لهم سواء كانوا على الحق أم على الباطل.
ونافح البوصيري عن الطريقة الشاذلية التي التزم بها، فأنشد أشعاراً في الالتزام بآدابها، كما كانت له أشعار بذيئة يشكو من حال زوجه التي يعجز عن إشباع شهوتها!
توفي البوصيري سنة 695هـ وله ديوان شعر مطبوع(9).
وسنورد جملة من المآخذ على تلك البردة التي قد تعلّق بها كثير من الناس مع ما فيها من الشرك والابتداع. والله حسبنا ونعم الوكيل.
1- يقول البوصيري :
وكيف تدعو إلى الدنيا ضـرورة مـن *** لـولاه لم تُخرج الدنيا من العدم
ولا يخفى ما في عَجُز هذا البيت من الغلو الشنيع في حق نـبـيـنــا محمد -صلى الله عليه وسلم-، حيث زعم البوصيري أن هذه الدنيا لم توجد إلا لأجله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قال - سبحانه: ((ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات:56]،
وربما عوّل أولئك الصوفية على الخبر الموضوع : لولاك لما خلقت الأفلاك(10).
2- قال البوصيري :
فاق النبيين في خَلق وفي خُلُق *** ولـم يـدانــوه في عــلـــم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمس *** غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم
أي أن جميع الأنبياء السابقين قد نالوا والتمسوا من خاتم الأنبيـاء والرسل محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالسابق استفاد من اللاحق! فتأمل ذلك وقارن بينه وبين مقالات زنادقة الصوفية كالحلاج القائل : إن للنبي نوراً أزلياً قديماً كان قبل أنــــــه يوجد العالم، ومنه استمد كل علم وعرفان ؛ حيث أمدّ الأنبياء السابقين عليه.. وكذا مقالـة ابن عربي الطائي أن كل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي يأخذ من مشكاة خاتم النبيين(11).
3- ثم قال :
دع ما ادعته النصارى في نـبـيـهم *** واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
يقول الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - منتقداً هذا البيت : ومن المعلوم أن أنواع الغلو كثيرة، والشرك بحر لا ساحل له، ولا ينحصر في قول النصارى ؛ لأن الأمم أشركوا قبلهم بعبادة الأوثان وأهل الجاهلية كذلك، وليس فيهم من قال في إلهه ما قالت النصارى في الـمـسـيـــح - غالباً - : إنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، بل كلهم معترفون أن آلهتهم ملك لله، لكن عبدوها معه لاعتقادهم أنها تشفع لهم أو تنفعهم فيحتج الجهلة المفتونون بهذه الأبيات على أن قوله في منظومته : دع ما ادعته النصارى في نبيهم مَخْلَصٌ من الغلو بهذا البيت، وهو قد فتح ببيته هذا باب الغلو والشرك لاعتقاده بجهله أن الغلو مقصور على هذه الأقوال الثلاثة(12).
لقد وقع البوصيري وأمثاله من الغلاة في لبس ومغالطة لمعنى حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مـريـم إنـمــــــــا أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله(13)، فزعموا أن الإطراء المنهي عنه في هذا الحديث هـــــو الإطراء المماثل لإطراء النصارى ابن مريم وما عدا ذلك فهو سائغ مقبول، مع أن آخر الحديث يردّ قولهم ؛ فإن قوله - عليه الصلاة والسلام - : إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله تقرير للوسطية تجاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذب، والمبالغة في مدحه تؤول إلى ما وقع فيه النصارى من الغلو في عيسى - عليه السلام -، وبهذا يُعلم أن حرف الكاف في قوله -صلى الله عليه وسلم- : كما أطرت هي كاف التعليل، أي كما بالغت النصارى(14).
ويقول ابن الجوزي - في شرحه لهذا الحديث - : لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه ؛ لأنَّا لا نعلم أحداً ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى - عليه السلام - وإنما سبب النهي فيما لم يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه ؛ فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيداً للأمر(15).
4 - وقال أيضاً :
لو ناسبت قــدره آيــاتــه عِظماً *** أحيا اسمه حين يُدعى دارس الرمم
يقول بعض شرّاح هذه القصيدة : لو ناسبت آياته ومعجزاته عظم قدره عند الله - تعالى - وكل قربه وزلفاه عنده لكان من جملة تلك الآيات أن يحيي الله العظام الرفات ببركة اسمه وحرمة ذكره(16).
يقول الشيخ محمود شكري الآلوسي منكراً هذا البيت : ولا يخفى ما في هذا الكلام من الغلو ؛ فإن من جملة آياته -صلى الله عليه وسلم- القرآن العظيم الشأن ؛ وكيف يحل لمسلم أن يقول : إن القرآن لا يناسب قدر النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هو منحط عن قدره ثم إن اسم الله الأعظم وسائر أسمائه الحسنى إذا ذكرها الذاكر لها تحيي دارس الرمم؟(17).
5- وقال أيضا :
لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه *** طوبى لمنتشق منه وملتثم
فقد جعل البوصيري التراب الذي دفنت فيه عظام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أطيب وأفضل مكان، وأن الجنة والدرجات العلا لمن استنشق هذا التراب أو قبَّله، وفي ذلك من الغلو والإفراط الذي يؤول إلى الشرك البواح، فضلاً عن الابتداع والإحداث في دين الله - تعالى -.
قال شيخ الإسلام - رحمه الله - : واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا يقبله، وهذا كله محافظة على التوحيد(18).
6- ثم قال :
أقسمتُ بالقمر المنشق إنّ له *** من قلبه نسبةً مبرورة القسم
ومن المعلوم أن الحلف بغير الله - تعالى - من الشرك الأصغر ؛ فعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك(19).
وقال ابن عبد البر - رحمه الله - :لا يجوز الحلف بغير الله - عز وجل - في شيء من الأشياء ولا على حال من الأحوال، وهذا أمر مجتمع عليه... إلى أن قال : أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي عنها، لا يجوز الحلف بها لأحد(20).
7- قال البوصيري :
ولا التمست غنى الدارين من يــده *** إلا استلمت الندى من خير مستلم
فجعل البوصيري غنى الدارين مُلتَمساً من يد النبي -صلى الله عليه وسلم-، مع أن الله - عز وجل - قال : ((ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)) [النحل:53]، وقال - سبحانه - : ((فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ)) [العنكبوت:17]، وقال - تعالى - : ((قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ) [يونس:31]، ((قُلِ ادْعُوا الَذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ الله لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ)) [سبأ:22] .
وأمر الله نبيه محمداً -صلى الله عليه وسلم- أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة المذكورة في قوله - تعالى - : ((قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ ولا أَعْلَمُ الغَيْبَ ولا أَقُولُ لَكُمْ إنِّي مَلَكٌ إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ)) [الأنعام:50].
8- قال البوصيري :
فإن لي ذمة منه بتسمـيـتي *** محمداً وهو أوفى الخلق بالذمم
وهذا تخرُّص وكذب ؛ فهل صارت له ذمة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن اسمه موافق لاسمه؟! فما أكثر الزنادقة والمنافقين في هذه الأمة قديماً وحديثاً الذين يتسمون بمحمد!
و يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت : قوله : فإن لي ذمة... إلى آخره كذب على الله وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فليس بينه وبين اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الاشتراك في الاسم مع الشرك(21).
فالاتفاق في الاسم لا ينفع إلا بالموافقة في الدين واتباع السنة(22).
9- وقال البوصيري :
إن لم يـكـن في معادي آخذاً بيدي *** فضلاً وإلا فقل يا زلة الـقــدم
والشاعر في هذا البيت ينزل الرسول منزلة رب العالمين ؛ إذ مضمونه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المسؤول لكشف أعظم الشدائد في اليوم الآخر، فانظر إلى قول الشاعر، وانظر في قوله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ((قُلْ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) [الزمر:13].
ويزعم بعض المتعصبين للقصيدة أن مراد البوصيري طلب الشفاعة ؛ فلو صح ذلك فالمحذور بحاله، لما تقرر أن طلب الشفاعة من الأموات شرك بدليل قوله - تعالى - : ((ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [يونس:18]، فسمى الله - تعالى - اتخاذ الشفعاء شركاً(23).
10- وقال :
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به *** سواك عند حلول الحادث العمم
يقول الشيخ سليمان بن محمد بن عبد الوهاب - رحمهم الله - تعقيباً على هذا البيت -: فتأمل ما في هذا البيت من الشرك :
منها : أنه نفى أن يكون له ملاذ إذا حلت به الحوادث إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-، وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا هو.
ومنها : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية(24).
وانتقد الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد ابن عبد الوهاب هذا البيت قائلاً : فعظم البوصيري النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يسخطه ويحزنه ؛ فقد اشتد نكيره -صلى الله عليه وسلم- عما هو دون ذلك كما لا يخفى على من له بصيرة في دينه ؛ فقصر هذا الشاعر لياذه على المخلوق دون الخالق الذي لا يستحقه سواه ؛ فإن اللياذ عبادة كالعياذ، وقد ذكر الله عن مؤمني الجن أنهم أنكروا استعاذة الإنس بهم بقوله : ((وأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً)) [الجن: 6]، أي طغياناً، واللياذ يكون لطلب الخير، والعياذ لدفع الشر، فهو سواء في الطلب والهرب(25).
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله - عن هذا البيت : فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- . إنا لله وإنا إليه راجعون(26).
11- وقال البوصيري :
ولن يضيق رسول الله جاهك بي *** إذا الكريم تحلى باسم منتقم
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : ولن يضيق رسول الله... إلخ، هذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوهم وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو الشرك، وأيضاً فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من غيره ؛ فإن الله - تعالى - هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لا أن الشافع يشفع ابتداءاً(27).
12- وقال أيضا :
فإن من جودك الدنيا وضرتها *** ومن علومك علم اللوح والقلم
فجعل الدنيا والآخرة من عطاء النبي -صلى الله عليه وسلم- وإفضاله، والجود هو العطاء والإفضال ؛ فمعنى الكلام : أن الدنيا والآخرة له -صلى الله عليه وسلم-، والله - سبحانه وتعالى - يقول : ((وإنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأُولَى)) [الليل:13](28).
وقوله : ومن علومك علم اللوح والقلم. في غاية السقوط والبطلان ؛ فإن مضمون مقالته أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعلم الغيب، وقد قال - سبحانه - : ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65] وقال - عز وجل - : ((وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ والْبَحْرِ ومَا تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا ولا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)) [الأنعام:59]، والآيــات فـي هـذا كثيرة معلومة(29).
وأخـيـراً أدعو كل مسلم عَلِقَ بهذه القصيدة وولع بها أن يشتغل بما ينفع ؛ فإن حق النبي -صلى الله عليه وسلم- إنـمـا يكون بتصديقه فيما أخبر، واتباعه فيما شرع، ومحبته دون إفراط أو تفريط، وأن يشتغلوا بسماع القرآن والسنة والتفقه فيهما ؛ فإن البوصيري وأضرابه استبدلوا إنشاد وسماع هذه القصائد بسماع القرآن والعلم النافع، فوقعوا في مخالفات ظاهرة ومآخذ فاحشة.
وإن كـــان لا بد مـن قـصائد ففي المدائح النبوية التي أنشدها شعراء الصحابة -رضي الله عنهم- كحسان وكعب بن زهير ما يغني ويكفي.
اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ؛ إنك حميد مجيد. (*)
======================
الهوامش :
(1) المدائح النبوية، ص 199.
(2) يقول ابن كثير - رحمه الله - في البداية والنهاية (4 /373) : ورد في بعض الروايات ان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاه بردته حن أنشده القصيدة.. وهذا من الأمور المشهورة جداً، ولكن لم أر ذلك في شيء، من هذه الكتب المشهورة بإسناد أرتضيه ؛ فالله أعلم .
(3) انظر مقدمة محقق ديوان البوصيري، ص 29.
(4) انظر المدائح النبوية لزكي مبارك، ص 197.
(5) مقدمة ديوان البوصيري، ص 29، 30.
(6) فوات الوفيات لمحمد بن شاكر الكتبي، 2/258.
(7) مجموع الفتاوى، 11 /598.
(8) اقتضاء الصراط المستقيم، 2/692، 693، باختصار.
(9) انظر ترجمته في مقدمة ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني، ص 5 - 44، وللمحقق كتاب آخر بعنوان : البوصيري دراسة ونقد .
(10) انظر : الصنعاني في موضوعاته، ص 46 ح (78)، والمسلسلة والموضوعة للألباني، 1/299، ح(282).
(11) انظر تفصيل ذلك في كتاب محبة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرؤوف عثمان، ص 169 - 196.
(12) الدرر السنية، 9/81، وانظر 9/48، وانظر : صيانة الإنسان للسهسواني (تعليق محمد رشيد رضا)، ص 88.
(13) أخرجه البخاري، ح ./3445.
(14) انظر القول المفيد، 1 /376، ومفاهيمنا لصالح آل الشيخ، ص 236، ومحبة الرسول لعبد الرؤوف عثمان، ص 208 .
(15) فتح الباري، 12 /149.
(16) غاية الأماني للآلوسي، 2 /349.
(17) غاية الأماني للآلوسي، 2/ 350، باختصار وانظر الدر النضيد لابن حمدان، ص 136.
