‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قومية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات قومية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أغسطس 2012

لماذا انا ناصري وافخر - الجزء الأول

د. موسى الحسيني في تعليق كتبته على طرح للاخ رضوان غنيمة على صفحات الفايسبوك ، وصفحتي منها ، قال فيه ناصريون .. نعم قوميون طبعا ، اذا لماذا تحبون جمال عبد الناصر ولماذا تقولون عن انفسكم انكم ناصريون . انقل تعليقي واجابتي هنا كي يطلع عليها اكبر عدد ممكن من الاخوة القراء : لاشك ان للعرض التاريخي الذي قدمه الاخ الفاضل رضوان غنيمه دلالاته في تمتيز دور عبد الناصر عن من سبقه من الزعامات الوطنية ا لمصرية الا ان ما اود اض افته حول التجربة الناصرية هو : اولا : ان مفهوم الحكم في مؤسسة الحكم العربية ومنذ خلافة معاوية ، حتى زمن الرئيس الخالد ، ترى في الحكم على انه امتياز وليس مسؤولية وواجب ، يمنح هذا الامتياز الحاكم للتصرف بالدولة وممتلكاتها ورعيتها على اساس انها ملك شخصي له ولاولادهفقط ، و كل ما يمنحه للشعب من عطاء او خدمات هو منة منه يتفضل بها على رعاياه الذين عليهم ان يشكروه ويسبحوا باسمه ليل نهار على هذا الفضل الذي جاد به عليهم ( من اموالهم العامة ) والامثلة كثيرة لامجال لذكرها هنا ، حتى بعد تشكل الدول العربية الحديثة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية تشكلت غالبية الدول العربية على نفس المعيار لذلك كانت تحمل اسماء العوائل الحاكمة ، المملكة العربية السعودية ، المملكة الهاشمية في العراق ، والمملكة الهاشمية الاردنية ، المملكة السنوسية وغيرها بما يعكس مفهوم الحاكم للدولة على انها ملكية خاصة ، كضيعة او اقطاعية خاصة .وما زال هذا المفهوم قائما حتى بعد وصول عبد الناصر للسلطة ، من خلال ما رايناه من بروز ظاهرة اولاد الحكام وتوجهاتهم لتوريث ابنائهم ، وكشفت وسائل الاعلام ان الامير سلطان وحده مات تاركا ميراث 267 مليار دولار ، لاشك انه لم يجمعها من عمل او تجارة بل اختلسها من اموال العرب ونفطهم . كان عبد الناصر اول رئيس يعتبر الحكم مسؤولية وليس امتياز جاء فقيرا لايملك الا راتبه ومات وهو لايملك بيتا خاصا به ولا رصيد بنكي يمكن ان يخلفه لاولاده ، ولا اتذكر اسماء الكتاب ، الا اني متاكد من انه احد كتب صلاح نصر مدير استخبارات سابق ثم اصطف في صف المعارضيين فيما بعد يقول ان عبد الناصر ، وكصيق اتصل به مرة ليقترض منه 30 جنيها بعد ان نفذ راتبه ، مع العلم ان هناك مخصصات سرية لرئاسة الجمهورية يمكن ان يصرفها بالطريقة التي يشاء ولا احد يحاسبه او يطلب منه كشف حساب الا ضميره ونزاهته . ونفس المصدر يقول انه عندما طلبوا من عبد الناصر ان يمتنع عن ارسال ابنائه الى المسابح العامة وبعد نقاش توصلوا الى ان افضل حل هو ان يبني لهم مسبح خاص بمنزله اعترض عبد الناصر لانه كان لايملك الف او 3 الاف جنيه ( لااتذكر الرقم تماما ) كلفة بناء مسبح ، واعتقد ايضا ان زوجة صلاح نصر التي كانت قد ورثت مبلغا من المال من والدها هي من اقرضت الرئيس . وقبل فترة قرات ان عبد الناصر لم يعيد القرض حتى مماته ، ومرة على احد القنوات الفضائية ذكر عبد الحكيم بن الرئيس ناصر قصة ذات دلالة قال فيها انه اعتاد ان يذهب للمسبح حاملا منشفته وعدته بيده ومرة كان الرئيس جالس في الصالون فلاحظ ان عبد الحكيم يحمل عدة المسبح بحقيبة رياضية خاصة ، فندهه الرئيس ليساله من اين له هذه الحقيبة فقال عبد الحكيم ان المدرب اعطاها له فساله هل اعطاى مثلها لبقية الفريق وعندما اجاب عبد الحكيم بالنفي طلب منه الرئيس اعادتها للمدرب .وقصة ابنته التي لم تحصل على المعدل المطلوب للدخول الى الجامعة ، لم يكسر القوانين والقواعد الخاصة بدخول الجامعة واضطر ان يدخل ابنته في جامعة اهلية خاصة . كل تلك الامور تعني ان الناصرية كانت منهج اخلاقي جديد في السياسة لم تشهده مؤسسة الحكم العربية منذ حكم الخلفاء الراشدين بما حق معه ان نقول انه كان امتدادا لاخلاقهم ونمط نظرتهم للحكم فهو الخليفة الراشدي الخامس . كان بودي ان استمر في الكتابة في معنى الناصرية ولماذا اني افخر باني ناصري ولماذا حاربه الغرب والصهيونية والرجعيات العربية والانتهازيين والعملاء من المتاسلمين ، الا ان ما عندي كثير ، وانا بطئ بالكتابة او الطباعة ، والا فانا نفسي سالت السؤال نفسه وكنت طالبا متحمسا لاكمال دراستي بعلم النفس ، في كلية متخصصة بالعلوم الانسانية خاصة السياسة والاقتصاد وما يتعلق بهما من فروع العلوم الانسانية فاكتشفت من خل ما يطرح ويدرس في السياسة اننا نحن العرب نتعامل مع السياسة على طريقة احب واكره وحتى لانملك احيانا احيانا الحجة لتبرير كرهنا وجبنا ، ونريد ان نفرض عواطفنا بالزعيق والانفعال على الاخرين ، فقررت ان اتحول لدراسة السياسة ولادرس التجربة الناصرية لاتعرف على ما اذا كان حبي وولائي لعبد الناصر والناصرية يستند للعقل والقناعة الموضوعية ام هو مجرد حب وعاطفة اندست في قلبي وعقلي بطريقة او اخرى ، فكان بحثي في الدكتوراة هو " الحركة القومية العربية من 1952-1961 " اي من الثورة حتى الانفصال .وقرات في حينها كل ما توفر من كتابات ودراسات عن التجربة المعادية والمؤيدة بالعربية والانكليزية ، اضافة لجميع خطب الرئيس وكتاب فلسفة الثورة والميثاق ، ليزداد حبي وتعلقي بهذا العملاق الشامخ ابدا في تاريخ الامة العربية والسياسة العربية ، اتمنى لو تتوفر لي الفرصة لاكمال ما كتبت ، فهناك ثانيا وثالثا ..و .., لااقول لماذ انا ناصري حد العظم ، وافخر