(18) الرد على الأخنائي، ص 41.
(19) رواه أحمد، ح. /4509، والترمذي، ح./ 1534.
(20) التمهيد، 14/366، 367 .
(21) تيسير العزيز الحميد، ص 22.
(22) انظر الدرر السنية، 9 /51.
(23) انظر الدرر السنية، 9/49، 82، 271.
(24) تيسير العزيز الحميد، ص 219، 220.
(25) الدرر السنية، 9/ 80، وانظر 9/49، 84، 193، ومنهاج التأسيس والتقديس لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ص 212.
(26) الدر النضيد، ص 26.
(27) تيسير العزيز الحميد، ص 220، وانظر الدرر السنية، 9/52.
(28) انظر الدرر السنية، 49، 50، 81، 82، 85، 268.
(29) انظر الدرر السنية، 9/50، 62، 81، 82، 268، 277.
(*) المصدر : مجلة البيان - العدد 139 - ربيع الأول 1420 هـ
الثلاثاء، 27 مارس 2012
السلام عليك أيها النبى

جمال البنا
ولد الهدى فالكائنات ضياء/ وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله/ للدين والدنيا به بشراء
والوحى يقطر سلسلاً من سلسلٍ/ واللوح والقلم البديع رواء
* السلام عليك أيها النبى يوم ولدت.. ويوم دعوت.. ويوم تبعث حياً
* السلام عليك أيها الفاتح الرحيم، الذى دخل مكة غداة النصر ساجداً على قتب بعيره، ولم يدخلها فى موكب نصر يحشد فيه الأسرى، وتعرض فيه الغنائم.. وقلت «أحلت ساعة من نهار»، وأطلقت صيحتك «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
* السلام عليك أيها المعلم الحكيم الذى قال: «إنما بعثت معلماً»، وقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
* السلام عليك يا مَنَّ امتن الله به على المؤمنين، فقال: «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين»، وإذ مدحك فقال: «فبما رحمة من الله لِنْتَ لهم ولو كُنْتَ فظاً غليظ القلب لانْفَضُّوا مِنْ حولك»، وقال: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
* السلام عليك أيها النبى الذى حملت القرآن، وأوتيت جوامع الكلم، فقلت: «لا ضرر ولا ضرار»، «المؤمنون عدول يسعى بذمتهم أدناهم»، «المؤمنون فى توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
* السلام عليك يا من ختم الله به عهد الأنبياء والمعجزات ليبدأ عهد الإنسان والعقل.
* السلام عليك أيها النبى.. يا من توفر فيه من الملكات والمواهب المتنوعة ما لم يتوافر لعبقرى آخر، فقد كان حاملاً لشرعة دينية، وكان قائداً عسكرياً مظفراً وكان سياسياً من نمط فريد، وكان خطيباً بليغاً، أوتى جوامع الكلم، ومثلاً أعلى فى الخلق، وهذه الصفات لم تتوفر لأبطال التاريخ.
من ذا يسامى هذه المآثر، أو يظفر بمثل هذه المنزلة؟
لقد كان الإسكندر فاتحاً عسكرياً مظفراً، وتتلمذ على يد أعجوبة البشرية أرسطو ولكنه لم يكن المشرع ولم يكن النبى، وما أكثر ما غلبته انفعالاته وورطته فى منكرات وآثام.
وكان «أعجوبة البشرية» أرسطو فريداً فى الفلسفة والمنطق والآداب والعلوم، ولكنه لم يكن رجل الدولة ولا رجل الدين، ولا القائد العسكرى.
وكان «قيصر» رجل دولة، ورجل سياسة، وآداب، وقائداً منتصراً، ولكنه لم يكن رجل الدين أو المشرع، وفوق هذا فقد كان رجل كل امرأة.. وامرأة كل رجل.
وكان «نابليون» رجل دولة، ورجل سياسة وقائداً عسكرياً، ومشرعاً، ولكنه لم يكن صاحب الدين أو رجل اللغة والأدب أو المثل الأعلى فى الأخلاق.
وكان كل من «شكسبير» و«جوته» علماً من أعلام الأدب والشعر والمسرح، ولكنهما كانا أصفاراً فى السياسة والتشريع والقيادة العسكرية أو الرسالة الدينية.
إن الشخصية الباهرة غير العادية لك يا رسول الله قد فرضت نفسها من الوهلة الأولى مع تلك الجملة التى ما كانت تشبيهات شكسبير وتهاويله لتصل إلى ما هو أبعد منها، لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى.. على أن أترك هذا الأمر ما تركته.
فهل كان يمكن للإسكندر، أرقى ثمرة للثقافة الهيلينية، وتلميذ أرسطو أن يقول شيئاً كهذا؟
أى قائد، أو ملك أو إمبراطور أو نبى فى العالم يستطيع أن يقول كما قال محمد عن أصحابه: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وأصحاب أى قائد ظفروا من الأجيال بتوقير وتبجيل كما ظفر الصحابة؟ إن مجد محمد الذى انعكس عليهم امتد إلى أصحابهم، فقيل لهم: «التابعون»، وإلى أصحاب هؤلاء فقيل: «تابعو التابعين».
أى جنود معركة نالوا مثل «الوسام» الذى منحه محمد لجند بدر «.. إنه شهد بدراً وما يدريك.. لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم».
أى بشر يصل به الاعتزاز وتملك قيادة البلاغة وقوة التصوير إلى أن يقول لأصحابه: «لو كنتم فى أهلكم كما تكونون معى لصافحتكم الملائكة»!!.
* السلام عليك أيها النبى الذى حقق «اليوتوبيا» التى تمناها المنظرون السياسيون عندما أسس دولة «المدينة».
بدأ الرسول بإقامة المسجد بتكوين الجامع ليكون المصلى والمنتدى العام، فما أن يَجِدَّ جديد حتى تعلو الصيحة: «الصلاة جامعة» فيدعوا ما بأيديهم ليدخلوا المسجد للمشاركة فيما قد جد، وبعد بناء المسجد عقد أُخُوَّة ما بين الأنصار والمهاجرين.
وأخيراً، وضع وثيقة المدينة التى قررت أن الأنصار وهم أهل المدينة الأصليون.. والماهجرين الذين هاجروا إليها من مكة فراراً من الاضطهاد، واليهود الذين حالفوا الأنصار.. أمة واحدة.. للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وهم يتعاملون بالمعروف، ويدافعون عن المدينة.
قرر الرسول بهذا مبدأ «المواطنة» عندما جعل من الأرض العنصر المبرر وحده للمواطنة، فكل مَنْ يعيش على أرض واحدة فهو مواطن فيها، وإن كان مهاجراً إليها.. وإن كان دينه مختلفاً، وهذا ما لم تكفله كل القوانين الحديثة، والتى لا تعطى المهاجرين هذا الحق.. أو تحرم مَنْ يختلف دينهم.
وصف شوقى هذا المجتمع الفريد، فقال:
داء الجماعة من أرسطاليس لم/ يوصف له حتى أتيت دواء
فرسمت بعدك للعباد حكومة/ لا سوقة فيها ولا أمراء
الله فوق الخلق فيها وحده/ والناس تحت لوائها أكفاء
والدين يسر والخلافة بيعة/ والأمر شورى والحقوق قضاء
الاشتراكيون أنت إمامهم/ لولا دعاوى القوم والغلواء
كانت الصفة البارزة لهذا المجتمع هى «المساواة» أو «حكم القانون» أو «دولة الإنسان»، ولم يكن لأى واحد ـ بما فى ذلك الرسول نفسه ـ أن يتميز عن الآخر.. وقد عرض الرسول نفسه للقصاص.
كان الإنسان مكرماً فى دولة المدينة، آمناً على حريته، لا يخشى أن يسجن، لأن المدينة ليس فيها سجن أو بوليس، كما لم يكن يخشى حاجة أو فاقة، لأن الزكاة تكفل له حاجته، ولأنه لم يكن مطالباً بضريبة من أى نوع، فلم تكن المدينة لتفرض ضرائب، وكان حراً، آمناً من الخوف، آمناً من الجوع.
وفى مقارنة لنا فيما بين ديمقراطية السوق فى أثينا، وديمقراطية الجامع فى المدينة.. رأينا أن ديمقراطية الجامع تَرْجَح ديمقراطية السوق، لأن ديمقراطية السوق كانت تحرم النساء والعبيد من حق الاشتراك فى مناقشة الأمور العامة، فى حين أن ديمقراطية الجامع كانت تضم الجميع، وتسمح بأن تقوم امرأة فتعترض على عمر عندما أراد تحديد المهور لأن القرآن يقول: «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثما مبيناً» (النساء: ٢٠).
فيسلم عمر لها، ويقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
كانت الدولة التى أقامها الرسول معجزة، لأنها تجردت من أبرز ما يميز الدولة فى العصر الحديث، أن تكون أداة قهر، وأن يكون لها جيش متفرغ، وبوليس، وسجون، وأن تفرض ضرائب، وكانت «المساواة» هى القيمة الغالبة، وكانت دولة القانون، كما كانت دولة الإنسان.
وهى فى النظم، كالقرآن فى الكتب.. معجزة لا تتكرر.. ولكن يمكن أن تستلهم كما يستلهم القرآن.. لتحقق فى الحكم نظاماً أدنى ما يكون إلى الكمال.
ولد الهدى فالكائنات ضياء/ وفم الزمان تبسم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله/ للدين والدنيا به بشراء
والوحى يقطر سلسلاً من سلسلٍ/ واللوح والقلم البديع رواء
* السلام عليك أيها النبى يوم ولدت.. ويوم دعوت.. ويوم تبعث حياً
* السلام عليك أيها الفاتح الرحيم، الذى دخل مكة غداة النصر ساجداً على قتب بعيره، ولم يدخلها فى موكب نصر يحشد فيه الأسرى، وتعرض فيه الغنائم.. وقلت «أحلت ساعة من نهار»، وأطلقت صيحتك «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
* السلام عليك أيها المعلم الحكيم الذى قال: «إنما بعثت معلماً»، وقال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
* السلام عليك يا مَنَّ امتن الله به على المؤمنين، فقال: «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين»، وإذ مدحك فقال: «فبما رحمة من الله لِنْتَ لهم ولو كُنْتَ فظاً غليظ القلب لانْفَضُّوا مِنْ حولك»، وقال: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».
* السلام عليك أيها النبى الذى حملت القرآن، وأوتيت جوامع الكلم، فقلت: «لا ضرر ولا ضرار»، «المؤمنون عدول يسعى بذمتهم أدناهم»، «المؤمنون فى توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالحمى والسهر»، «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
* السلام عليك يا من ختم الله به عهد الأنبياء والمعجزات ليبدأ عهد الإنسان والعقل.
* السلام عليك أيها النبى.. يا من توفر فيه من الملكات والمواهب المتنوعة ما لم يتوافر لعبقرى آخر، فقد كان حاملاً لشرعة دينية، وكان قائداً عسكرياً مظفراً وكان سياسياً من نمط فريد، وكان خطيباً بليغاً، أوتى جوامع الكلم، ومثلاً أعلى فى الخلق، وهذه الصفات لم تتوفر لأبطال التاريخ.
من ذا يسامى هذه المآثر، أو يظفر بمثل هذه المنزلة؟
لقد كان الإسكندر فاتحاً عسكرياً مظفراً، وتتلمذ على يد أعجوبة البشرية أرسطو ولكنه لم يكن المشرع ولم يكن النبى، وما أكثر ما غلبته انفعالاته وورطته فى منكرات وآثام.
وكان «أعجوبة البشرية» أرسطو فريداً فى الفلسفة والمنطق والآداب والعلوم، ولكنه لم يكن رجل الدولة ولا رجل الدين، ولا القائد العسكرى.
وكان «قيصر» رجل دولة، ورجل سياسة، وآداب، وقائداً منتصراً، ولكنه لم يكن رجل الدين أو المشرع، وفوق هذا فقد كان رجل كل امرأة.. وامرأة كل رجل.
وكان «نابليون» رجل دولة، ورجل سياسة وقائداً عسكرياً، ومشرعاً، ولكنه لم يكن صاحب الدين أو رجل اللغة والأدب أو المثل الأعلى فى الأخلاق.
وكان كل من «شكسبير» و«جوته» علماً من أعلام الأدب والشعر والمسرح، ولكنهما كانا أصفاراً فى السياسة والتشريع والقيادة العسكرية أو الرسالة الدينية.
إن الشخصية الباهرة غير العادية لك يا رسول الله قد فرضت نفسها من الوهلة الأولى مع تلك الجملة التى ما كانت تشبيهات شكسبير وتهاويله لتصل إلى ما هو أبعد منها، لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى.. على أن أترك هذا الأمر ما تركته.
فهل كان يمكن للإسكندر، أرقى ثمرة للثقافة الهيلينية، وتلميذ أرسطو أن يقول شيئاً كهذا؟
أى قائد، أو ملك أو إمبراطور أو نبى فى العالم يستطيع أن يقول كما قال محمد عن أصحابه: «أصحابى كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وأصحاب أى قائد ظفروا من الأجيال بتوقير وتبجيل كما ظفر الصحابة؟ إن مجد محمد الذى انعكس عليهم امتد إلى أصحابهم، فقيل لهم: «التابعون»، وإلى أصحاب هؤلاء فقيل: «تابعو التابعين».
أى جنود معركة نالوا مثل «الوسام» الذى منحه محمد لجند بدر «.. إنه شهد بدراً وما يدريك.. لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: افعلوا ما شئتم».
أى بشر يصل به الاعتزاز وتملك قيادة البلاغة وقوة التصوير إلى أن يقول لأصحابه: «لو كنتم فى أهلكم كما تكونون معى لصافحتكم الملائكة»!!.
* السلام عليك أيها النبى الذى حقق «اليوتوبيا» التى تمناها المنظرون السياسيون عندما أسس دولة «المدينة».
بدأ الرسول بإقامة المسجد بتكوين الجامع ليكون المصلى والمنتدى العام، فما أن يَجِدَّ جديد حتى تعلو الصيحة: «الصلاة جامعة» فيدعوا ما بأيديهم ليدخلوا المسجد للمشاركة فيما قد جد، وبعد بناء المسجد عقد أُخُوَّة ما بين الأنصار والمهاجرين.
وأخيراً، وضع وثيقة المدينة التى قررت أن الأنصار وهم أهل المدينة الأصليون.. والماهجرين الذين هاجروا إليها من مكة فراراً من الاضطهاد، واليهود الذين حالفوا الأنصار.. أمة واحدة.. للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وهم يتعاملون بالمعروف، ويدافعون عن المدينة.
قرر الرسول بهذا مبدأ «المواطنة» عندما جعل من الأرض العنصر المبرر وحده للمواطنة، فكل مَنْ يعيش على أرض واحدة فهو مواطن فيها، وإن كان مهاجراً إليها.. وإن كان دينه مختلفاً، وهذا ما لم تكفله كل القوانين الحديثة، والتى لا تعطى المهاجرين هذا الحق.. أو تحرم مَنْ يختلف دينهم.
وصف شوقى هذا المجتمع الفريد، فقال:
داء الجماعة من أرسطاليس لم/ يوصف له حتى أتيت دواء
فرسمت بعدك للعباد حكومة/ لا سوقة فيها ولا أمراء
الله فوق الخلق فيها وحده/ والناس تحت لوائها أكفاء
والدين يسر والخلافة بيعة/ والأمر شورى والحقوق قضاء
الاشتراكيون أنت إمامهم/ لولا دعاوى القوم والغلواء
كانت الصفة البارزة لهذا المجتمع هى «المساواة» أو «حكم القانون» أو «دولة الإنسان»، ولم يكن لأى واحد ـ بما فى ذلك الرسول نفسه ـ أن يتميز عن الآخر.. وقد عرض الرسول نفسه للقصاص.
كان الإنسان مكرماً فى دولة المدينة، آمناً على حريته، لا يخشى أن يسجن، لأن المدينة ليس فيها سجن أو بوليس، كما لم يكن يخشى حاجة أو فاقة، لأن الزكاة تكفل له حاجته، ولأنه لم يكن مطالباً بضريبة من أى نوع، فلم تكن المدينة لتفرض ضرائب، وكان حراً، آمناً من الخوف، آمناً من الجوع.
وفى مقارنة لنا فيما بين ديمقراطية السوق فى أثينا، وديمقراطية الجامع فى المدينة.. رأينا أن ديمقراطية الجامع تَرْجَح ديمقراطية السوق، لأن ديمقراطية السوق كانت تحرم النساء والعبيد من حق الاشتراك فى مناقشة الأمور العامة، فى حين أن ديمقراطية الجامع كانت تضم الجميع، وتسمح بأن تقوم امرأة فتعترض على عمر عندما أراد تحديد المهور لأن القرآن يقول: «وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثما مبيناً» (النساء: ٢٠).
فيسلم عمر لها، ويقول: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
كانت الدولة التى أقامها الرسول معجزة، لأنها تجردت من أبرز ما يميز الدولة فى العصر الحديث، أن تكون أداة قهر، وأن يكون لها جيش متفرغ، وبوليس، وسجون، وأن تفرض ضرائب، وكانت «المساواة» هى القيمة الغالبة، وكانت دولة القانون، كما كانت دولة الإنسان.
وهى فى النظم، كالقرآن فى الكتب.. معجزة لا تتكرر.. ولكن يمكن أن تستلهم كما يستلهم القرآن.. لتحقق فى الحكم نظاماً أدنى ما يكون إلى الكمال.
الجمعة، 23 مارس 2012
العثور على إنجيل عمره أكثر من 1800 عام يحوي نبوءة المسيح بالنبي الكريم محمد
عُثر في تركيا على نسخة نادرة من الإنجيل مكتوبة باللغة الآرامية وتعود إلى ما قبل 1500 عام، تُثبت نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وتنبؤ المسيح به.
وقال وزير الثقافة والسياحة التركي أرطغول غوناي: "إن قيمة الكتاب تقدر بـ22 مليون دولار، حيث يحوي نبوءة المسيح بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الكنيسة "المسيحية" عمدت إلى إخفائه طيلة السنوات الماضية لتشابهه الشديد مع ما جاء في القرآن الكريم بخصوص ذلك".
وأشار إلى أن الفاتيكان طلب رسميًّا معاينة الكتاب الذي أصبح بحوزة السلطات التركية، لافتًا إلى أنه كان قد اختفى عام 2000 بمنطقة البحر المتوسط في تركيا، حيث سرقته عصابة من مهربي الآثار وتتم محاكمتهم حاليًا.
ويتوافق ما جاء في هذه النسخة مع العقيدة الإسلامية، حيث تصف المسيح بأنه بشر وليس إلهًا يُعبد من دون الله، وهو ما جاء به الإسلام الذي يرفض الثالوث وصلب المسيح،، كما تشير النسخة إلى تنبؤ المسيح بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث سأل كاهنٌ المسيحَ عمن يخلفه فقال: "محمد هو اسمه المبارك".
ويقول القرآن الكريم في الآية 6 من سورة الصف: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ).
وقال القس إحسان أوزبك لصحيفة "زمان" التركية: "إن نسخة الإنجيل تعود إلى أحد أتباع القديس برنابا لأنها كتبت في القرن الخامس أو السادس، بينما عاش القس برنابا في القرن الأول للميلاد لكونه أحد رسل المسيح".
من جهته، أكد أستاذ علم اللاهوت عمر فاروق هرمان: أن "الفحص العلمي سيمكننا قريبًا من كشف العمر الحقيقي للنسخة وستحدد إن كانت كتبت فعلاً عن طريق القديس برنابا أو أحد أتباعه".
وفي سياق متصل، ستعرض تركيا في متحف الأنثوغرافيا في أنقرة مخطوطة من "الكتاب المقدس" باللغة السيريانية كتبها المسيح وتقدر قيمتها بنحو 2.4 مليون دولار، كانت السلطات التركية قد قررت نقلها للمتحف لصيانتها والحفاظ عليها من التلف لكونها إحدى الأصول الثقافية، وتحوي المخطوطة مقتطفات من الكتاب المقدس مكتوبة بأحرف ذهبية على الجلد ومرتبطة بوتر.
جدير بالذكر أن إنجيل القديس برنابا هو أقرب الأناجيل الموجودة والمتداولة حاليًا إلى ما جاء به الإسلام، فهو يؤكد أن المسيح بشر، وذكر فيه اسم النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم عشرات المرات، إلا أن النصارى يرفضون الاعتراف به دون سبب مقنع، بل يزعمون أن أحد المسلمين هو الذي كتبه!!
وقال وزير الثقافة والسياحة التركي أرطغول غوناي: "إن قيمة الكتاب تقدر بـ22 مليون دولار، حيث يحوي نبوءة المسيح بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الكنيسة "المسيحية" عمدت إلى إخفائه طيلة السنوات الماضية لتشابهه الشديد مع ما جاء في القرآن الكريم بخصوص ذلك".
وأشار إلى أن الفاتيكان طلب رسميًّا معاينة الكتاب الذي أصبح بحوزة السلطات التركية، لافتًا إلى أنه كان قد اختفى عام 2000 بمنطقة البحر المتوسط في تركيا، حيث سرقته عصابة من مهربي الآثار وتتم محاكمتهم حاليًا.
ويتوافق ما جاء في هذه النسخة مع العقيدة الإسلامية، حيث تصف المسيح بأنه بشر وليس إلهًا يُعبد من دون الله، وهو ما جاء به الإسلام الذي يرفض الثالوث وصلب المسيح،، كما تشير النسخة إلى تنبؤ المسيح بظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث سأل كاهنٌ المسيحَ عمن يخلفه فقال: "محمد هو اسمه المبارك".
ويقول القرآن الكريم في الآية 6 من سورة الصف: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ).
وقال القس إحسان أوزبك لصحيفة "زمان" التركية: "إن نسخة الإنجيل تعود إلى أحد أتباع القديس برنابا لأنها كتبت في القرن الخامس أو السادس، بينما عاش القس برنابا في القرن الأول للميلاد لكونه أحد رسل المسيح".
من جهته، أكد أستاذ علم اللاهوت عمر فاروق هرمان: أن "الفحص العلمي سيمكننا قريبًا من كشف العمر الحقيقي للنسخة وستحدد إن كانت كتبت فعلاً عن طريق القديس برنابا أو أحد أتباعه".
وفي سياق متصل، ستعرض تركيا في متحف الأنثوغرافيا في أنقرة مخطوطة من "الكتاب المقدس" باللغة السيريانية كتبها المسيح وتقدر قيمتها بنحو 2.4 مليون دولار، كانت السلطات التركية قد قررت نقلها للمتحف لصيانتها والحفاظ عليها من التلف لكونها إحدى الأصول الثقافية، وتحوي المخطوطة مقتطفات من الكتاب المقدس مكتوبة بأحرف ذهبية على الجلد ومرتبطة بوتر.
جدير بالذكر أن إنجيل القديس برنابا هو أقرب الأناجيل الموجودة والمتداولة حاليًا إلى ما جاء به الإسلام، فهو يؤكد أن المسيح بشر، وذكر فيه اسم النبي "محمد" صلى الله عليه وسلم عشرات المرات، إلا أن النصارى يرفضون الاعتراف به دون سبب مقنع، بل يزعمون أن أحد المسلمين هو الذي كتبه!!
الخميس، 12 يناير 2012
سيطرة الشيعة
من المؤكد أن كثيرًا من القراء قد فُجِع لما علموه من تاريخ نشأة الشيعة، ومن المؤكد أيضًا أننا لا نكتب التاريخ لمجرَّد العلم بما يحدث في مراحل التاريخ المختلفة، ولكن لنأخذ منه العِبْرة والدرس؛ فنستطيع أن نتعامل مع أزماتنا الآن بشكلٍ أفضل، وبصورة أوضح.
- ولهذا فإن التنازل عن هذا التاريخ يُعَدّ جريمة في حق الأجيال المعاصرة؛ فنحن نَحرِم أنفسنا من النور إذا أعرضنا عن دراسة جذور القضية، كما أننا - قبل ذلك - أُمرنا أن ندرس قِصص الأوَّلين لكي نُسقِط دروسها على واقعنا، فقد قال تعالى: { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } الأعراف: 176. ولذا فلا ينبغي أن يقف الأمر عند مجرَّد حكاية القصة، ولكن لا بُدَّ أن نتفكر فيها، ثم نخرج بوسائل عملية تساعدنا على فَهْم واقعنا، وتنير لنا مستقبلنا.
* وبدايةً، فإني أحب أن أبدأ هذا المقال بتنبيهيْن مهمَّيْن:
- أما الأول فإنه لكي تفهم هذا المقال وتستفيد منه فإنه لا بُدَّ من قراءة مقالي السابق "أصول الشيعة"؛ لأن به جذور النشأة، وبه بعض الإشارات إلى عقائد الشيعة، تعين على فهم مجريات الأحداث.
- وأما الثاني فهو أنني حتى هذه اللحظة أسرد الأحداث سردًا، وأنقل الصحيح من الروايات، ولم أقف وقفة أخيرة لتوضيح موقفنا من الشيعة، وطبيعة العَلاقة التي ينبغي أن تكون. وهذا الموضوع المهم سأفرد له مقالي القادم بإذن الله، ولعلَّه من المفيد جدًّا لي أن أتلقَّى انطباعاتكم عمَّا ينبغي أن تكون عليه صورة التعامل بيننا، خاصةً إذا وضعنا الخلفية التاريخية والدينية التي فصَّلنا فيها.
وعودة إلى قصة الشيعة..
- لقد دخل الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري (الذي جعلوه الإمام الحادي عشر لهم) في فترة حَيْرة كبيرة عُرفت في التاريخ بفترة "حيرة الشيعة"، وفيها انقسموا على أنفسهم إلى فرقٍ كثيرة، وأخذت كل فرقة تصوغ دينها بما تريد، ولتحقيق مكاسب سياسية أفضل.. وكانت أشهر هذه الفرق فرقة الاثني عشرية، والتي تحدثنا عنها في المقال السابق"أصول الشيعة".