الخميس، 7 يونيو 2012

التوجه القومي لثورة 23 يوليو وتطوره


خالد الناصر

من المؤكد أن جمال عبد الناصر – وهو يفجر ثورة 23 يوليو 1952 ويقود مسيرتها – لم يخترع مقولة اسمها " القومية العربية " ولا ابتدع كيانا اسمه " الأمة العربية " ولا اصطنع شيئا يسمى " عروبة مصر " وانتماءها لحضارة وثقافة تحمل اسم الحضارة العربية الإسلامية , فكل هذه الأمور كانت موجودة حتى ولو بشكل غير فعال أو منقوص أو في تضاد مع بعضها يعطلها ؛ فلقد كانت هناك عروبة مبهمة بلا قاعدة دون مصر , وكانت هناك مصر حائرة بلا هوية دون عروبة . ولكن عظمة هذا القائد التاريخي وثورته الكبرى أنه وضعها جميعا على الطريق الصحيح تاريخيا وموضوعيا ؛ فأعاد ترتيبها بحيث تتكامل وتتعاظم تأثيرا , وأعطاها مضامينها الحقيقية وربطها ببقية أبعاد النضال الأخرى , وبذلك أصبحت الناصرية هي محتوى القومية العربية الأكثر تقدما واستراتيجيتها الأكثر فعالية لبلوغ أهدافها . والحقيقة أن هذا لم يأت اعتباطا ولا صدفة وإنما في سياق عملية تاريخية تضرب في أعماق الزمن العربي وتتفاعل تحت السطح في المنطقة حتى جاءت الشرارة المطلوبة ( ثورة يوليو ) في مركز الثقل والموقع الصحيح ( مصر ) وبوجود القيادة التاريخية المؤهلة ( جمال عبدالناصر ) كما سنرى ونحن نحلل هذا السياق ونستوعب كيف تطور البعد القومي لهذه الثورة : من تغيير حدث في مصر ورفع أهدافا ستة مطلوبة في مصر نفسها لتصبح بعد حين الثورة الأم للثورة العربية والقاعدة الأساس لحركة القومية العربية ونضالها لتحقيق أهدافها المتكاملة والمتفاعلة ( الحرية والاشتراكية والوحدة ) . وبدون أن ندخل في تفاصيل نظرية ليس هنا مكانها ننطلق من حقيقة لم تعد بحاجة إلى إثبات وهي أن القومية العربية هي في جوهرها تعبير عن وجود وتجسيد انتماء تمثله وتعيشه الجماعة البشرية المتواجدة فوق رقعة جغرافية بعينها من جنوب غربي آسيا إلى أقصى الشمال الغربي من أفريقيا , وهي أيضا الجماعة التي اكتمل نموها وتبلور تكوينها عبر نهر تاريخ المنطقة مزودا بروافد ثرية شتى من الحضارات القديمة العريقة من مصر إلى الشام ومن العراق واليمن إلى شمال أفريقيا والمغرب الأقصى .. ثم اكتمل هذا التكوين القومي بانبلاج فجر الإسلام متميزا بخاصة فريدة بين العقائد السماوية تتمثل في العربية – لغة القرآن الكريم الذي لم يهب هذه الجماعة لسانها المعبر وحسب بل هيأ لها أيضا منظومة من القيم الروحية السامية , أذكت بين جوانح أبنائها الشوق للتطور والإبداع وأمدتها بطاقة لا تنفد من الاستنارة والرشد مما كفل لها سبل الانفتاح على حضارات الأمم التي سبقت كي تنهل من أفضل ينابيعها وتترجم عن ألسنتها , وشارك في هذا الجهد العلمي النهضوي أجيال مستنيرة من أبناء الديانات الأخرى في إطار من أخوة التسامح وجلال العلم وإرادة التجديد . وفي سياق هذا التفاعل التاريخي الممتد عبر العصور لعبت مصر – باعتبارها الاقليم المركزي في هذه المنطقة والكتلة المتماسكة منذ فجر التاريخ – دورا أساسيا في بناء هذا الجسم القومي والحفاظ عليه , فكانت فعلا كما وصفها الرسول الكريم الكنانة التي تلم الأسهم العربية وتمنعها من التشتت . .

1- فلقد كانت الجسر والقاعدة الذي امتد منهما الكيان العربي الاسلامي إلى جناحه الغربي في شمال أفريقيا وظل يشده إليه .

2- كانت دائما خط الدفاع الأخير عنه ضد الأخطار المصيرية التي تهدد بفنائه , وتجلى ذلك في أكثر من شاهد تاريخي : - فالزحف المغولي الذي تساقطت أمامه القلاع العربية المشرقية وبدا أنه لاراد له , لم ينكسر إلا على صخرة جيش مصر بقيادة قطز في معركة عين جالوت على أرض فلسطين . - والغزوات الصليبية التي امتدت قرنين من الزمان لم تنحسر إلا في معركة حطين بعد استعادة مصر إلى موقعها الأساسي في الجسم العربي على يد صلاح الدين .

3- كانت مهد محاولة النهضة العربية الأولىالتي تمت على يد محمد علي ومشروع ابنه ابراهيم باشا لتوحيد المنطقة العربية بعد الليل العثماني الطويل وتكالب القوى الاستعمارية الغربية لاقتسامها .

4- كانت الملجأ الطبيعي الذي حضن أفواج المفكرين السياسيين والدعاة الدينيين والصحفيين الأحرار من مشرق الوطن العربي ومغربه الذين هاجروا إليها ولاذوا بشعبها من الطغيان العثماني ومن بعده الأوروبي في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين , وتفاعلوا بشكل رائع وخلاق مع نظرائهم وتلاميذهم في مصر سواء ممن تخرجوا من الأزهر الشريف أو ممن عادوا من بعثاتهم في أوروبا .

وكان أن أصبحت مصر – موضوعيا – ومع فجر القرن العشرين منبرا للفكر العربي ومسرحا لفنونه وموئلا لكل أحرار العرب من وراء الحدود التي رسمها الاستعمار الأجنبي . ولكن مصر ورغم ذلك كله كانت مطلع القرن العشرين ونصفه الأول في غفلة عن دورها المطلوب , ملهية بنفسها وصراعها مع الاحتلال الإنجليزي عن إيجاد صياغة جدلية – كدأبها تاريخيا – تجمع النضالات العربية التي تفرقت في تلك الفترة إلى اتجاهين رئيسيين : - ففي مواجهة مخطط الفرنسة في المغرب الكبير تمسك أبناؤه بلإسلام .. دينا وثقافة ولغة وتعاليم كقوة دافعة ضد مشاريع الاحتلال والاستيطان . - وفي مواجهة الهجمة الطورانية رفع أبناء المشرق العربي – مسلمين ومسيحيين – لواء القومية العربية للتمايز عن المحتل التركي المسلم والتخلص من نيره . ولا يزال لهذا التوزع آثاره السلبية حتى الآن فيما نشهده من محاولات مفتعلة لوضع العروبة في تناقض مع الإسلام .

بينما كان ساطع الحصري – رائد الدعوة القومية العربية منذ الربع الأول من القرن العشرين – يكتب في عشرينات وثلاثينات ذلك القرن داعيا مصر إلى الاضطلاع بدورها التاريخي في قيادة مسيرة النضال العربي نحو التحرر والوحدة , كانت طلائع الوعي القومي تنمو وتنضج في نفس فتى من صعيد مصر هو جمال عبدالناصر , ابتداء من مشاركته كطالب في المظاهرات الداعية إلى إسقاط وعد بلفور بوصفه أول حلقات مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في قلب الأرض العربية , وليس انتهاء بمشاركته كضابط شاب في معارك فلسطين عام 1948-1949 حيث التحم الوعي السياسي بالتجربة النضالية على أرض الواقع , وحيث عاد بدرس مستفاد من معارك فلسطين عبرت عنه كلمات سجلها في كتاب ( فلسفة الثورة ) حين قال : " ولما انتهت المعارك وعدت إلى أرض الوطن , كانت المنطقة العربية في تصوري قد أصبحت كلا واحدا " . لقد تداخلت عوامل شتى في التكوين الفكري لجمال عبد الناصر .. منها الوعي بمأساة فلسطين إلى خوض تجربة الحياة والموت على أرضها , ومنها دراسة وتدريس تاريخ الحملات العسكرية على مصر والمشرق العربي في كلية أركان الحرب , فضلا عن المتابعة الميدانية من جانب الضابط الشاب ورفاقه للمشهد السياسي الداخلي في مصر الذي تجلى على مسرحه طغيان القصر الملكي وصراعات الساسة والأحزاب التقليدية والدعوات الانعزالية التي كانت تحاول شد مصر إما إلى التقوقع حول ماض سحيق ( الدعوة الفرعونية ) أو إلى الانتماء للخارج الأجنبي الغريب عنها لغة وثقافة ودينا ( حضارة البحر المتوسط ) . وكان أن تشابكت وتفاعلت تلك العوامل في مجموعها ليتشكل منها المنظور الذي أطلت منه القيادة التاريخية بعين التأمل الواعي وقدرة الفعل السؤول , على ما آلت إليه أحوال الأمة العربية صبيحة يوم الثورة في 23 يوليو 1952 .