- لكنْ هذه الفرقة لم تكن الوحيدة على الساحة، بل نشأ إلى جوارها فرقة أخرى أشد خطورة، وكان لنشأتها آثار في غاية السوء على الأمة الإسلامية، وهذه الفرقة هي فرقة الإسماعيلية! وفرقة الإسماعيلية هذه من الفرق الشديدة الضلال، وقد أخرجها غالب علماء المسلمين من الإسلام أصلاً، وبدأت هذه الفرقة بتخطيط رهيب من أحد اليهود الذين أرادوا أن يكيدوا للأُمَّة الإسلامية، وهو ميمون القَدَّاح، وقد تظاهر هذا الرجل بالإسلام، وتقرَّب من محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، بل تصاحب عليه.
- ومحمد بن إسماعيل من آل البيت، فهو حفيد جعفر الصادق (الإمام السادس عند الاثني عشرية)، وأبوه إسماعيل هو أخو موسى الكاظم الإمام السابع عند الاثني عشرية. ولقد قام ميمون القدَّاح بشيء عجيب يعبِّر عن مدى حقده الشديد للأمة الإسلامية، والذي أوصله إلى التخطيط لهدمها حتى ولو بعد موته بعِدَّة عقود!
- لقد سمَّى ميمون القداح ابنه باسم ابن محمد (عبد الله)، وأوصاه أن يسمِّي أولاده وأحفاده بنفس أسماء أولاد وأحفاد محمد بن إسماعيل، ثم في مرحلة من مراحل التاريخ سيدَّعِي هؤلاء اليهود النسب إلى آل البيت على أنهم أحفاد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق! وليس هذا فقط، بل إنهم سيدَّعُون أن الإمامة الكبرى التي ينبغي أن تقود الأمة الإسلامية بكاملها لا بُدَّ أن تكون من نسب إسماعيل بن جعفر الصادق، وليس من نسب موسى الكاظم بن جعفر الصادق كما يدَّعِي الاثنا عشرية.
- وكان لميمون اليهودي ما أراد، ونشأت فرقة الإسماعيلية، وبدأ أحفاد ميمون القداح يصوغون فيها من العقائد والأفكار ما يتعارض جملةً وتفصيلاً مع الإسلام، ومن أشنعها أنهم يقولون بحلول الإله (تعالى شأنه) في الإمام الذي يحكمهم؛ ولذلك فهم يقولون بألوهية الإمام. كما يؤمنون بالتناسخ، أي أن الأرواح التي ماتت، وخاصةً أرواح الأئمة تعود للحياة من جديد في أجساد غيرهم من الأحياء، ويعتقدون أن أئمتهم جميعًا سيرجعون إلى الدنيا بعد موتهم.
- ثم إنهم في غاية الإباحية والمجون، ويعلنون قذف الصحابة، بل يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيًّا مع أنهم يدَّعون النسب إليه، وكان من همِّهم الأكبر اغتيال قادة السُّنَّة في العالم الإسلامي، وسيصبح لهم شأن كبير جدًّا سنتحدث عنه بعد قليل.
- نشطت الدعوة الإسماعيلية بأفكارها الهدَّامة، وانتشرت بين أوساط الجهَّال، واستغلت حب الناس لآل البيت، وأقنعوا طائفة منهم بأنهم أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وارتبط بهذه الدعوة الكثير من الفارسيين الذين يُظهِرون الإسلام ويُبطِنون المجوسيَّة، وكان منهم حسين الأهوازي، وهو من أشهر دعاة الإسماعيلية، ومن مؤسِّسيها الكبار، وكان يعمل في منطقة البصرة، وهناك تعرَّف على شخصية شريرة جدًّا في التاريخ الإسلامي وهو حمدان بن الأشعث، وقد اختُلف في أصل هذا الأخير، فقيل مجوسيّ فارسي، وقيل من يهود البحرين، وقد تلقَّب حمدان بن الأشعث بلقب "قرمط"، وكوَّن مع مرور الوقت فرقة خاصة به نُسبت إليه، وهي فرقة القرامطة، وهي فرع من الإسماعيلية، وإن كانت أشد خطرًا.
- وهذه الفرقة تقول بشيوع المال وشيوع النساء، ويحلّون كل المنكرات من قتل وزنا وسرقة، ويقومون على النهب والسلب وقطع الطريق، وقد انضمَّ إليها بالتبعية كل اللصوص والخارجين على النظام، وصارت بذلك إحدى الفرق الخطيرة جدًّا في تاريخ الأمة الإسلامية.
- لقد حدثت كل هذه التطورات - وغيرها مما لا يتسع المقال لشرحه - في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وظهرت بذلك ثلاث فرق كبيرة، كلٌّ منها يدَّعِي أن الحق معه، وهم يختلفون بعضهم عن بعض في العقائد والمبادئ والأحكام وكل شيء. وهذه الفرق الثلاث هي الشيعة الاثنا عشرية، والشيعة الإسماعيلية، والشيعة القرامطة، وكانت الصراعات تدور بينهم وبين السُّنَّة، كما كانت تدور بين بعضهم مع بعض لعدم قناعة أيِّ طرف بما عليه الطرف الآخر، فقد نشأت كل هذه الفرق تبعًا للأهواء، وابتداعًا في الدين.
- وإلى هذه المرحلة في التاريخ كانت هذه مجرَّد حركات تثير القلاقل والاضطرابات داخل الأمة الإسلامية، ولكن بدون الوصول إلى حكمٍ يسيطرون فيه على مجريات الأمور، ولكنْ مع نهاية القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع الهجري تغيَّرت الأحداث بصورة كبيرة أدَّتْ إلى تداعيات خطيرة..
- كان أسرع هذه الفرق وصولاً إلى الحكم هي فرقة القرامطة؛ لأنها كانت أشرسهم وأكثرهم عنفًا، وقد وصل أحد دعاتها، وهو رستم بن الحسين إلى اليمن وأسَّس دولة للقرامطة هناك، وبدأت تراسل الناس في الأماكن المختلفة، وتدعو إلى عقيدتها، حتى وصلت في مراسلاتها إلى المغرب! لكن هذه الدولة ما لبثت أن زالت، ولكن ظهر نمو آخر للقرامطة، في أرض الجزيرة العربية وخاصة في البحرين (والبحرين هي ليست مملكة البحرين اليوم، ولكنها شرق الجزيرة العربية)، وقامت دولة للقرامطة في هذا المكان هددت أمن المسلمين بشكل رهيب، وقامت بقتل الحجيج، ولعلَّ من أبشع جرائمهم الهجوم على المسجد الحرام في يوم التروية من عام 317هـ وقتل كل الحجاج في الحرم، وسرقة الحجر الأسود من الكعبة بعد تهشيمه! وقد أرسلوا بالحجر الأسود إلى عاصمتهم في هَجَر بشرق الجزيرة، وظل فيها مدة اثنين وعشرين عامًا كاملة، حيث أعيد إلى الكعبة في عام 339هـ!
- أما الإسماعيلية فقد وجدوا أرض المغرب مناسبة لهم، فقد انتشرت فيها أفكار رستم بن الحسين الذي كان يحكم اليمن من القرامطة، وذلك عن طريق رجل اسمه أبو عبد الله الشيعي. ونحن نعلم أن كلتا الفرقتين الإسماعيلية والقرامطة يدَّعون إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق؛ ولذلك وجد أحد أحفاد ميمون القداح، واسمه عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدَّاح، الفرصةَ سانحة لقيام دولة في المغرب، فاتجه إليها وأعلن هناك مع عددٍ من أتباعه قيام دولة الإسماعيلية، وتلقَّب بالمهديّ، وزعم أنه إمام هذه الدعوة الإسماعيلية، وزعم أيضًا أنه من أحفاد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأن الأئمة الذين سبقوه من آبائه وأجداده إلى إسماعيل بن جعفر الصادق كانوا مستورين، وأراد أن يجذب إليه قلوب العامَّة فسمَّى دولته بالدولة "الفاطميَّة"، منتسبًا بذلك زورًا إلى السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه يهوديّ الأصل.
- وانتشرت دعوته بشكل سريع مستغلاً جهل الناس وعاطفتهم، وبدأت في التوسُّع حتى سيطرت على كل الشمال الإفريقي، ونشر البدع والمنكرات وسبّ الصحابة، والقول بحلول الأرواح والتناسخ وغير ذلك، ووصلت هذه الدولة في توسُّعِها إلى اجتياح مصر واحتلالها عام 359هـ على يد أحد قوَّادهم وهو جوهر الصقلي الإسماعيلي في زمن المعز لدين الله العبيديّ - والصواب أن يُقال هكذا "العبيدي" نسبةً إلى عبيد الله المهدي، ولا يقال الفاطمي -..
- ودخل المعز لدين الله العبيدي مصر، وأسس القاهرة، وكذلك المسجد الأزهر بُغية نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي فيها، وقَتَل علماء السُّنَّة، وأظهر سبَّ الصحابة، وسار على ذلك الأئمة الإسماعيلية من بعده، ووصل بعضهم إلى الجنون، وادّعاء الألوهية، ومن أشهرهم الحاكم بأمر الله. وكانوا يُكثرِون من بناء المساجد لنشر مذهبهم، وظلوا يحتلون مصر، وكذلك الشام والحجاز مُدَّة قرنين من الزمان، إلى أن أزال صلاح الدين الأيوبي شرَّها في سنة 567هـ، وحرَّر مصر من الاحتلال الإسماعيلي.
- أما الفرقة الثالثة وهي الاثنا عشرية فقد كانت على بِدعها الكثيرة أقل ضراوةً من هاتين الفرقتين، وهم يؤمنون بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالبعث والنشور، ولكن أصابوا الدين ببدع هائلة، ومنكرات فاضحة، وقد وصل دُعاتهم إلى بعض العائلات الكبرى في منطقة فارس والعراق، وكان من جرَّاء ذلك أن وصلوا للحكم في عِدَّة مناطق..
- فقد وصلوا إلى عائلة بني سامان، وهي من أصول فارسية، وأدى هذا إلى تشيُّعِها، وكانت تحكم أجزاء كبيرة من فارس (إيران حاليًا)، وامتدت دولتها من سنة 261هـ إلى سنة 389هـ، ولكن لم يظهر فيها التشيع إلا في بدايات القرن الرابع الهجري تقريبًا.
- ووصلوا أيضًا إلى عائلة بني حمدان، وهي من أصول عربية من قبيلة بني تغلب، وكانوا يحكمون الموصل بالعراق من سنة 317هـ إلى سنة 369هـ، وامتد سلطانهم إلى حلب من سنة 333هـ إلى سنة 392هـ.
- أما أخطر ما وصلوا إليه فكان إلى عائلة بني بويه، وهي من أصول فارسية، وقد أسَّسوا دولة في منطقة فارس، ثم وصل الأمر إلى احتلال الخلافة العباسية سنة 334هـ، مع إبقاء الخليفة العباسي في مركزه درءًا لفتنة انقلاب المسلمين السُّنَّة عليهم، وظلوا يحتلون الخلافة العباسية أكثر من مائة سنة متصلة! (من سنة 334هـ إلى سنة 447هـ) إلى أن ظهر السلاجقة السُّنَّة، فأنقذوا العراق من هذه السيطرة الشيعية، وفي كل هذه السنوات أظهر هؤلاء الشيعة الحقد الشديد لعلماء السُّنة ولخليفتهم، وكتبوا سبَّ الصحابة على أبواب المساجد، وكانوا يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صراحةً في خطبهم، وكانت فترة كئيبة جدًّا في تاريخنا الإسلامي.
- وهكذا فإننا نرى أن القرن الرابع الهجري كان قرنًا شيعيًّا خالصًا؛ فقد سيطر الشيعة البويهيون على أجزاء من إيران وعلى العراق بكاملها، وسيطر السامانيون على شرق إيران وأجزاء من أفغانستان وشرق العالم الإسلامي، وسيطر الحمدانيون على أجزاء من الموصل وحلب، كما سيطر القرامطة على شرق الجزيرة العربية، ووصلوا أحيانًا إلى الحجاز، بل إلى دمشق، وكذلك اليمن، أما الدولة العبيدية (المسماة بالفاطمية) فقد توحَّشَتْ واحتلت كل الدول الإسلامية في إفريقيا، بل أضافت إلى ذلك فلسطين وسوريا ولبنان!
- وفي نهاية القرن الرابع الهجري زالت دولة القرامطة، وفي منتصف القرن الخامس الهجري زالت دولة بني بويه (447هـ)، أما الإسماعيلية العبيديون فقد استمروا إلى منتصف القرن السادس الهجري (567هـ)، وبذلك عاد العالم الإسلامي سُنِّيًّا في الحكم في كل مناطقه، وإن ظلت الدعوة الاثنا عشرية موجودة في مناطق فارس وأجزاء من العراق، ولكن دون حُكم.
- بقي الوضع على هذه الحالة إلى سنة 907هـ (أوائل القرن العاشر الهجري) حتى قام إسماعيل الصفويّ بتأسيس الدولة الصفوية الشيعية الاثني عشرية في إيران (نسبةً إلى جَدِّهم الأكبر صفي الدين الأردبيلي، وهو من أصل فارسي، وتوفي 729هـ)، وقد توسعت هذه الدولة واتخذت تبريز عاصمةً لها، ودخلت في صراع شرس مع الدولة العثمانية السُّنِّية المجاورة، وتحالف الصفويون مع البرتغاليين لضرب العثمانيين، واحتلوا أجزاء من العراق التابعة للعثمانيين، وبدءوا في نشر المذهب الشيعي هناك، لولا أن السلطان سليم الأول التقى معهم في موقعة فاصلة شهيرة في التاريخ هي موقعة جالديران سنة 920هـ، وحقق نصرًا كبيرًا عليهم، وطردهم من العراق.
- ومرَّتِ الأيام والصراع دائر بين الصفويين والعثمانيين، ومحوره في معظم الأوقات أرض العراق، واستمر هذا الوضع أكثر من قرنين من الزمان، حيث حكمت الدولة الصفوية إيران من سنة 907هـ إلى سنة 1148هـ حيث سقطت (هذا السقوط للصفويين كان في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي سنة 1735م)، ومِن ثَم قُسِّمت إيران إلى عدة مناطق تقاتل عليها العثمانيون والروس والأفغان وقادة جيش عباس الثالث آخر السلاطين الصفويين.
- ودخلت الدولة العثمانية في طور ضعفها، وتكالب عليها الأوربيون والروس، وكان من جرَّاء ذلك أن ضعفت قبضتها على مناطق غرب إيران، وتناوب على حكم هذه المنطقة الإيرانية حكام كُثُر كانوا يدينون دائمًا بالولاء للقادة الغربيين؛ فمرة للإنجليز (القريبين في الهند وباكستان)، ومرة للفرنسيين، ومرة للروس.
- وصل إلى حكم إيران في سنة 1193هـ/ 1779م أغا محمد قاجار، وهو من أصل فارسي، ومذهبه شيعي، وإن كان يميل إلى العلمانية؛ حيث لا يدعو إلى المذهب الاثني عشري ولا يحكم به، وتناوب هو وأولاده حُكم إيران، مع توسُّع أحيانًا، وتقلُّص أحيانًا أخرى وكانوا يتلقَّبون بالشاه، حتى سقطت هذه الأسرة عندما أعلن رضا بهلوي تمردًا عليها في سنة 1343هـ/ 1925م، وأعلن نفسه شاهًا لإيران، وذلك بمساعدة الإنجليز، ولكن الإنجليز نقموا عليه في سنة 1941م لاختلافات بينهم، فخلعوه وأتوا بابنه محمد رضا بهلوي، الذي ظل يحكم إيران علمانيًّا حتى سنة 1399هـ/ 1979م عندما قامت الثورة الخومينية الشيعية الاثنا عشرية؛ لتعيد الحكم الشيعي من جديد في منطقة فارس (إيران).
- كانت هذه هي قصة الحكم الشيعي للعالم الإسلامي منذ ظهور فرق الشيعة، وحتى زماننا الآن، وقد بدا لنا فيها بوضوح أن الحركات الشيعية كلها ما ظهرت إلا كنوعٍ من الانقلاب والصدام على الحكم السُّنِّي، متخذين في ذلك الصورة الدينية التي تُوهِم بحب آل البيت أو الانتساب لهم، وقد شاهدنا أنه في كل هذه المراحل لم يحدث صراع أبدًا بين أيٍّ من هذه الفرق وبين أعداء الأمة الإسلامية من صليبيين روس أو إنجليز أو فرنسيين أو برتغاليين، وكذلك لم يحدث لهم صراع مع التتار أو مع غيرهم، بل رأينا التعاون المتكرِّر معهم في كل المراحل.
- ومع ذلك فنحن لا نأخذ المعاصرين بجرائم الأجداد والأسلاف، ولكننا نناقش العقيدة والفكر والمنهج، والذي يتفق تمامًا مع عقيدة وفكر ومنهج الأجداد، وهذا هو بيت القصيد، وأصل المشكلة؛ فطالما يعتقد الجميع بوجوب الإمامة في نسل معيَّن، وطالما يعتقدون بعصمة الأئمة، وطالما يتطاولون على أبي بكرٍ وعمر وعثمان وسائر الصحابة وأمهات المؤمنين.. طالما يحدث كل ذلك فإننا لا ينبغي أن نفترض حُسن النوايا، وإنما نقول: لقد سار الأبناء على نفس خطوات الأجداد.
وأسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
د. راغب السرجاني
- ولهذا فإن التنازل عن هذا التاريخ يُعَدّ جريمة في حق الأجيال المعاصرة؛ فنحن نَحرِم أنفسنا من النور إذا أعرضنا عن دراسة جذور القضية، كما أننا - قبل ذلك - أُمرنا أن ندرس قِصص الأوَّلين لكي نُسقِط دروسها على واقعنا، فقد قال تعالى: { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } الأعراف: 176. ولذا فلا ينبغي أن يقف الأمر عند مجرَّد حكاية القصة، ولكن لا بُدَّ أن نتفكر فيها، ثم نخرج بوسائل عملية تساعدنا على فَهْم واقعنا، وتنير لنا مستقبلنا.
* وبدايةً، فإني أحب أن أبدأ هذا المقال بتنبيهيْن مهمَّيْن:
- أما الأول فإنه لكي تفهم هذا المقال وتستفيد منه فإنه لا بُدَّ من قراءة مقالي السابق "أصول الشيعة"؛ لأن به جذور النشأة، وبه بعض الإشارات إلى عقائد الشيعة، تعين على فهم مجريات الأحداث.
- وأما الثاني فهو أنني حتى هذه اللحظة أسرد الأحداث سردًا، وأنقل الصحيح من الروايات، ولم أقف وقفة أخيرة لتوضيح موقفنا من الشيعة، وطبيعة العَلاقة التي ينبغي أن تكون. وهذا الموضوع المهم سأفرد له مقالي القادم بإذن الله، ولعلَّه من المفيد جدًّا لي أن أتلقَّى انطباعاتكم عمَّا ينبغي أن تكون عليه صورة التعامل بيننا، خاصةً إذا وضعنا الخلفية التاريخية والدينية التي فصَّلنا فيها.
وعودة إلى قصة الشيعة..
- لقد دخل الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري (الذي جعلوه الإمام الحادي عشر لهم) في فترة حَيْرة كبيرة عُرفت في التاريخ بفترة "حيرة الشيعة"، وفيها انقسموا على أنفسهم إلى فرقٍ كثيرة، وأخذت كل فرقة تصوغ دينها بما تريد، ولتحقيق مكاسب سياسية أفضل.. وكانت أشهر هذه الفرق فرقة الاثني عشرية، والتي تحدثنا عنها في المقال السابق"أصول الشيعة".
- لكنْ هذه الفرقة لم تكن الوحيدة على الساحة، بل نشأ إلى جوارها فرقة أخرى أشد خطورة، وكان لنشأتها آثار في غاية السوء على الأمة الإسلامية، وهذه الفرقة هي فرقة الإسماعيلية! وفرقة الإسماعيلية هذه من الفرق الشديدة الضلال، وقد أخرجها غالب علماء المسلمين من الإسلام أصلاً، وبدأت هذه الفرقة بتخطيط رهيب من أحد اليهود الذين أرادوا أن يكيدوا للأُمَّة الإسلامية، وهو ميمون القَدَّاح، وقد تظاهر هذا الرجل بالإسلام، وتقرَّب من محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، بل تصاحب عليه.
- ومحمد بن إسماعيل من آل البيت، فهو حفيد جعفر الصادق (الإمام السادس عند الاثني عشرية)، وأبوه إسماعيل هو أخو موسى الكاظم الإمام السابع عند الاثني عشرية. ولقد قام ميمون القدَّاح بشيء عجيب يعبِّر عن مدى حقده الشديد للأمة الإسلامية، والذي أوصله إلى التخطيط لهدمها حتى ولو بعد موته بعِدَّة عقود!
- لقد سمَّى ميمون القداح ابنه باسم ابن محمد (عبد الله)، وأوصاه أن يسمِّي أولاده وأحفاده بنفس أسماء أولاد وأحفاد محمد بن إسماعيل، ثم في مرحلة من مراحل التاريخ سيدَّعِي هؤلاء اليهود النسب إلى آل البيت على أنهم أحفاد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق! وليس هذا فقط، بل إنهم سيدَّعُون أن الإمامة الكبرى التي ينبغي أن تقود الأمة الإسلامية بكاملها لا بُدَّ أن تكون من نسب إسماعيل بن جعفر الصادق، وليس من نسب موسى الكاظم بن جعفر الصادق كما يدَّعِي الاثنا عشرية.
- وكان لميمون اليهودي ما أراد، ونشأت فرقة الإسماعيلية، وبدأ أحفاد ميمون القداح يصوغون فيها من العقائد والأفكار ما يتعارض جملةً وتفصيلاً مع الإسلام، ومن أشنعها أنهم يقولون بحلول الإله (تعالى شأنه) في الإمام الذي يحكمهم؛ ولذلك فهم يقولون بألوهية الإمام. كما يؤمنون بالتناسخ، أي أن الأرواح التي ماتت، وخاصةً أرواح الأئمة تعود للحياة من جديد في أجساد غيرهم من الأحياء، ويعتقدون أن أئمتهم جميعًا سيرجعون إلى الدنيا بعد موتهم.
- ثم إنهم في غاية الإباحية والمجون، ويعلنون قذف الصحابة، بل يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيًّا مع أنهم يدَّعون النسب إليه، وكان من همِّهم الأكبر اغتيال قادة السُّنَّة في العالم الإسلامي، وسيصبح لهم شأن كبير جدًّا سنتحدث عنه بعد قليل.
- نشطت الدعوة الإسماعيلية بأفكارها الهدَّامة، وانتشرت بين أوساط الجهَّال، واستغلت حب الناس لآل البيت، وأقنعوا طائفة منهم بأنهم أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وارتبط بهذه الدعوة الكثير من الفارسيين الذين يُظهِرون الإسلام ويُبطِنون المجوسيَّة، وكان منهم حسين الأهوازي، وهو من أشهر دعاة الإسماعيلية، ومن مؤسِّسيها الكبار، وكان يعمل في منطقة البصرة، وهناك تعرَّف على شخصية شريرة جدًّا في التاريخ الإسلامي وهو حمدان بن الأشعث، وقد اختُلف في أصل هذا الأخير، فقيل مجوسيّ فارسي، وقيل من يهود البحرين، وقد تلقَّب حمدان بن الأشعث بلقب "قرمط"، وكوَّن مع مرور الوقت فرقة خاصة به نُسبت إليه، وهي فرقة القرامطة، وهي فرع من الإسماعيلية، وإن كانت أشد خطرًا.
- وهذه الفرقة تقول بشيوع المال وشيوع النساء، ويحلّون كل المنكرات من قتل وزنا وسرقة، ويقومون على النهب والسلب وقطع الطريق، وقد انضمَّ إليها بالتبعية كل اللصوص والخارجين على النظام، وصارت بذلك إحدى الفرق الخطيرة جدًّا في تاريخ الأمة الإسلامية.
- لقد حدثت كل هذه التطورات - وغيرها مما لا يتسع المقال لشرحه - في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وظهرت بذلك ثلاث فرق كبيرة، كلٌّ منها يدَّعِي أن الحق معه، وهم يختلفون بعضهم عن بعض في العقائد والمبادئ والأحكام وكل شيء. وهذه الفرق الثلاث هي الشيعة الاثنا عشرية، والشيعة الإسماعيلية، والشيعة القرامطة، وكانت الصراعات تدور بينهم وبين السُّنَّة، كما كانت تدور بين بعضهم مع بعض لعدم قناعة أيِّ طرف بما عليه الطرف الآخر، فقد نشأت كل هذه الفرق تبعًا للأهواء، وابتداعًا في الدين.
- وإلى هذه المرحلة في التاريخ كانت هذه مجرَّد حركات تثير القلاقل والاضطرابات داخل الأمة الإسلامية، ولكن بدون الوصول إلى حكمٍ يسيطرون فيه على مجريات الأمور، ولكنْ مع نهاية القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع الهجري تغيَّرت الأحداث بصورة كبيرة أدَّتْ إلى تداعيات خطيرة..
آثار تكسير القرامطة للحجر الأسود
- كان أسرع هذه الفرق وصولاً إلى الحكم هي فرقة القرامطة؛ لأنها كانت أشرسهم وأكثرهم عنفًا، وقد وصل أحد دعاتها، وهو رستم بن الحسين إلى اليمن وأسَّس دولة للقرامطة هناك، وبدأت تراسل الناس في الأماكن المختلفة، وتدعو إلى عقيدتها، حتى وصلت في مراسلاتها إلى المغرب! لكن هذه الدولة ما لبثت أن زالت، ولكن ظهر نمو آخر للقرامطة، في أرض الجزيرة العربية وخاصة في البحرين (والبحرين هي ليست مملكة البحرين اليوم، ولكنها شرق الجزيرة العربية)، وقامت دولة للقرامطة في هذا المكان هددت أمن المسلمين بشكل رهيب، وقامت بقتل الحجيج، ولعلَّ من أبشع جرائمهم الهجوم على المسجد الحرام في يوم التروية من عام 317هـ وقتل كل الحجاج في الحرم، وسرقة الحجر الأسود من الكعبة بعد تهشيمه! وقد أرسلوا بالحجر الأسود إلى عاصمتهم في هَجَر بشرق الجزيرة، وظل فيها مدة اثنين وعشرين عامًا كاملة، حيث أعيد إلى الكعبة في عام 339هـ!