لقد كان الوضع العربي قد بلغ ذروة الأزمة عشية ذلك اليوم الفاصل , فلقد كانت الأمة قد تم تمزيقها إلى أشلاء متناثرة وتم احتلال معظم أجزائها ؛ فالمغرب العربي يرزح بكامله تحت نير الاستعمار الفرنسي والاسباني , وليبيا تحت الاحتلال الإيطالي , ومصر والعراق والخليج وجنوب اليمن تحت الحماية أو الاحتلال الانجليزي , وفلسطين تم اغتصابها وإقامة الكيان الصهيوني فيها , وما لم يحتل كان يغط في سبات القرون الوسطى . أما الأقطار التي بدأت بالحصول على استقلالها فكانت ضعيفة عاجزة أمام مهام التنمية وضغط الحركات القومية التي رفعت شعار الوحدة والتحرر مع أنها كانت غضة العود ومحصورة في المشرق العربي وبشكل أساسي في بلاد الشام , ولكن التوق إلى الوحدة كان يعتمل كالجمر تحت الرماد ويقلق الدول الاستعمارية والأنظمة الوليدة المرتبطة بها بدرجة أو بأخرى ؛ فكان أن تم إنشاء الجامعة العربية – بجهد من بريطانيا أساسا – لتهدئة الخواطر ولتنسيق الجهد الإقليمي العربي بما يحافظ على استقرار وضع الدول العربية على ما هو عليه . وجاءت هزيمة 1948 أمام العصابات الصهيونية لتكشف عورة النظام الإقليمي العربي وهشاشة أنظمته , وبدأت ردود الفعل الأولى بالانقلابات العسكرية المتتالية في المشرق العربي ( سوريا أساسا ) دون أن يتغير من الأمر شيئا .. إلى أن جاءت حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر لتفتح الطريق أمام الفعل الحقيقي الذي طال انتظاره . من المفارقة أن ما بدا من إغفال لمسألة الوحدة العربية في الأهداف التي رفعتها الثورة غداة قيامها وتركيزها على إصلاح وضع مصر الداخلي وتأمينه , كان هو المنطلق الحقيقي والواقعي للبعد القومي لثورة 23 يوليو لأنه هيأ الأساس الموضوعي لعودة مصر إلى عروبتها وإلى دورها المطلوب باعتبارها قلب الوطن العربي ومركز ثقله ؛ أو بعبارة أخرى الإقليم القاعدة الذي يشد بقية الأجزاء إليه . وعليه , فلم تمض على الثورة شهور حتى أصدر عبد الناصر وثيقته الفكرية الأولى ( فلسفة الثورة ) التي بلور فيها بأوضح وأبلغ العبارات هذا الدور الذي لايمكن تجاهله ولا النكوص عنه . وفي الذكرى الأولى للثورة كلف عبد الناصر فتحي الديب – الجندي القومي المجهول – بتأسيس صوت العرب ليكون صوت الدعوة القومية العربية من مصر , وملتقى الثوار العرب ووسيلتهم لإيصال صوتهم إلى كل أصقاع الأرض العربية متخطين كل الحواجز التي كانت القوى المستعمرة والرجعية تحاول منعهم بها , وكان لذلك أثر عظيم في تحريض الجماهير العربية وتعبئتها ونجاح كثير من الحركات الثورية . ومن منطلق هذه المسؤولية القومية حاربت الثورة الأحلاف الاستعمارية التي كانت تريد إبقاء المنطقة تحت نفوذها وخرجت من هذه المعركة ظافرة حيث وأدت حلف بغداد في مهده وما لبث أحرار العراق أن أطاحوا في ثورة 14 تموز ( يوليو 1958 ) بالنظام الملكي العميل في بغداد ذاتها . كما جندت ثورة يوليو كل إمكاناتها لنصرة ثورة الجزائر التي انطلقت في 1 نوفمبر1954 لمحاربة الاستعمار الفرنسي والتي ماكان لها أن تنتصر ذلك الانتصار المجيد لولا هذا الإسهام الفعال والمساندة التامة . وبالطبع لم يكن هذا مفصولا عن مساندة عموم الحركة الناشطة لتحرير أقطار المغرب العربي كله كما هو معروف . كما ساندت وساهمت في الثورة ضد الاستعمار الانجليزي في جنوب اليمن وعمان والخليج العربي حتى حمل عصاه ورحل فعلا واستقلت هذه الأقطار . وقبل هذا وذاك تبنت ثورة يوليو ثورة الشعب الفلسطيني ضد الغاصب الصهيوني وحضنت مقاومته وقدمت لها كل دعم من تدريب وسلاح ومعسكرات ومحطات إذاعة وجندت لخدمة القضية الفلسطينية إعلامها وديبلوماسيتها وكل نفوذها الدولي . ولقد كان هذا النشاط الثوري الذي لم يكل ولم يهدأ السبب المباشر للعدوان الثلاثي عام 1956 الذي شنته انجلترا وفرنسا واسرائيل لإخماد شعلة الثورة العربية التي انطلقت من القاهرة . ولكن هذا العدوان واندحاره كان اللمسة الأخيرة الحاسمة التي أوصلت المد القومي إلى أوجه , فتلاحمت الجماهير العربية وطلائعها وحركاتها القومية بثورة 23 يوليو وأصبح عبد الناصر زعيم الأمة وقائد ثورتها ورمز عروبتها . وكانت أولى ثمار هذا المد العظيم تحقق أول وحدة في تاريخ العرب الحديث بين مصر وسوريا في 22 فبراير 1958 . وبقدر تعاظم هذا الدور القومي , تكالبت القوى الاستعمارية واستطاعت فعلا إحداث نكسات مؤلمة في مسيرة النضال العربي تحت القيادة الناصرية .. فكان نجاح مؤامرة انفصال سوريا عن دولة الوحدة التي تشاركت في نسجها الدول الاستعمارية المتضررة من البركان الثوري الذي أطلقته ثورة يوليو في المنطقة العربية والدول الرجعية الخائفة على عروشها بعد أن سحب جمال عبد الناصر منها ولاء شعوبها والقوى الإقطاعية والرأسمالية في سوريا التي استشعرت الخطر على مصالحها بعد قرارات يوليو الاشتراكية عام 1961 والأغرب من هذا قوى اليسار التقليدي التي كانت تنظر إلى الثورة وإنجازاتها بعين الريبة والتشكيك وأيضا بعض القوى القومية التي كانت قد انسحبت من دولة الوحدة وأعماها خلافها معها عن رؤية أن الذي طعن هو هدف الوحدة الذي هو مبرر وجودها أصلا . ولكن رد الثورة وقائدها كان التمسك باسم الجمهورية العربية المتحدة كرمز للوحدة والتحدي , وتعميق خط الثورة السياسي والاجتماعي بإصدار ميثاق العمل الوطني كنظرية عمل تسترشد بها الثورة وجماهيرها في مسيرتها الصاعدة , وكان دعم ثورة اليمن في شطره الشمالي للتخلص من نظام الإمامة المتخلف وفي شطره الجنوبي حتى تحرر من ربقة الاستعمار البريطاني , وكانت استجابته لمشروع الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963 رغم تجربته السلبية مع تلك القوى التي كانت تحكم القطرين المذكورين آنذاك ؛ فلما انهار ذلك المشروع الوحدوي بسبب ذات المواقف التي ساهمت سابقا في انهيار الوحدة الرائدة من قبل تلك القوى ذاتها , طرح عبد الناصر الحركة العربية الواحدة كطريق لتحقيق الوحدة العربية . وكانت نكسة يونيو 1967 أخطر تلك الضربات التي حاولت كسر الثورة الناصرية وإسقاطها أوعلى الأقل حصرها داخل مصر , ولكن عبد الناصر , وهو يعيد بناء جيشه لمعركة التحرير ويخوض حرب الاستنزاف المجيدة , ظل يؤكد على قومية المعركة ويسعى لبناء الجبهة الشرقية ضد العدو الصهيوني , وظل ينادي القدس قبل سيناء , وظل يحرض المقاومة الفلسطينية على رفض ما يضطر لقبوله لأسباب تكتيكية , وعندما شرع النظام الأردني بالبطش بها في أيلول الأسود 1970 نهض لنصرتها وإنقاذها رغم إسفافها في الهجوم عليه , ولفظ أنفاسه الأخيرة شهيد فلسطين والقضية القومية . ولم يقتصر هذا الدور القومي لثورة 23 يوليو على هذه المعارك المباشرة والتعبئة الإعلامية وإنما نهضت لتساهم في دفع عجلة التنمية والتقدم في كل الأقطار العربية إيمانا منها بوجوب بناء قاعدة تحتية متينة تكون الأساس الصلب الذي ينهض عليه صرح الوحدة العربية , فأرسلت البعثات التعليمية من كل المستويات والخبراء في كل الميادين إلى الجزائر واليمن والخليج العربي وإلى كل قطر عربي يحتاج إلى مثل تلك الخدمات , وفتحت جامعاتها للطلبة العرب من كل مكان وبلا حدود , ودربت الضباط العرب في كلياتها العسكرية , ووضعت خبراتها الإعلامية والعلمية والإدارية بتصرف أي قطر عربي يطلبها . كما عملت على تنشيط وإنشاء منظمات المجتمع المدني العربية القومية كالاتحادات المهنية والنقابية العربية كاتحاد المحامين العرب واتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للعمال العرب وغيرها التي لعبت أدوارا هامة في دعم القضايا العربية مثل الموقف التاريخي لاتحاد العمال العرب في قضية الباخرة كليوباترا , ولقد حرص جمال عبد الناصر على الالتقاء دوريا بهذه المنظمات الجماهيرية القومية واتخذها منبرا لإعلان كثير من مواقفه القومية الهامة كدعوته لقيام الحركة العربية الواحدة التي أطلقها في اجتماع المؤتمر العام لاتحاد المحامين العرب 1963 . كان أسلوب ثورة 23 يوليو في ممارسة دورها القومي بحد ذاته إسهاما كبيرا في مسيرة العمل القومي حيث اتخذ مستويين في التنفيذ فرضتهما الطبيعة المزدوجة لنظامها ؛ كونها دولة قطرية مركزية عليها التزامات تجاه كيانها ونظامها وتجاه بقية الدول العربية وتجاه بقية دول العالم محكومة بالقواعد الدولية المقيدة من جهة , وكونها ثورة ذات رسالة قومية تسعى إلى تغيير الواقع العربي بما في ذلك محاربة الأنظمة المعيقة لهذا التغيير من جهة أخرى . ولكن هذا الأسلوب في كلا مستوييه كان يصدر عن استراتيجية واحدة هي الالتزام بالأهداف القومية العليا وفتح الطريق لتحقيقها , وفي كل الأحوال مصلحة الأمة العربية الراهنة والمستقبلية .. وإن كان يحدث أحيانا بعض التداخل أو التضارب أو التجاوز في عمل الأجهزة المنفذة هنا أو هناك . 1- فعلى مستوى الدولة : كانت الحركة تتم تحت شعار وحدة الصف العربي وتنطلق من الاستفادة من مؤسسات العمل العربي المشترك الموروثة كالجامعة العربية وأجهزتها حيث كان لمصر الناصرية دور بارز في تطويرها إلى أقصى حد ممكن يتجاوز دورها المرسوم بالأصل لتكريس الدول القطرية إلى التعاون بما يخدم القضايا العربية ولاسيما في مجال الصراع العربي الإسرائيلي , فكانت وراء استحداث مؤتمرات القمة كأعلى مستوى لاتخاذ القرار , وكانت وراء إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتمثيل شعب فلسطين في المحافل الدولية وإحباط المحاولات التي كانت تجري لطمس اسم فلسطين من قبل الصهيونية والقوى الاستعمارية . ولقد كان لهذا التحرك دوره البارز بعد عدوان 1967 ولاسيما في مؤتمر الخرطوم حيث ألزمت الدول العربية بتقديم الدعم المادي لدول المواجهة – مصر الثورة أساسا – في مواجهة العدو الصهيوني , وحيث أقرت اللاءات الشهيرة ( لاصلح ولا تفاوض ولا اعتراف باسرائيل ) كخطوط حمراء لا يتم تجاوزها . 2- مستوى التحرك الثوري : وهو المستوى الاستراتيجي والأهم , وكان يجري تحت شعار وحدة الهدف , وابتدأ بدعم كل الحركات العربية الثورية والقومية والتعاون معها كما رأينا , وانتقل إلى درجة أعلى بالدعوة إلى وحدة القوى الثورية ضمن حركة عربية واحدة تكون أداة النضال العربي في تحقيق أهدافه , ثم بدأت ترجمة هذا التوجه بإعداد جيل ثوري قومي من خلال معسكرات للشباب العربي ودورات وبرامج حوارية وتثقيفية يتم من خلالها فرز نويات طليعية من كل الأقطار العربية تتحرك في ساحاتها وبين قواعدها الشعبية من أجل إقامة هذه الحركة المنشودة . وفي اكتوبر 1965 تم تكليف أمين الشؤون العربية في الاتحاد الاشتراكي ورئاسة الجمهورية لتجسيد هذه الحركة في تنظيم قومي يبنى بتؤدة وعناية من خلال الطلائع العربية الشابة التي صقلت في معارك النضال القومي في ساحاتها , ولقد أثرت نكسة يونيو 1967 على وتيرة بناء هذا التنظيم ولكنه استطاع تحقيق لقاءه القومي الأول بما فيها مشاركة الأمين المساعد للتنظيم الطليعي في مصر في خريف عام 1969 , إلا أن الضربة الأليمة التي هزته فيما هزت من مؤسسات ثورة يوليو كانت انقلاب مايو 1971 التي قطعت مسيرة هذه الثورة الرائدة في قلب الأمة العربية وكانت بداية الإنهيار الكبير الذي لانزال نعيش تداعياته . لقد مثلت ثورة 23 يوليو بقيادة جمال عبد الناصر نقلة استراتيجية هائلة في حركة النضال القومي العربي , ولقد تحققت هذه النقلة النوعية من خلال الإنجازات الأساسية التالية : 1- حسم عروبة مصر وتصحيح المعادلة المختلة التي كانت سائدة ( عروبة بلا مصر , ومصر بلا عروبة ! ) 2- وفرت للدعوة القومية وحركتها اقليمها القاعدي المطلوب والمفتقد . 3- وفرت للحركة القومية القيادة التاريخية المؤهلة للزعامة والتي استقطبت الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي بأسره . 4- نقلت الدعوة القومية من مجال النخبة الضيق لتصبح مطلبا جماهيريا بطول الوطن العربي وعرضه. 5- أعطت للقومية العربية مضامينها الاجتماعية والتحررية بعد أن كانت دعوة مثالية مجردة , وربطتها ببقية أهداف النضال العربي ربطا جدليا . 6- بينت العلاقة الجدلية التكاملية بين العروبة والإسلام بعد أن كانا موضع تضاد من قبل القوى التي كانت ترفع راياتهما . 7- نقلت القومية العربية من المجال النظري المجرد إلى حيز التطبيق العملي من خلال التجارب الوحدوية التي أنجزت والمعارك التي خيضت بغض النظر عن النجاح أو الفشل . والآن , وبعد مرور هذا الوقت الطويل على رحيل هذا القائد العظيم والانقلاب على نظامه الثوري في قلب الأمة العربية مصر , وتردي الوضع العربي إلى هذا الدرك الذي نحن فيه ؛ نقف ونحن نعالج هذا الجانب الهام من ثورة 23 يوليو لأخذ الدروس والعبر , ولنعاين ماذا تبقى لدينا في هذا المجال فنجد أنه لايزال لدينا الكثير الهام الذي نستطيع أن نبني عليه : 1- لدينا ما بلورته ثورة 23 يوليو من فكر قومي متقدم ومتكامل يحدد الأهداف ووسائل التحقيق , ولاتضيره المراجعة الواجبة لتخليصه من جوانب القصور التي شابته ولإضافة ما يتلاءم مع المعطيات التي أفرزتها التطورات التي حصلت بعد انقطاع تلك المسيرة الثورية . 2- ولدينا حركة ناصرية واسعة – بغض النظر عن تشتتها – وكوادر طليعية منتشرة في كل أنحاء الوطن العربي , تستطيع بوحدتها وتطهيرها من الأدران التي علقت بها وانفتاحها على بقية القوى أن تكون أساسا لحركة عربية جديدة تواصل ما انقطع و وتواجه ما استجد , وتستأنف النضال من أجل أهداف الأمة . 3- ولدينا تراث من التجارب التطبيقية نستطيع استخلاص دروسها في أسلوب التحرك : - سواء على مستوى وحدة الهدف ( التنظيم القومي ووحدة القوى الثورية ) . - أو على مستوى وحدة الصف ( التحالفات مع بقية القوى العربية ) . 4- ولدينا أخيرا العزم الأكيد على استكمال مسيرة الثورة العربية حتى تحقيق غاياتها بإذن الله .