بعض بدع ومنكرات الشيعة
- أما الإسماعيلية فقد وجدوا أرض المغرب مناسبة لهم، فقد انتشرت فيها أفكار رستم بن الحسين الذي كان يحكم اليمن من القرامطة، وذلك عن طريق رجل اسمه أبو عبد الله الشيعي. ونحن نعلم أن كلتا الفرقتين الإسماعيلية والقرامطة يدَّعون إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق؛ ولذلك وجد أحد أحفاد ميمون القداح، واسمه عبيد الله بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدَّاح، الفرصةَ سانحة لقيام دولة في المغرب، فاتجه إليها وأعلن هناك مع عددٍ من أتباعه قيام دولة الإسماعيلية، وتلقَّب بالمهديّ، وزعم أنه إمام هذه الدعوة الإسماعيلية، وزعم أيضًا أنه من أحفاد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأن الأئمة الذين سبقوه من آبائه وأجداده إلى إسماعيل بن جعفر الصادق كانوا مستورين، وأراد أن يجذب إليه قلوب العامَّة فسمَّى دولته بالدولة "الفاطميَّة"، منتسبًا بذلك زورًا إلى السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أنه يهوديّ الأصل.
- وانتشرت دعوته بشكل سريع مستغلاً جهل الناس وعاطفتهم، وبدأت في التوسُّع حتى سيطرت على كل الشمال الإفريقي، ونشر البدع والمنكرات وسبّ الصحابة، والقول بحلول الأرواح والتناسخ وغير ذلك، ووصلت هذه الدولة في توسُّعِها إلى اجتياح مصر واحتلالها عام 359هـ على يد أحد قوَّادهم وهو جوهر الصقلي الإسماعيلي في زمن المعز لدين الله العبيديّ - والصواب أن يُقال هكذا "العبيدي" نسبةً إلى عبيد الله المهدي، ولا يقال الفاطمي -..
- ودخل المعز لدين الله العبيدي مصر، وأسس القاهرة، وكذلك المسجد الأزهر بُغية نشر المذهب الشيعي الإسماعيلي فيها، وقَتَل علماء السُّنَّة، وأظهر سبَّ الصحابة، وسار على ذلك الأئمة الإسماعيلية من بعده، ووصل بعضهم إلى الجنون، وادّعاء الألوهية، ومن أشهرهم الحاكم بأمر الله. وكانوا يُكثرِون من بناء المساجد لنشر مذهبهم، وظلوا يحتلون مصر، وكذلك الشام والحجاز مُدَّة قرنين من الزمان، إلى أن أزال صلاح الدين الأيوبي شرَّها في سنة 567هـ، وحرَّر مصر من الاحتلال الإسماعيلي.
الجامع الأزهر الشريف
- أما الفرقة الثالثة وهي الاثنا عشرية فقد كانت على بِدعها الكثيرة أقل ضراوةً من هاتين الفرقتين، وهم يؤمنون بالله عز وجل وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبالبعث والنشور، ولكن أصابوا الدين ببدع هائلة، ومنكرات فاضحة، وقد وصل دُعاتهم إلى بعض العائلات الكبرى في منطقة فارس والعراق، وكان من جرَّاء ذلك أن وصلوا للحكم في عِدَّة مناطق..
- فقد وصلوا إلى عائلة بني سامان، وهي من أصول فارسية، وأدى هذا إلى تشيُّعِها، وكانت تحكم أجزاء كبيرة من فارس (إيران حاليًا)، وامتدت دولتها من سنة 261هـ إلى سنة 389هـ، ولكن لم يظهر فيها التشيع إلا في بدايات القرن الرابع الهجري تقريبًا.
- ووصلوا أيضًا إلى عائلة بني حمدان، وهي من أصول عربية من قبيلة بني تغلب، وكانوا يحكمون الموصل بالعراق من سنة 317هـ إلى سنة 369هـ، وامتد سلطانهم إلى حلب من سنة 333هـ إلى سنة 392هـ.
- أما أخطر ما وصلوا إليه فكان إلى عائلة بني بويه، وهي من أصول فارسية، وقد أسَّسوا دولة في منطقة فارس، ثم وصل الأمر إلى احتلال الخلافة العباسية سنة 334هـ، مع إبقاء الخليفة العباسي في مركزه درءًا لفتنة انقلاب المسلمين السُّنَّة عليهم، وظلوا يحتلون الخلافة العباسية أكثر من مائة سنة متصلة! (من سنة 334هـ إلى سنة 447هـ) إلى أن ظهر السلاجقة السُّنَّة، فأنقذوا العراق من هذه السيطرة الشيعية، وفي كل هذه السنوات أظهر هؤلاء الشيعة الحقد الشديد لعلماء السُّنة ولخليفتهم، وكتبوا سبَّ الصحابة على أبواب المساجد، وكانوا يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صراحةً في خطبهم، وكانت فترة كئيبة جدًّا في تاريخنا الإسلامي.
الدولة البويهية الشيعية
- وهكذا فإننا نرى أن القرن الرابع الهجري كان قرنًا شيعيًّا خالصًا؛ فقد سيطر الشيعة البويهيون على أجزاء من إيران وعلى العراق بكاملها، وسيطر السامانيون على شرق إيران وأجزاء من أفغانستان وشرق العالم الإسلامي، وسيطر الحمدانيون على أجزاء من الموصل وحلب، كما سيطر القرامطة على شرق الجزيرة العربية، ووصلوا أحيانًا إلى الحجاز، بل إلى دمشق، وكذلك اليمن، أما الدولة العبيدية (المسماة بالفاطمية) فقد توحَّشَتْ واحتلت كل الدول الإسلامية في إفريقيا، بل أضافت إلى ذلك فلسطين وسوريا ولبنان!
- وفي نهاية القرن الرابع الهجري زالت دولة القرامطة، وفي منتصف القرن الخامس الهجري زالت دولة بني بويه (447هـ)، أما الإسماعيلية العبيديون فقد استمروا إلى منتصف القرن السادس الهجري (567هـ)، وبذلك عاد العالم الإسلامي سُنِّيًّا في الحكم في كل مناطقه، وإن ظلت الدعوة الاثنا عشرية موجودة في مناطق فارس وأجزاء من العراق، ولكن دون حُكم.
الدولة العبيدية الشيعية
- بقي الوضع على هذه الحالة إلى سنة 907هـ (أوائل القرن العاشر الهجري) حتى قام إسماعيل الصفويّ بتأسيس الدولة الصفوية الشيعية الاثني عشرية في إيران (نسبةً إلى جَدِّهم الأكبر صفي الدين الأردبيلي، وهو من أصل فارسي، وتوفي 729هـ)، وقد توسعت هذه الدولة واتخذت تبريز عاصمةً لها، ودخلت في صراع شرس مع الدولة العثمانية السُّنِّية المجاورة، وتحالف الصفويون مع البرتغاليين لضرب العثمانيين، واحتلوا أجزاء من العراق التابعة للعثمانيين، وبدءوا في نشر المذهب الشيعي هناك، لولا أن السلطان سليم الأول التقى معهم في موقعة فاصلة شهيرة في التاريخ هي موقعة جالديران سنة 920هـ، وحقق نصرًا كبيرًا عليهم، وطردهم من العراق.
- ومرَّتِ الأيام والصراع دائر بين الصفويين والعثمانيين، ومحوره في معظم الأوقات أرض العراق، واستمر هذا الوضع أكثر من قرنين من الزمان، حيث حكمت الدولة الصفوية إيران من سنة 907هـ إلى سنة 1148هـ حيث سقطت (هذا السقوط للصفويين كان في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي سنة 1735م)، ومِن ثَم قُسِّمت إيران إلى عدة مناطق تقاتل عليها العثمانيون والروس والأفغان وقادة جيش عباس الثالث آخر السلاطين الصفويين.
- ودخلت الدولة العثمانية في طور ضعفها، وتكالب عليها الأوربيون والروس، وكان من جرَّاء ذلك أن ضعفت قبضتها على مناطق غرب إيران، وتناوب على حكم هذه المنطقة الإيرانية حكام كُثُر كانوا يدينون دائمًا بالولاء للقادة الغربيين؛ فمرة للإنجليز (القريبين في الهند وباكستان)، ومرة للفرنسيين، ومرة للروس.
- وصل إلى حكم إيران في سنة 1193هـ/ 1779م أغا محمد قاجار، وهو من أصل فارسي، ومذهبه شيعي، وإن كان يميل إلى العلمانية؛ حيث لا يدعو إلى المذهب الاثني عشري ولا يحكم به، وتناوب هو وأولاده حُكم إيران، مع توسُّع أحيانًا، وتقلُّص أحيانًا أخرى وكانوا يتلقَّبون بالشاه، حتى سقطت هذه الأسرة عندما أعلن رضا بهلوي تمردًا عليها في سنة 1343هـ/ 1925م، وأعلن نفسه شاهًا لإيران، وذلك بمساعدة الإنجليز، ولكن الإنجليز نقموا عليه في سنة 1941م لاختلافات بينهم، فخلعوه وأتوا بابنه محمد رضا بهلوي، الذي ظل يحكم إيران علمانيًّا حتى سنة 1399هـ/ 1979م عندما قامت الثورة الخومينية الشيعية الاثنا عشرية؛ لتعيد الحكم الشيعي من جديد في منطقة فارس (إيران).
شاه إيران محمد رضا بهلوي
- كانت هذه هي قصة الحكم الشيعي للعالم الإسلامي منذ ظهور فرق الشيعة، وحتى زماننا الآن، وقد بدا لنا فيها بوضوح أن الحركات الشيعية كلها ما ظهرت إلا كنوعٍ من الانقلاب والصدام على الحكم السُّنِّي، متخذين في ذلك الصورة الدينية التي تُوهِم بحب آل البيت أو الانتساب لهم، وقد شاهدنا أنه في كل هذه المراحل لم يحدث صراع أبدًا بين أيٍّ من هذه الفرق وبين أعداء الأمة الإسلامية من صليبيين روس أو إنجليز أو فرنسيين أو برتغاليين، وكذلك لم يحدث لهم صراع مع التتار أو مع غيرهم، بل رأينا التعاون المتكرِّر معهم في كل المراحل.
بعض البدع والمنكرات الشيعية
- ومع ذلك فنحن لا نأخذ المعاصرين بجرائم الأجداد والأسلاف، ولكننا نناقش العقيدة والفكر والمنهج، والذي يتفق تمامًا مع عقيدة وفكر ومنهج الأجداد، وهذا هو بيت القصيد، وأصل المشكلة؛ فطالما يعتقد الجميع بوجوب الإمامة في نسل معيَّن، وطالما يعتقدون بعصمة الأئمة، وطالما يتطاولون على أبي بكرٍ وعمر وعثمان وسائر الصحابة وأمهات المؤمنين.. طالما يحدث كل ذلك فإننا لا ينبغي أن نفترض حُسن النوايا، وإنما نقول: لقد سار الأبناء على نفس خطوات الأجداد.
وأسأل الله أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.
د. راغب السرجاني
الأحد، 25 ديسمبر 2011
مولد السيد المسيح عليه السلام-- السلامُ عليك ..يوم ولدت ويوم (تموت ) ويوم تبعث حيّا ..!

النبي عيسى بن مريم عليه السلام في القرآن الكريم :
نبي الله المسيح عيسى بن مريم هو من أولي العزم وولد لمريم بنت عمران وكان خلقه كمثل خلق آدم بدون أب بل نفخه جبريل من روح الله وذكر في القرأن أن الحمل به وولادته كانتا معجزتينوأنه تحدث لحظة ولادته يدافع عن حمله الاعجازي وعن والدته التقية. كما كان المسيح يصنع المعجزات بإذن ربه حاربوه قومه اليهود وهو يدعوا لعبادة الله الا قلة ناصروه فسميوا بالحواريين أما هم، فسموا أنفسهم بالمسلمين.
البقية هنا
http://al-rassed.blogspot.com/2011/12/blog-post_1330.html
السبت، 10 ديسمبر 2011
"عاشوراء" لبنان: إستعراض "فائض القوة" ومبالغات يخشى كبار العلماء من تحريمها!


يواظب أتباع المذهب الشيعي في لبنان عاما بعد عام على إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي حفيد الرسول من "وحيدته" فاطمة وثالث أئمتهم الإثني عشر، الذي ثار على ظلم الدولة الأموية الحاكمة قبل 1430 سنة، وخرج لطلب الإصلاح في أمة جده رسول الله. وتختلف أساليب ومظاهر إحياء الذكرى من منطقة شيعية إلى أخرى تبعا لمرجعيتها الدينية وولائها السياسي، لكن ذلك لا يعني عدم توافقها في المضامين والأهداف، حيث تتماهى مجالس البكاء والعزاء والمسيرات السوداء والشعارات المذهبية في الضاحية الجنوبية وبعلبك وصور ومرجعيون مع مشاهد الدم المسفوح في النبطية بغية تغذية العصب المذهبي وتوظيفه بعد شحنه لاحقا، في حروب المرجعيات السياسية و الدينية.