الأحد، 1 أبريل 2012

أين متحف عبد الناصر؟


عادل الجوجري

رئيس تحرير الغد العربي
القاهرة

افتتح مؤخرا في الاسكندرية متحف الرئيس الراحل أنور السادات،داخل مكتبة الاسكندرية،يضم خطبه ولقاءاته وزياراته وسيرته الذاتية،ولعل السؤال هنا لوزير الثقافة الفنان فاروق حسني هو :أين متحف الزعيم عبد الناصر ،الذي هو زعيم الامة العربية؟ ولماذا التكاسل في تحويل منزله الى متحف رغم أن الزعيم غادر الدنيا منذ نحو 40عاما؟ألا تتوفر في الوزارة أموالا ،وهي التي تعرضت للنهب والابتزاز لاسيما في عمليات الترميم،وضاعت على الشعب أموالا تكفي لبناء أكثر من متحف؟
لقد تسلمت وزارة الثقافة منزل عبد الناصر منذ فترة،وكان يمكنها أن تبادر وتباشر بانشاء المتحف على مستويين:الأول هواستكمال تجميع كل الوثائق التي تتعلق بالمرحلة الناصرية الثورية خاصة الوثائق الاجنبية والعربية التي تم الافراج عنها مؤخرا،بموجب قوانين الوثائق ولاسيما البريطانية،ثم هناك الصور والخطابات التي ارسلها أو تلقاها البعض بامتداد العالم من الزعيم ولاشك أن تصويرها وتجميعها مسالة مهمة للباحثين ،ومعروف أن ناصر كان يرد على معظم الرسائل الشخصية بنفسه.
ونلفت هنا إلى الجهد الكبير الذي قامت به الدكتوره هدى عبد الناصر ،والتي جمعت كل خطبه في عدة مجلدات،كما تعاونت مع مكتبة الاسكندرية لتوثيق تراث الزعيم ،كما أن صديقنا الدكتور محمد السعيد ادريس نجح في انشاء وحدة دراسات ثورة 23يوليو ضمن نشاط مركز الدراسات الاستراتيجية بالاهرام ،وهو جهد مشكور وكان الاستاذ المناضل عبد العظيم مناف صاحب دار الموقف العربي قد وثق التراث الصوتي"الخطب" في شرائط لاقت اهتمام الباحثين ، وكل هذه الجهود ينبغي أن تتكامل وتتجمع في متحف عبد الناصر ،وإلى ذلك مطلوب أن تقوم وزارتا الثقافة والاعلام بتجميع المواد الفيليمية"جريدة مصر المصورة" والتي تم سرقة معظمها وتهريبها خارج مصر حيث وصلت الى المحطات الفضائية العربية وإلى العدو الصهيوني.
ثانيا:إن تراثنا المبعثر سيكرر جريمة التفريط في آثار الفراعنة والمنتشر في كل بقاع الدنيا ولانستطيع استعادته،ولعلنا نلاحظ في البرامج الوثائقية التي تبثها غير محطة أجنبية وعربية "بي بي سي-الجزيرة" عن تاريخ مصر المعاصر يتضمن مشاهد مصورة لاتتوفر في التليفزيون المصري لأنها تسربت من المخازن إلى الايادي التي تستغل هذه الثروة،وقد حصل ذلك بسبب النفاق الاعلامي ،فعندما قامت الثورة القوا تراث الملك فاروق في الجب،وعندما رحل عبد الناصر تم القاء تاريخ الثورة في المخازن ،لكن السادات مات بعدها بعقد من الزمان وحصل لتاريخه ماحصل للآخرين أيضا ،إنها العقدة الشهيرة وهي الاهتمام بالفرعون الحاكم وتجاهل تراث الفرعون السابق ،ونحن نريد أن نستفيد من اخطائنا،وأن نكرم القيادات الوطنية وليس هناك مثالا لجمال عبد الناصر في الوطنية ،وهو الرجل الذي جعل القومية العربية فكرة تتمشى في الحارات العربية بعد أن كانت تتجول فحسب في أبراج المفكرين العالية.
إن بناء متحف عبد الناصر لايعني فحسب مجرد ترميم منزله أو إعادة طلاء الجدران القديمة وانما بعث الحياة في هذا المبنى العريق،الذي شهد اخصب مرحلة في تاريخنا المعاصر، ويكون ذلك بادخال تكنولوجيا الوثائق من حيث التبويب العلمي ، وفق التسلسل الزمني،وتغذية موقع الزعيم عبد الناصر الموجود على الانترنت بمعلومات وصور ومواد فيلمية جديدة ،والتنسيق مع الدول العربية لتبادل الوثائق،بما يعني في نهاية الامر التوثيق الجاد لتاريخ مصر ،لأن أمة بلا تاريخ هي شجرة في مهب الريح....وأغلب الظن أن فاروق حسني كفنان ومثقف- رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني -حريص على أن يكتب في تاريخه أنه الوزير الذي شيد متحف عبد الناصر فهذا محل فخر له لاشك أنه يسعى- وربما يهرول- إليه.
ان وحدة الدراسات الناصرية بالقاهرة،والتي اتشرف بأنني عضو فيها ستبادر بالاتصال بوزير الثقافة،وتساهم في ايجاد قنوات ضغط من خلال الناصريين في نقابة الصحفيين،واساتذة الجامعات،وسنطرح هذه القضية خلال الندوة التي ينظمها المركز العربي للصحافة بالتنسيق مع الصديق الاستاذ جمال فهمي في نقابة الصحفيين يوم الثلاثاء القادم ويديرها الاستاذ محمد الشرقاوي مع كاتب هذه السطور لكي تظل القضية حية الى ان يتحقق الهدف وهو انقاذ ذاكرة الايام لاسيما ايام مجدها عوضا عن السنين العجاف التي نعيشها اليوم.

الجمعة، 30 مارس 2012

غيض من فيض أمجاد الحقبة الليبرالية

كتب : عمرو صابح


من آن لأخر يتصاعد نباح الليبراليين الجدد ضد ثورة 23 يوليو والزعيم الخالد فى قلوب الأحرار جمال عبد الناصر ، ولأنهم جهلة بالسليقة و ببغاوات عقولها فى أذنيها تردد ما تسمعه دون أن تقرأ تاريخ بلادها ،ولأن لا أرضية شعبية لهم فى الشارع فهم يحاولون بشتى السبل تجميل فترة ما قبل ثورة يوليو وتشويه ما بعدها والإصرار برعونة على دمج العهود الرئاسية الثلاثة فى عهد واحد يسمونه "حكم العسكر" ، وما أن تأتى سيرة العسكر أمامهم حتى يعلو نباحهم كجوقة من الكلاب العقورة " يسقط حكم العسكر ... يسقط حكم العسكر " وكأن كل العسكر سواء أو أن بلدا كمصر مهدد بخطر وجودى منذ الأزل يمكن إقصاء العسكر فيه عن السياسة ، هناك عسكر سيئون وهناك عسكر جيدون والتاريخ المصري كل أمجاده صنعها العسكر منذ رمسيس الثانى وأحمس وتحتمس الثالث وحور محب وبسماتيك وصولا لصلاح الدين الأيوبى وسيف الدين قطز والظاهر بيبرس وقلاوون وعلى بك الكبير وإبراهيم باشا حتى نصل لأحمد عرابي وجمال عبد الناصر كل هؤلاء كانوا عسكريين وهم من مفاخر التاريخ المصري قديما وحديثا ، إذا كان هناك عسكريون فاشلون كأنور السادات وحسنى مبارك فهم ليس معيارا للنباح بسقوط حكم العسكر .
تلقيت رسالة من صديقى فريد الإمام دفعتنى لكتابة هذه السطور عن الحقبة الليبرالية الفاشلة قبل ثورة عبد الناصر:
هل تعلم أن فى عهد الملك فاروق
كان الاقتصاد المصرى متخلف وتابع للاحتكارات الرأسمالية الأجنبية ، كان هناك 960 شخصا فقط يسيطرون على كل الوظائف الأساسية فى مجالس إدارات الشركات الصناعية ، من بين هؤلاء نجد 265 مصرى فقط
.
وكان بنك باركليز الإنجليزى يسيطر وحده على 56 % من الودائع ، وكان بنك مصر قد تمت السيطرة عليه من جانب رؤوس الأموال الإنجليزية والأمريكية .كانت أخر ميزانية للدولة عام 1952 تظهر عجزا قدره 39 مليون جنيه
.
كما أن مخصصات الاستثمار فى مشروعات جديدة طبقا للميزانية سواء بواسطة الدولة أو القطاع الخاص كانت صفرا.
كما أن أرصدة مصر من الجنيه الإسترلينى المستحق لها فى مقابل كل ما قدمته من سلع وخدمات وطرق مواصلات لخدمة المجهود الحربى للحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية وكان يبلغ 400 مليون جنيه إسترلينى قد تم تبديده ولم يتبق منه إلا 80 مليون جنيه إسترلينى
كانت القاهرة ملك للأجانب "شركات وعقارات ونوادى ومحلات
كان هناك 7000 شخص من العشرين مليون مصري يمتلكوا مصر كلها منهم 900 مصري والباقى أجانب من شتى البلدان ويهود
كانت نسبة الأمية 80% من تعداد الشعب المصري
كان 45% من تعداد الشعب المصري مرضى بالبلهارسيا
كانت نسبة البطالة بين المصريين 46%من تعداد الشعب
كان الفلاح المصري لا يملك سوى جلباب واحد ويزرع أرضا لا يملكها كعبد بالسخرة
أثارت جريدة الوفد فى الثمانينيات هذه القضية أن مصر كانت دائنة لبريطانيا قبل الثورة والوثائق التاريخية تثبت أن المبلغ المتبقى من الدين وهو 80 مليون جنيه أسترلينى رفضت بريطانيا إعطاؤه لمصر طوال فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر نكاية فى عبد الناصر وسياساته ضدها ، ولم تفرج عنه إلا فى منتصف السبعينيات فى عهد السادات الذى أعترف بذلك فى مذكراته

كان المشروع القومى لحكومة الوفد الأخيرة قبل ثورة يوليو هو مكافحة الحفاء حيث كان حصول مصري على حذاء يماثل حصوله على سيارة اليوم
كان الملك فاروق أضحوكة صحف ومجلات العالم بفضائحه الجنسية والمالية
هل تعلم أن الملك فاروق كان يقيل الحكومات مقابل رشاوى من مليون جنيه وأنت طالع
هل تعلم أن كل من حوله كانوا غير مصريين وأنه كان يكره الحديث باللغة العربية

هل تعلم أن شركة قناة السويس دولة داخل الدولة لها علم خاص وشفرة خاصة وجهاز مخابرات خاص وحى خاص محرم دخوله على المصريين ، وكان رئيس الشركة يعامل كرؤساء الدول محاطا بكل مراسم التبجيل والاحترام ولا يجرؤ مسئول مصرى على حسابه عن شئ
.
و تثبت الوثائق الأمريكية و الفرنسية والإسرائيلية أن هذه الشركة دفعت من أموال مصر 400 مليون جنيه إسترلينى لدعم الجهد العسكرى للحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية ، كما قامت بدفع مبالغ مالية طائلة تقدر بعشرات الملايين للحركة الصهيونية فى فلسطين كتبرعات داعمة للمشروع القومى لليهود.
وبعد قيام إسرائيل أقامت معها إدارة شركة قناة السويس مكاتب للتنسيق المعلوماتى والمخابراتى بالتعاون مع جهاز الموساد ، كما واصلت دفع الأموال للكيان الصهيونى دعما له.
، وكانت خططها المستقبلية كلها مرتكزة على تمديد عقد امتياز القناة لمدة 99 عاما جديد هل تعلم أن هناك شوارع فى القاهرة والإسكندرية والإسماعيلية كانت حكرا للأجانب وممنوع دخولها للمصريين
هل تعلم أن الملك فاروق أسقط الجنسية عن أمه وشقيقاته بعد هروبهن لأمريكا وتنصرهن هناك .
هل تعلم أن 78% من مساحة فلسطين التاريخية ضاعت فى حرب 1948
هل تعلم أن الملك فاروق أنشأ جهاز إرهابى "الحرس الحديدى" لإغتيال خصومه السياسيين والعاطفيين أيضا فقد ينافسه وجيه على راقصة أو فنانة وهنا يأمر الملك الحرس الحديدى بالتعامل معه وإقصائه.
هل تعلم أن محنة الإخوان الأولى كانت عام 1948 عقب قتلهم لرئيس الوزراء وقتها النقراشي باشا وأنه فى سجون الملك الليبرالى تعرضوا لتعذيب عنيف بلغ حد اغتصاب الرجال لإجبارهم على الإعتراف بمعرفة عسكرى مخصص لهذا الغرض كان يطلق عليه العسكرى الاسود
هل تعلم أن حسن البنا تم إغتياله يوم عيد ميلاد الملك فاروق 11 فبراير 1949 بأمر الملك وعندما لم يمت من الرصاص تم إغتياله بالمستشفى التى تم نقله لها.
هل تعلم أنه كان هناك 70 ألف عسكرى بريطانى يحتلون بلدك ويعيثون فيها فسادا ولم يخرجوا من مصر إلا بمعاهدة الجلاء التى وقعها الضابط جمال عبد الناصر.
هذا غيض من فيض عن تلك الحقبة الفاشلة الكئيبة التى فشلت فى شتى المجالات والتى لم تكن فيها مصر ملكا لأهلها ،وهو رد مختصر للبلهاء الذين يحاولون تسويق بضاعة قديمة فاسدة لنا من جديد

الأربعاء، 28 مارس 2012

النكسة.....1967

محمد حسنين هيكل

الحديث التاسع

ثم يصلون إلى سنة 1967، وهزيمتها المؤلمة، يقولون:

- "والهزيمة... مسئوليته عن الهزيمة سنة 1967؟".

وأقول على الفور:

- إن جمال عبد الناصر مسؤول عمّا حدث سنة 1967، وقد قبل هو بتحمل كل المسئولية فيما جرى، وصارح بذلك شعبه وأمته، وكانت رغبتهما بعد ذلك معاً هى الطلب بأن يظل فى موقعه ويقود الحرب... لقد خسرنا معركة، ولكن الحرب مستمرة!

ولعلى أقول بعد ذلك أن مسئولية عبد الناصر، فى الدرجة الأولى، تنبع من سببين:

* السبب الأول: الخطأ فى حسابات عملية إغلاق خليج العقبة.

* السبب الثانى: الخطأ فى ترك المشير عبد الحكيم عامر يقود المعركة فعلاً، بينما هو - علمياً - لا يصلح لقيادتها، لأنه تحول فى الحقيقة عند رتبة الرائد، من ضابط إلى سياسى.

ومع ذلك، فلكى توضع مسؤولية جمال عبد الناصر فى إطارها العملى والتاريخى فإنه يتحتم علينا إلقاء نظرة واسعة على الصورة العامة للموقف السياسى والعسكرى، كما بدت أمامه وقتها.

... أولاً - أبدأ برؤيته العامة لمجرى الصراع العربى - الإسرائيلى.

كان جمال عبد الناصر حريصاً كل الحرص فيما يتعلق بالصدام المسلح مع إسرائيل لعدة أسباب:

1- كان يرى أن الصدام المسلح مع إسرائيل لابد فيه من حساب احتمالات التدخل الأمريكى، وهو احتمال قائم يستهدف فرض الهزيمة على العرب - إذا استطاع - أو سلبهم ثمار النصر - إذا استطاعوا - وإذن فإن نجاح الصدام المسلح فى رأيه كان مرهوناً بظرف دولى وعربى ملائم تكون فيه القوة الأمريكية مصابة بالشلل، أو يمكن إصابتها به.

2- كان رأيه أن القوات المسلحة المصرية تحتاج على الأقل إلى خمسة عشر عاماً تستوعب فيها سلاحها الذى حصلت عليه من الاتحاد السوفيتى، ولم يكن يقيس هذه المدة بتاريخ عقد أول صفقة سلاح سنة 1955، وإنما كان يقيس ابتداءً من سنة 1957 - ومن هنا، فقد كانت الفترة المحتملة للصدام المسلح فى تقديره هى الفترة الواقعة ما بين سنة 1972 وسنة 1975.

3- حتى يجىء هذا الوقت وتسنح فرصته، فقد كان جمال عبد الناصر يعتقد اعتقاداً راسخاً فى سياسة يسميها هو "سياسة السنطة وشعرة ذيل الحصان"، وهى تسميه مستمدة من حياة صعيد مصر وممارساته اليومية، وكان جمال عبد الناصر يشرح سياسته، فيقول:

"إن السنطة نوع من البثور يظهر على الجسم ويتكلس، وأهل الصعيد فى مصر يعالجونه بأن يجىء الواحد منهم بشعرة من ذيل حصان ويلفها حول النمو الدخيل على جسده، ثم يحكم شدها بحيث يحبس مرور الدم إليها، وتبدأ الإصابة بعد أيام تتجمد، ثم تبدأ فى الذبول، ثم تقع من تلقاء نفسها".

وكان رأى جمال عبد الناصر أن إسرائيل نمو دخيل فى وسط الجسد العربى، وأن مقاطعتها وإحكام الحصار من حولها وتشديد الضغط عليها كل يوم، سوف يؤدى إلى حبس الدم عن خلاياها، ومن ثم إلى ضمورها وسقوطها.

المهم أن نرفض التعامل معها باستمرار، المهم أن لا يخف حصارنا عنها طول الوقت، المهم أن تحس بضغطنا من حولها ليل نهار.. وحتى إذا اضطررنا بعد ذلك إلى استعمال القوة المسلحة، فإن استعمال القوة يجىء فى أكثر الظروف ملاءمةً.

وكانت له نظريته فى استعمال القوة المسلحة مع إسرائيل، كان يرى أن الظروف العالمية لا تعطى العرب فرصة تحقيق نصر حاسم نهائى فى معركة واحدة..

وهكذا ظل يتصور سلسلة من المعارك تحقق كل منها نصراً جزئياً - عسكرياً وسياسياً - ثم يكون من أثر تراكم هذه الانتصارات كلها أن يشعر المشروع الصهيونى فى فلسطين بأن لا أمل له فى البقاء.

... ثانياً - تصوره العام لمجرى الصراع سنة 1967.

مع بداية سنة 1967، فإن جمال عبد الناصر راح يتابع صورة التطورات فى الشرق الأوسط باهتمام مشوب بحذر شديد - لعدة أسباب:

1- كان يشعر أن علاقاته بالولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى نقطة عنف شديد عبر عنها قرار الرئيس الأمريكى "ليندون جونسون" بوقف بيع القمح الأمريكى إلى مصر.

2- لم يكن يستبعد، والأمر كذلك، أن تلجأ الولايات المتحدة إلى "الرادع الإسرائيلى"، كما فعلت بريطانيا وفرنسا فى حرب السويس سنة 1956.

3- كان يرى أن الظروف غير ملائمةً له عسكرياً بسبب وجود فرقتين من الجيش المصرى فى اليمن وقتها، وكان يقدر أنه إذا أرادت إسرائيل استغلال فرصة، فهذه هى الفرصة المتاحة لها، وكان قد حاول من قبل أكثر من مرة أن ينهى معركة اليمن، ولكن محاولاته جميعاً لم تصل إلى نتيجة، وتلك قصة أخرى على أى حال!

ومن المفارقات أن الملك حسين ملك الأردن بعث إليه فى ذلك الوقت برسالة مع الفريق عبد المنعم رياض، يحذره فيها من مؤامرة تستهدف جره إلى معركة فى ظروف غير ملائمة - وكان ذلك متفقاً مع إحساسه العام.

... ثالثاً - موقفه إزاء التهديد الموجه إلى سوريا.