يجري احتفال الشيعة بذكرى ثورة الحسين في كربلاء بالإعتماد على المظاهر الإحتفالية ومجالس العزاء، وتتنوع في كلاهما الأساليب، وتختلف المضامين، وتبقى المغالاة التي تتفاقم عاما بعد عام هي العامل المشترك بينهما.
المظاهر الإحتفالية:اللطم، الجلد بالسلاسل، التطبير، تمثيل الواقعة...
غلبت صيغة المبالغة على أساليب ومظاهر الإحتفال بعاشوراء، منذ خرجت إلى العلن رسميا وتطورت بالشكل الذي نراه الآن، في أوائل أيام العهد الصفوي في إيران. وكان أتباع أهل البيت يحيون عاشوراء قبل هذا التاريخ بشيء من السرية أو الحذر ويقتصر ذلك على إقامة مجالس العزاء في بيوت الأئمة وأحفاد الرسول. كما يؤكد بعض المؤرخين أن بغداد شهدت في العصر البويهي منتصف القرن الرابع الهجري مظاهر عاشورائية، لكنها لم تتسم بطابع المبالغة الذي ساد في العصر الصفوي.
يقول بعض الباحثين في أساليب إحياء مراسيم عاشوراء إنها انطلقت بمعظمها من مبادرات شعبية، كما يعتقد آخرون أن هذه الأساليب انتقلت إلى عاشوراء تأثرا بثقافات بعض الشعوب والأقوام التي سكنت الشرق قبل الإسلام، في حين يؤكد مؤرخون أن ضرب الظهور بسلاسل الحديد، والتطبير، وهو شق الرؤوس بالآلات الحادة لإسالة الدماء، ومسرحة معركة كربلاء، هي مجموعة تقاليد وعادات ظهرت أول ما ظهرت خلال العهد الصفوي في إيران في القرنين السادس والسابع عشر الميلاديين، وعملت على نشر المذهب الشيعي الذي تعتنقه الدولة الصفوية ذات القومية الفارسية، لتهيمن من خلالها على القوميات والمذاهب الأخرى أي الأقليات. وبذلك يكون الصفويون هم أول من استخدم ذكرى عاشوراء كغطاء أيديولوجي من أجل هدف سياسي سلطوي.
ويتابع المؤرخون أن هذه المظاهر استمرت في إيران ما بعد الصفويين، أيام القاجاريين والبهلويين، ولم تنتشر في بلادنا العربية إلا في القرن التاسع عشر الميلادي أي بعد رحيل المستعمر العثماني. فوصلت إلى العراق والشام ولبنان والدول الإسلامية التي تضم مسلمين شيعة، مثل الهند وباكستان وأفغانستان وغيرها...
بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران اختفت الممارسات الدموية، التي ترافق إحياء الذكرى من الشارع الإيراني خاصة التطبير. وكان لفتاوى المراجع الدينية، وعلى رأسهم الإمام الخميني ومن ثم السيد الخامنئي، أثرها الفاعل في إلغاء هذه العادات، رغم أن الفتاوى لم تكن حاسمة في التحريم الكلي، و اقتصرت حرمتها لناحية "توهين المذهب". وربما تعود مسألة إلغاء هذه العادات في إيران الإسلامية، التي أنتجتها بالأساس، إلى الخشية أن تشكل التجمعات الشعبية في عاشوراء مناسبة لتكتل المعارضين لنظام الثورة، وما حدث في عاشوراء 2009 بعيد الإنتخابات الرئاسية المزورة خير دليل على ذلك.
ولا شك أن الأقليات الشيعية على امتداد العالمين الإسلامي والعربي تتخذ من ذكرى عاشوراء، مناسبة لإعلان ثورتها وانتفاضها على الأنظمة التي تعيش في ظلها، في السعودية والبحرين والعراق على سبيل المثال. أما في لبنان فالمسألة مختلفة تماما، حيث ينتهز شيعته مناسبة عاشورا لإستعراض "فائض القوة" التي يتمتعون بها أمام الطوائف الأخرى، سواء بالمسيرات والشعارات أو بقراءة مجالس العزاء الحسينية، كما تستخدمها الأحزاب والمرجعيات الدينية على الساحة الشيعية مبرّرا لإعادة بث خطابها وتعبئة صفوفها.
مجالس العزاء الحسينية
لا يكاد يتفق إثنان من الشيعة حول مصادر السيرة الحسينية، بينما يتفق العاقلون حول مدى موضوعيتها ودقتها وصحة نقلها لواقعة كربلاء، و ما اكتسبته نصوص السيرة من إضافات ومغالطات، حرفت النص التاريخي الحقيقي، وطمست جوهره، وأصبحت مع الوقت نصوصا مقدسة لا يجرؤ حتى أكبر العلماء على الإعتراض عليها.
ويكتب للمرجع الديني السيّد محمد حسين فضل الله، فرادته في هذه المجال، من خلال الدعوة التي أطلقها إلى نقض كل أشكال التّحريف و المبالغة التي شابت سرد واقعة كربلاء، واستبدالها بنصوص علمية وتاريخية موثقة وموثوقة، ليتعرض بعد ذلك إلى ما تعرض له من هجمات تكفيرية، طالته معنويا وجسديا.
وبالعودة إلى الباحثين في شأن عاشوراء يرى معظمهم أن نصوص السيرة الحسينية هي نصوص بكائية، تعتمد على إثارة عواطف الحزن والبكاء، وقد نحت بالذكرى إلى منحى تفجّعي، وجرّدتها من معانيها الإنسانية والحضارية، التي قامت لأجلها، وهي الثورة على الظلم، وجعلتها مناسبة مذهبية ضيقة، تتمثل بثورة شيعة آل البيت ضد الحكم الأموي السني، عدا عامل الغيبيات والخرافات الذي طغى عليها مؤخرا وجعلها أقرب إلى الأسطورة منها إلى الواقعة التاريخية. ويأسف من يتابع السيرة الحسينية على منابر الحسينيات والمساجد أن ناقليها الحصريين هم قراء عزاء أميون، لا دخل لهم بالثقافة، يستغلون عواطف العامة ومشاعرهم، لجذب الأنظار والربح المادي، وتعويم وتعميم أيديولوجيات دينية وسياسية، الحسين منها براء.
إذا كانت الممارسات الدموية في ذكرى عاشوراء، تثير نوعا من الإشمئزاز لدى الطوائف غير الشيعية والديانات غير الإسلامية، ما يتسبب بتوهين المذهب، لذلك دعا بعض العلماء إلى إلغائها، فإن لمجالس العزاء بما تحويه من مبالغات ومظاهر التسويد بما تعكسه من بدع، ضررها الكبير أيضا، لأنها تثير أنواعا من النفور من الطائفة الشيعية لدى الطوائف الأخرى والديانات الأخرى، خاصة على صعيد لبنان.
بقلم علي حيدر
ملاحظة الموقع: اتباع المذهب الشيعي يعتقدون بان السيدة فاطمة رضوان الله عليها هي وحيدة رسول الله صلى الله عليه وعلى أله وصحبه وسلم
وينكرون وجود أخوات لها وذلك لاسباب معروفة منها لان كانتا متزوجتين من الخليفة الراشد عثمان بن عفان الذي لقب بذي النورين رضي الله عنهم أجمعين
الاثنين، 5 ديسمبر 2011
ذكرى عاشوراء بين الممارسة والأهداف

قلم رصاص: السيد علي الأمين من علماء الطائفة الشيعيه المعتدلين في لبنان وله دراسات ومقابلات
.كثيرة حول التقريب بين المذاهب الأسلاميه
:نص المقال
عاشوراء في تاريخنا الإسلامي محطّة أليمة فاقت في فصولها المأساوية ومضمونها الإجرامي كلّ التوقّعات حيث ظهرت فيها الجرأة البالغة على سفك الدماء التي حرّم الله سفكها بنصّ القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة مصدري العقيدة والشريعة للرّسالة الّتي آمن بها المسلمون وقد وصلت تلك الجرأة على المحارم إلى رموز دينيّة كبرى لها مكانتها وقدسيّتها في نفوس المؤمنين جميعاً الّذين آمنوا بالله ورسوله فأصابت الإمام الحسين ابن بنت رسول الله وأهل بيته وأصحابه والمسلمون يومئذٍ كان قد وصلهم سماعاً وروايةً قول رسول الله عليه الصلاة والسلام ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) .
ولذلك كانت فاجعة كربلاء فجيعة عظمى على كل المسلمين أصابتهم في الصّميم . وقد كان من أسباب إقامة هذه الذكرى سنويّاً الإظهار لمدى فظاعة هذه الجريمة والاستنكار لها والتّنديد بها حتّى لا تتكرّر المأساة في حياة المسلمين وحقناً لدمائهم لأن دماء الإمام الحسين إذا ذهبت بدون تنديد واستنكار متواصلين فلا تبقى من قيمة لحرمة سفك الدّماء بين المسلمين وانتهاك سائر الحرمات والمحرّمات الأخرى.
ولكنّ بعضهم حاولوا في تلك الحقبة المظلمة من التّاريخ ان يستغلّوا مقتل الإمام الحسين في مشاريعهم السياسيّة وطموحاتهم السّلطويّة وكانوا يجمعون النّاس تحت شعار ( يا لثارات الحسين) لأنّ قضيّة الإمام الحسين يتعاطف معها النّاس لمظلوميّته وموقعه الدّينيّ عند المسلمين.
وقد أدرك الإمام الصّادق مخاطر هذا الشّعار على إشعال نار الفتن والحروب في المجتمع الإسلامي فواجه هذه الحالة التي كانت تخفي وراءها الكثير من حبّ السلطة والنّفوذ وقال لهم إن الإمام الحسين ليس ثأراً لأشخاص ولا لقبيلة ولا لعشيرة إنّه ثار الله، فالشهيد عندما يقتل في سبيل الله فإن الله تعالى هو الّذي يتولّى أخذ ثأره من الظالمين من خلال أحكامه وقوانينه التي يسقط بها عروش الطّغاة والجبابرة، فالإمام الحسين ليس ثأراً لبني هاشم وليس ثأراً لطائفة ومذهب والذين ارتكبوا هذه الجريمة النكراء أصبحوا في محكمة الله فالإمام الحسين قد مضى شهيداً والشهيد ثار الله والله خير الحاكمين. ولذلك كان الإمام الصادق يخاطب الإمام الحسين عليه السلام عند زيارة ضريحه بقوله له : ( السّلام عليك يا ثار الله وابن ثاره).
وتستمرّ عاشوراء مدرسة نتعلم منها الدروس في الصبر والتضحية والفداء ورفض القهر و الظّلم ومثالاً لكلمة الحقّ في وجه الفساد في البلاد والاضطهاد للعباد وشاهداً صارخاً على تعسّف الحكّام الطّغاة الّذين يواجهون كلمة الإصلاح بالسّيوف وقطع الرّؤوس.
وتبقى الأسباب و الظّروف الّتي أحاطت بالإمام الحسين ودفعته للخروج مع الإطّلاع على النّتائج خاصّة بالإمام الحسين فهي كما يقال في علم الفقه "قضيّة في واقعة" وتكليف خاصٌّ بالإمام الحسين.
وهذا ما فهمه أئمة أهل البيت بعد استشهاد الإمام الحسين فلم تؤسس حركته عندهم لقاعدة عامّة في الخروج على الحاكم ولذلك لم تتكرّر أحداث كربلاء في حياة الأئمة مع أنّ أسباب الظلم والقهر لم تتغيّر في كثير من مراحل حياتهم إن لم تكن أشدّ ظلماً وفساداً.
ولم تكن كربلاء بفجائعها فعلاً من أفعال الإمام الحسين ولا صنيعة من صنائعه لنقتدي به في صنعها بأنفسنا ومجتمعاتنا وإنّما كانت صنيعة سوء من الحاكم الجائر.
وعلينا نحن أن ننظر إلى أهداف الإمام الحسين ونضعها نصب أعيننا فنسعى لتحقيق الإصلاح في أمّتنا ومجتمعنا كما سعى الإمام الحسين لتحقيق الإصلاح في أمّة جدّه بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وبذلك نقتدي بما روي عن الإمام علي (ع):
( انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتّبعوا أثرهم فإنّهم لم يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردىً. فإن نهضوا فانهضوا وإن لبدوا فالبدوا ولا تتقدّموهم فتضلّوا ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا).
وإنّ الكثير من الممارسات التي تجري في مناسبة عاشوراء أصبحت على مرور الزّمن من العادات و التّقاليد التي لا دليل عليها في أصل الشّرع ولم يقم بممارستها أئمة أهل البيت في حياتهم.ويروي أصحاب السيرة الحسينية في مجالسهم وصيّة الإمام الحسين لأخته السيدة زينب وفيها النّهي عن خدش الوجه وشقّ الجيب وغير ذلك من مظاهر الجزع عند المصاب الّتي ورد النّهي عنها في الشريعة.