عندما بدأ ليفى أشكول - رئيس وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت - وتبعه إسحاق رابين - رئيس هيئة أركان حرب الجيش الإسرائيلى - يوجهان التهديدات الصريحة إلى سوريا، ويتحدثان علناً عن "الزحف على دمشق"، بدأ جمال عبد الناصر يتقصى حجم الخطر الموجه إلى سوريا..

وتصادف فى ذلك الوقت أن كان أنور السادات فى موسكو عائداً من رحلة فى "كوريا الشمالية"، فإذا بالرئيس "نيكولاى بادجورنى" يطلب إليه نقل رسالة إلى عبد الناصر عن الخطر الموجه إلى سوريا، وعن استعدادات إسرائيل لتوجيه ضربة إليها.

وتواترت معلومات عن حشد ما بين تسعة ألوية إلى أحد عشر لواءً أمام سوريا.

ثم تلقى جمال عبد الناصر من دمشق تقريراً بعث به السفير السورى هناك وقتها، وهو الأستاذ صلاح الطرزى، يقول: "أن مصادر موثوق بها أكدت له أن الهجوم على سوريا قد تحدد بالفترة ما بين 16 و22 مايو".

وهكذا واجهته ضرورة اتخاذ قرار، فلقد تأكدت أمامه احتمالات ضربة عسكرية موجهة إلى سوريا، ولم يكن فى مقدور مصر أن تقف مكتوفة اليدين.

(ولست أعرف ماذا كانوا يقولون عنه أو عن مصر لو أنه وقف ساكتاً، ولم يتحرك، وترك سوريا للغزو وحدها؟!).

... رابعاً - قراره بالحركة لمساعدة سوريا وتخفيف الضغط عنها.

كان عليه أن يتحرك قبل 16 مايو.

وفى يوم 13 مايو أصدر قراراً بحشد قوات مصرية فى سيناء تأهباً واستعداداً..

ونستطيع أن نتصور اتجاهات تفكيره فى تلك الفترة من خلال مقابلة بينه وبين "الدكتور إبراهيم ماخوس" وزير خارجية سوريا الذى طار للاجتماع به فى القاهرة يوم 16 مايو.

وبدأ الدكتور ماخوس يروى أمامه معلومات دمشق عن الحشود الإسرائيلية ونواياها، وعن تأكيدات السوفيت لهذه الحشود والتحذير منها.

ثم قال الدكتور ماخوس: "أن السوفيت أبلغوا السفير السورى فى موسكو بأنهم سوف يبذلون كل جهدهم لمساعدة سوريا فى أى شىء تتعرض له، حتى ولو اضطروا للتدخل العسكرى".

وبدأ جمال عبد الناصر يتكلم، وكان قوله بالحرف الواحد، نقلاً عن الوقائع الرسمية لتلك المقابلة:

"ليس واضحاً أمامى ما يستطيع السوفيت عمله لمساعدتكم. تقديراتنا أنهم سوف يعطون تأييداً معنوياً، ولكنى لا أرى فرصة لتدخلهم عملياً".



سوف يساعدون فى الأمم المتحدة، وربما وجهوا إنذاراً لأمريكا وإسرائيل، ولكن غير ذلك، ماذا يستطيعون؟.. كيف يتدخلون عملياً عبر تركيا أو إيران؟".

واستطرد جمال عبد الناصر:

- "إننا بحشد قواتنا فى سيناء أردنا أن نقوم بمظاهرة كبيرة، ولكى يكون من هذه المظاهرة رسالة لإسرائيل تجعلها تفكر مرة ثانية.

ولكنى أرجوكم أنتم فى سوريا أن تضبطوا أعصابكم، ولا تدفعوا الأمور إلى نقطة الخطر.

إننى لا أريد أن أقفل باب التراجع وراء إسرائيل. أريدهم أن يتراجعوا بهدوء، ولا أريد أن أجعل هذه العملية صعبة عليهم، فمن الخطر فى أوقات الأزمات أن تغلق وراء عدوك باب التراجع إذا لم تكن تريد الصدام الفورى معه".

واستطرد جمال عبد الناصر:

- "خطتى الآن أن أترك قوات الطوارئ فى شرم الشيخ وغزة.

لقد طلبنا سحبهم من الخط الواقع بين "طابا" و"رفح" لفتح خط المواجهة أمام تدخلنا، لو اضطررنا إلى ذلك.

لكن خروجهم من "شرم الشيخ" سوف يؤدى إلى تعقيدات كثيرة، ثم أن خروجهم من قطاع غزة ليس فى صالحنا، لأننا لا نستطيع الدفاع عن القطاع فى حالة نشوب عمليات.. من ناحية لأنه ليس لنا فيه قوات ثقيلة بحكم اتفاقيات الهدنة، ومن ناحية أخرى لأن القطاع لا يسمح بأى مناورة فى الحركة.

وأريدكم فى دمشق أن تعرفوا أن الموقف دقيق، وعلينا أن نعالجه بأعصاب باردة، وأنا أطلب منكم أن تساعدونى بالامتناع عن أى عمل استفزازى فى هذه الظروف الساخنة".

وخرج الدكتور إبراهيم ماخوس، ويلفت النظر أن جمال عبد الناصر استدعى بعده مباشرةً سفير الاتحاد السوفيتى فى القاهرة، وهو وقتها السفير "بويجداييف"، وقال له:

- "إنى أريدهم أن يعرفوا فى موسكو أننا أخذنا بعض التدابير العسكرية بناءً على ما أكدوه لنا من معلومات عن الحشود الإسرائيلية.. إن ما قالوه لأنور السادات كان العامل الأكثر تأكيداً لما كان لدينا من معلومات. وبالتالى، فإنى أريدهم فى هذه الفترة أن يتنبهوا إلى ما يجرى فى الشرق الأوسط، خصوصاً وهم يتحملون - أدبياً - جزءً كبيراً من مسئولية تطورات الحوادث".

... خامساً - قرار إغلاق خليج العقبة.

كان الطلب المصرى الأساسى هو إخلاء قوات الأمم المتحدة من خط المواجهة بين "طابا" و"رفح"..

ولكن "يوثانت" السكرتير العام للأمم المتحدة، بناءً على نصيحة من مساعده الأمريكى الدكتور "رالف بانش"، قال إن "عمل قوات الطوارئ هو مهمة سلام لا تتجزأ".

وبالتالى "فليس هناك مجال لسحب جزء من القوة وإبقاء جزء منها، لأن وجود القوة فى رأيه "مهمة " تؤديها بالكامل أو تتخلى عنها بالكامل.

وإذن فهى إما أن تبقى فى مواقعها كما هى، وإما أن تنسحب من جميع مواقعها، وهذا حق مصر على أى حال بمقتضى اتفاقها مع سلفه داج همرشولد سنة 1957".

ولم يكن أمام جمال عبد الناصر من حل إلا أن يطلب سحب القوة من كل مواقعها، وإلا فإن هذه القوة سوف تكون مانعاً بينه وبين أى عمل لنجدة سوريا.

وكان طلب خروج القوة كلها.

ووصلت وحدات الجيش المصرى إلى شرم الشيخ.

وطرحت حكاية خليج العقبة نفسها على الموقف.

يقفل الخليج أو لا يقفل فى وجه الملاحة الإسرائيلية؟

إن إغلاق الخليج حق مصرى بمقتضى قوانين السيادة والحرب.

ثم إن إغلاق الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية كان مطلباً عربياً يلح به الكل على مصر، ولكن القرار لابد أن يصدر بعد دراسة مسئولة.

ودعيت اللجنة التنفيذية العليا لاجتماع طارئ، وطرح أمامها موضوع إغلاق خليج العقبة، وقررت اللجنة بإجماع الآراء إغلاق الخليج أمام الملاحة الإسرائيلية تمسكاً بحق السيادة، ونزولاً على مقتضيات حالة الحرب، واستجابةً لمطلب عربى ملح، ثم إقراراً بأمر واقع نشأ عن سحب قوة الطوارئ الدولية من كل سيناء.

اللجنة كلها - بإجماع الآراء - قررت، ولم يكن القرار انفرادياً من جمال عبد الناصر.

(الغريب أننى كتبت فى ذلك الوقت محذراً من مخاطر إغلاق خليج العقبة، قائلاً أن هذا القرار يعنى الحرب. ويومها اُتهمت علناً بالانهزامية، وبين الذين اتهمونى وقتها بعض الذين يتهمون جمال عبد الناصر اليوم بالتهور فى ذلك القرار!).

... سادساً - تقدير جمال عبد الناصر لاحتمالات الحرب.

فى ذلك الوقت كانت كل المعلومات تشير إلى أن اتجاه الحشود الإسرائيلية قد تغير، فلقد راحت القوات التى كانت فى شمال إسرائيل إلى جانب قوات أخرى - تندفع بأقصى سرعة إلى الجنوب.

واستدعى جمال عبد الناصر سفير الاتحاد السوفيتى مرة أخرى إلى مقابلته ليقول له:

- "أن الحشود كلها الآن على الجبهة المصرية.