وقد ترسّخت هذه العادات عبر قرون عديدة من منطلقات عاطفيّة والعلماء بشكل عام لم يتصدّوا إلى تهذيبها وتعليم النّاس بما ينبغي أن يقوموا به في مثل هذه المناسبات ممّا أوحى إليهم بأنها من الأمور المستحسنة شرعاً بل يظنّ البعض أنّها وصلت إلى درجة الواجبات الشّرعيّة مع أن الكثير من العلماء ومراجع الدّين لا يمارسون تلك الأعمال ولا يحبّذونها بل يذهب بعضهم إلى تحريم بعضها كإدماء الرّؤوس والأجساد وقد ذكر العلامة المجتهد الشيخ محمد جواد مغنيّة : (إنّ العادات و التقاليد المتبعة عند العوام لا يصحّ أن تكون مصدراً للعقيدة لأن الكثير منها لا يقرّه الدّين الذي ينتمون إليه حتى ولو أيّدها وساندها شيوخ يتسمون بسمة الدّين. ومنها ما يفعله بعض عوام الشيعة في لبنان و العراق وإيران من لبس الأكفان وضرب الرؤوس و الجباه بالسيوف في اليوم العاشر من محرم. فإن هذه العادة المشينة بدعة في الدين و المذهب وقد أحدثها لأنفسهم أهل الجهالة دون أن يأذن بها إمام أو عالم كبير كما هو الشأن في كلّ دين ومذهب حيث توجد به عادات لا تقرها العقيدة التي ينتسبون إليها ويسكت عنها من يسكت خوف الإهانة والضرر ولم يجرؤ على مجابهتها ومحاربتها أحد في أيامنا إلا قليل من العلماء وفي طليعتهم المرحوم السيد محسن الأمين الذي ألف رسالة خاصّة في تحريم هذه العادة وبدعتها وأسمى الرسالة " التنزيه لأعمال الشبيه") . إنتهى كلام الشيخ مغنية رحمه الله.
ولذلك نرى ضرورة إعادة النّظر في تنظيم هذه المجالس وتقديم قراءتها بالوسائل التي تنسجم مع أهداف هذه الذّكرى وغاياتها لتصبح مدرسة حقيقيّة نتعلّم منها مواجهة الظّلم والفساد بأدوات العصر وجعل الإصلاح الدّاخلي بكلمة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر هو الهدف الّذي تريده الشّريعة في المجتمع وهو يقوم على التّعاون والتآزر بين أبنائه.
فنحن عندما نتنافس على مصلحة الشعب والوطن ونسعى لترسيخ الأخوّة بين المواطنين نكون بذلك من الآمرين بالمعروف والنّاهين عن المنكر.
وعندما نحافظ على انتظام الأمور ونحتكم إلى المؤسسات النّاظمة للأمر نكون بذلك من السّائرين على خطى الإمام الحسين والمنتفعين بذكراه.
وعندما نطالب بتحسين أجور العاملين وتحقيق العدالة الاجتماعيّة والمساواة بين الحاكم و المحكوم في الضمان الصحّي والتعليم نكون من المقتدين بنهج الإمام الحسين، وعندما لا نسيء إلى الآخرين في عاداتنا وتقاليدنا، نكون بذلك كلّه من العاملين بالمبادئ التي انطلق من أجلها الإمام الحسين وبذلك نكون من العاملين بما قاله الإمام محمد الباقر عن شيعته:
( شيعتنا سِلْمٌ لمن خالطوا وبركةٌ على من جاوروا وإذا رضوا لم يسرفوا وإذا غضبوا لم يَظلِموا) .
جعلنا الله وإياكم من الّذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه والسلام على الإمام الحسين يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
العلامة المجتهد السيد علي الامين
السبت، 5 نوفمبر 2011
اكثر من مليوني حاج على جبل عرفات لاداء الركن الاعظم للحج

بدأ اكثر من مليوني حاج السبت التوافد الى جبل عرفات لاداء الركن الاعظم من مناسك الحج.
وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية السعودية اللواء منصور التركي لوكالة فرانس برس ان الحج "يسير بشكل طبيعي وكل شيء على ما يرام وفقا للمخطط".
واضاف "نركز على السيطرة على شبكة الطرق عند تفويج الحجيج من منى الى عرفات ومن ثم الى مزدلفة" مشيرا الى ان "الاف الحجاج سينتقلون الى عرفات بالقطار، فيما يستخدم اخرون النقل الترددي الى جانب المشاة والنقل التقليدي".
وينتشر اكثر من مئة الف من قوى الامن والدفاع المدني لضمان امن وسلامة الحجاج.
وشدد التركي على ان "الاجهزة الامنية لن تسمح بمرور السيارات غير النظامية كما ستقوم بفصل المشاة عن الركبات لتفادي الزحام".
وتوجه مئات آلاف الحجاج الذين ارتدى الرجال منهم لباس الاحرام الابيض منذ الصباح الباكر الى جبل عرفات مرددين "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك".
وكان النبي محمد القى من جبل الرحمة خطبة الوداع في مثل هذا اليوم التاسع من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة، (الموافق 632 ميلادي) اي قبل حوالي شهرين من وفاته.
وقال امير مكة المكرمة خالد الفيصل ان اكثر من 1,83 مليون شخص وصلوا من الخارج عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية لتادية مناسك الحج، اي بزيادة 1,84 بالمئة عن عدد الحجاج العام الماضي.
واكد انه "اعيدت في العام الماضي اكثر من 36 الف سيارة مخالفة لدخول المشاعر المقدسة، فيما اعيدت حوالى ستة الاف هذا العام فقط (...) هذا دلالة واضحة على احترام الناس للتعليمات".
ويحج من داخل المملكة حوالى 150 الفا من السعوديين و63 الفا من المقيمين بحسب اللواء التركي الذي اكد "اعادة حوالى 98 الف حاج سيحالون الى الادعاء العام ومن ثم الى المحكام الشرعية بسبب مخالفتهم".
وفور غروب الشمس يبدأ الحجاج النزول في وقت واحد من جبل عرفات الى مشعر مزدلفة حيث يمضون قسما من الليل قبل العودة مجددا الى منى حيث يقومون يوم عيد الاضحى الاحد برجم الجمرة الكبرى (العقبة).
ثم يحتفل الحجاج بعيد الاضحى ويؤدون طواف الافاضة ويسعون بين الصفا والمروة.
وبدا تدفق الحجيج على جبل الرحمة بعد منتصف ليل السبت فيما انهمرت سيول من الحجاج مع بزوغ الفجر وطلوع الشمس.
ووسط ازدحام خانق طوال ساعات ليل الجمعة السبت، لم تتوقف الاف الحافلات التي تنقل الحجاج الى عرفات مباشرة بعد ان تعجل الكثير منهم واستبق ذروة تفويج الحجيج.
وقالت نور ليلى (36 عاما) وهي حاجة اندونيسية انها "تشعر بسعادة غامرة بعد ان وطأت قدماي عرفات".
واضافت لفرانس برس وهي متجهه الى جبل الرحمة "اريد تطهير كل ذنوبي وادعو الله ان يغفر لي (...) اؤدي فريضة الحج للمرة الاولى واتمنى ان لا تكون الاخيرة".
وينتقل الحجاج فور وصولهم الى مشعر عرفات الى خيامهم التي اعطيت ارقاما وعلامات مميزة لبعثة كل دولة.
من جانبه، قال الحاج الماليزي عبدالله ولي الدين (45 عاما) "جئت مع عائلتي لتادية الحج بعد ان جمعنا مبلغا من المال".
واضاف لفرانس برس "الجميع هنا متساوون لا يوجد فرق بين كل الجنسيات انه دين سلام ومحبة واخوة".
وفي وقت سابق، قال الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة رئيس لجنة الحج المركزية إن خطة تصعيد الحجاج من مكة المكرمة إلى مشعر منى جرت دون أي حوادث تذكر مشيرا الى أن الخطة نجحت في منع الحافلات غير النظامية, كما أعيد أكثر من مائة ألف شخص كانوا يحاولون الدخول بدون تصريح وبطريقة غير نظامية.
وأشاد أمير منطقة مكة المكرمة بالجهود الكبيرة التي بذلتها وتبذلها جميع الجهات المعنية لخدمة الحجاج وخصوصاً رجال الأمن الذين يقفون موقفا رجوليا بهذه المناسبة ، وجميع الإدارات الحكومية والأهلية وكافة المسؤولين و المواطنين الذين يسهمون في خدمة الحجيج لهذا العام.
وأكد الأمير خالد الفيصل أنه سيتم التعامل بجدية مع أي محاولة لاستغلال شعيرة الحج بأمور سياسية أو أغراض غير الحج، وقال في هذا الاطار خلال مؤتمر صحفي "حتى هذه اللحظة لم يرد إلى علمي شيء في الحقيقة وإذا وُجدت سيتم التعامل معها كما في الماضي نحن نتعامل بجدية في أي محاولة لاستغلال الحج في أغراض غير العبادة وغير فريضة الحج ".
وردا على سؤال حول عدد حجاج الداخل من السعوديين والمقيمين أجاب "إلى الآن لا أعلم رقما خاصا لعدد الحجاج , لكنه في العادة أعداد المقيمين والسعوديين وبعض الأحيان غير النظاميين يفوق أعداد الحجاج الذين يأتون من الخارج " .
ووصف أمير منطقة مكة المكرمة موضوع الافتراش بالمعقد وله جوانب عديدة منها الحج بدون تصريح , ومخالفي نظام الإقامة في كثير من الأحيان , والجهل بالأنظمة والتعليمات , وقال " هناك مجموعة كثيرة من الناس يعتقدون أن الحج يجب أن يأتي بالمشقة فلابد أن يمشون على أرجلهم ويفترشون الأرض في المنام ولا يستخدمون الخدمات الموجودة والمتوافرة ، وهذا اعتقادهم وهذه المشكلة كانت في العام الماضي أخف من العام الذي قبله ، ونرجو أن تكون هذا العام أخف من العام الماضي ، وهذه الظاهرة ستأخذ وقتاً طويلاً للقضاء عليها ولكن نأمل إن شاء الله بالدراسات المقدمة في الأعوام القادمة أن يكون من نتائج الدراسات وتنفيذها القضاء على هذه الظاهرة ".
وبحسب معلومات رسمية فإن عدد حجاج هذا العام بلغ (195ر828ر1) حاجاً، عدد الذكور منهم (776ر989) يمثلون نسبة (54%) ، وعدد الإناث (419ر838) يمثلن نسبة (46%) تقريباً، ولأول مرة في تاريخ القدوم يصل عدد الحجاج القادمين من الخارج إلى هذا الرقم مسجلاً بذلك رقماً قياسياً جديداً لسنوات الحج ، وقد زاد عدد الحجاج القادمين لهذا العام عن العام الماضي (274ر27) حاجاً بنسبة قدرها (5ر1%) تقريباً، ويمثل حجاج هذا العام ( 183 ) جنسية من مختلف أقطار العالم .
الأربعاء، 2 نوفمبر 2011
صوم يوم عرفه يغفر الله لك به سنتان
الحمد الله الذي يعطي الكثير على القليل ، ويتفضل على العمل الصغير بالأجر الكبير ، وينظر إلى القلوب والأعمال ، ولا ينظر إلى الصور والأموال ، وهو العظيم القدير ، والصلاة والسلام على البشير النذير ،والسراج المنير ، خير هاد وأقوم دليل ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما من خير إلا ودل عليه ورغب فيه وسابق إليه وبعد :
يصادف يوم السبت الموافق2011/11/5 يوم عرفه وصوم يوم عرفة سنة مؤكدة لغير الحاج ، فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال : ( يكفر السنة الماضية والباقية ) رواه مسلم (1162) وفي رواية له : ( أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده ).
و صيام التطوع من الأعمال التي تقرب إلى الله تعالى ، وهو من أجلها على الإطلاق كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى : الصيام أفضل ما تطوع به ، لأنه لا يدخله الرياء ، والرياء كما تعلمون محبط للأعمال مدخل للنيران والعياذ بالله ، فالعبد مأمور بالإخلاص ولهذا قال الله تبارك وتعالى : " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء " [ البينة ] ، وقال تعالى : " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثوراً " [ الفرقان ] ، وقال الله تعالى : " من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً " [ الإسراء ] ، وقال جل وعلا : " من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون " [ هود ] ، وقال صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى : " أنا خير الشركاء من عمل لي عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو للذي أشرك " [ رواه الإمام أحمد ] ، فانظر هل سينفعك ذلك الإنسان إذا وضعت في قبرك ويوم محشرك . ولهذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة " [ رواه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 1313 ] .
فعموماً فصوم النافلة له مزايا عديدة من أعظمها أنه يباعد وجه صاحبه عن النار ، ويحجبه منها ويحاج صومه عنه ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : " ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفاً " [ متفق عليه ] ، وكثرة الصوم دليل على محبة الله للعبد ، ويالها من منزلة عالية ومكانة رفيعة يحظى بها العبد عند ربه فما أن يكثر من الصيام إلا ويحبه ربه ، ومن أحبه ربه وضع له القبول الأرض وفي السماء ، قال صلى الله عليه وسلم : " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه " . والفضائل كثيرة ونكتفي بما ذكرنا لأن المقام ليس مقام ذكر لفضائل ومزايا الصيام وإنما هو لغرض آخر .
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ الأَعْمَالِ وَاجْعَلهَا خَالِصةً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ..
وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ
الدِّيِنِ، وَالحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيِنَ.
لا تنسونا من صالح دعائكم
أنور صالح أبو البصل

11:37 م