لم يعد الخطر الإسرائيلى موجهاً إلى سوريا، وإنما هو الآن موجه إلى مصر".

وفى نفس الوقت كان تقدير جمال عبد الناصر كما يلى:

1- إنه سوف يبذل جهداً سياسياً مكثفاً لكى يحول دون اندلاع عمليات عسكرية.

2- إن نسبة احتمال نشوب عمليات عسكرية سوف تقل مع الوقت ومع نقل التركيز من المجال العسكرى إلى المجال السياسى.

3- إذا حدث ونشبت عمليات عسكرية فإن القوات المسلحة المصرية سوف تكون قادرة على خوض معركة دفاعية طويلة، إما على الخط الأول قرب الحدود الدولية، وإما على الخط الثانى فى وسط سيناء إذا اقتضى الأمر..

وإذا طالت المعركة الدفاعية فإن إسرائيل لا تستطيع تحمل استمرارها بوضع التعبئة العامة الكاملة.

4- إن نشوب عمليات عسكرية فى الشرق الأوسط سوف يخلق أزمة مواجهة عالمية، وذلك سوف يضغط بشدة من أجل وقف إطلاق النار وعودة القوات إلى مواقعها الأصلية.

وهكذا بدت المهمة الأولى أمام جمال عبد الناصر أن يتحرك سياسياً بأوسع ما يمكن.

... سابعاً - الحركة السياسية لجمال عبد الناصر وقتها.

فى تلك الظروف بدأ جمال عبد الناصر حركة سياسية، لعلها من أصعب ما قام به فى حياته، وكان يتحرك طول الوقت، وبأقصى ما يمكن من الفهم والحذر، وكان يشعر أنه فى سباق مع الزمن ومع الخطر.

وجاءته رسالة من الرئيس الأمريكى "ليندون جونسون" يناقش فيها تطورات الموقف معه، ثم يطلب إليه أن يبحث معه عن صيغة لمعالجة الموقف، ثم يقول فى نهاية الرسالة:

"أن الولايات المتحدة - وقوى أخرى - طلبت إلى السكرتير العام للأمم المتحدة يوثانت أن يطير إلى منطقة الأزمة، وأن يرى ما يمكن عمله على الطبيعة، وإنى أناشدكم أن تتعاونوا معه إلى أقصى حد ممكن".

ورد جمال عبد الناصر بأنه "سيبذل كل جهده ليفتح سبلاً أمام يوثانت، ولا يغلق أمامه طريقاً يمكن أن يؤدى إلى تخفيف حدة التوتر".

وتمكن جمال عبد الناصر من تجنيد كل جهد الجنرال ديجول الرئيس الفرنسى.

بعث إليه ديجول يرجوه أن لا يطلق الرصاصة الأولى.

ورد على ديجول بأنه لن يطلق الرصاصة الأولى.

ثم بعث إلى ديجول بملخص رسالة جونسون إليه، وأضاف إليها تأكيده بأنه سيبذل كل جهده للتعاون مع السكرتير العام للأمم المتحدة.

وحرك مجموعة عدم الانحياز كلها.

واستغل رصيده الضخم فى أفريقيا كواحد من مؤسسى منظمة الوحدة الإفريقية.

وحين جاء "يوثانت" إلى القاهرة، التقى به جمال عبد الناصر ومعه الدكتور محمود فوزى مستشاره للشئون الخارجية وقتها، والسيد محمود رياض وزير خارجيته وكان الاجتماع الحاسم مع يوثانت يوم 24 مايو.

وفى هذا الاجتماع بدأ جمال عبد الناصر يعرض تطورات الحوادث، ثم بدأ يعرض وجهات نظره، واستمر الحوار ساعات. ثم خرج يوثانت باقتراح محدد.

قال بالحرف:

- "سيادة الرئيس... نحن الآن نحتاج إلى وقت، ولذلك فإنى أفكر فى أن أطلب إلى جميع الأطراف أن يعلنوا "موراتوريوم" على "تصرفاتهم".

وسأله جمال عبد الناصر:

- ماذا تعنى "بموراتوريوم"؟

وقال يوثانت:

- "الامتناع عن الحركة.. تجميد الموقف على ما هو عليه..

أطلب منك مثلاً وقف إجراءات الحصار فى خليج العقبة.

أطلب من إسرائيل أن لا تتحدى الحصار.

وأطلب منك أن لا تفتش بواخر أطراف ثالثة.

وأطلب من كل الأطراف الثالثة أن لا تنقل بضائع استراتيجية إلى إسرائيل. أطلب تجميد الموقف".

وانتظر يوثانت ليرى أثر كلامه.

ولكن جمال عبد الناصر استأذنه فى أن يسمح له أن يتكلم بالعربية مع مساعديه: مستشاره الدكتور محمود فوزى ووزير خارجيته محمود رياض.. ودار حديث بين الثلاثة بالعربية، ويوثانت ينتظر.

والتفت جمال عبد الناصر إلى يوثانت وقال له:

- "إننى أريد أن أتعاون معك، إلى أقصى حد.

وإذا طلبت منى إعلان موراتوريوم فسوت أقبل، ولكن الأمر مرهون بقبول الأطراف الأخرى".

وقال يوثانت:

- لهذا فإنى لا أطلب ذلك منك الآن، وإنما سوف أطلبه بعد عودتى إلى نيويورك وبعد أن أتشاور مع كل الأطراف، وبالذات الدول الكبرى صاحبة العضوية الدائمة فى مجلس الأمن.

وسافر يوثانت.

ولم ينتظر جمال عبد الناصر ساكناً.

وإنما أصدر أوامره بتخفيف إجراءات الحصار عن خليج العقبة - إلا فيما يتعلق بالبواخر الإسرائيلية - وبتجنب أى حادث مفاجئ يمكن أن يفجره تطبيقها.

واصل اتصالاته مع ديجول.

وبعث وفداً خاصاً إلى موسكو.

وبعد أيام، وبالتحديد يوم 30 مايو جاءته الرسالة المنتظرة من يوثانت، وكان نصها - وأنا أنقل عن أوراق الأمم المتحدة - كما يلى بالحرف:

"سيادة الرئيس.

إننى أعرف من محادثاتى الأخيرة معكم ومع وزير الخارجية محمود رياض، أنكم تدركون تماماً الدوافع التى تدعونى إلى توجيه هذا النداء الشخصى والعاجل إليكم.

إنكم سوف تلاحظون أن ما أطلبه منكم ينبع فقط من رغبتى ومن مسئوليتى العميقة التى تدعونى إلى عمل كل شىء فى استطاعتى من أجل تفادى كارثة نشوب حرب جديدة فى الشرق الأوسط.

وخلال زيارتى للقاهرة فإن موقفكم وسياستكم فى مسألة خليج العقبة قد جرى إيضاحها لى، وأريد أن أركز على الأهمية الكبرى التى أعلقها على رد فعل إيجابى من جانبى لمناشدتى هذه لكم، بدون تأثير ضار على موقفكم أو سياستكم.

إننى أطلب وقتاً، ولو فسحة محدودة من الوقت، لكى أستطيع أن أعطى فرصة للمشاورات وللجهود الدولية التى تحاول أن تبحث عن مخرج من الموقف الحرج الراهن..

وأريد أن ألفت انتباهكم بصفة خاصة إلى ما قلته فى تقريرى إلى مجلس الأمن بتاريخ 26 مايو. إننى أرى أن إيجاد مخرج سلمى من هذه الأزمة يتوقف على فسحة من الوقت يمكن فيها تخفيف حدة التوتر من مستواه المتفجر الحالى.

وبناء على ذلك فإننى هنا أدعو جميع الأطراف المعنية إلى ممارسة ضبط النفس، وإلى تجنب أى أعمال عدائية يكون من شأنها زيادة التوتر..

وهدفى من ذلك أن أعطى مجلس الأمن فرصة لعلاج المشاكل التى تنطوى عليها الأزمة، والبحث عن حلول لها.

وإنى الآن أناشدك يا سيادة الرئيس، كما أناشد رئيس الوزراء أشكول وكل الأطراف المعنية إلى ممارسة الحذر عند هذا المنعطف الخطير.

وبالذات، وبدون طلب أى تعهدات منكم، أو حتى رد - فإنى أريد أن أعرب عن الأمل فى أن تمتنعوا خلال مدة أسبوعين من لحظة استلامكم لهذه الرسالة - عن أى تدخل فى الملاحة غير الإسرائيلية عبر مضايق تيران.

وفى هذا الخصوص فهل لى أن أخطركم - وفى كل الأحوال - أن لدى من الأسباب ما يجعلنى أفهم أنه فى الظروف العادية فإنه ليس متوقعاً أن تحاول أى باخرة إسرائيلية عبور مضايق تيران خلال مدة الأسبوعين المحددين.. بل إنى أستطيع أن أؤكد لكم، حسب أدق المعلومات لدى، بأنه خلال السنتين والنصف الأخيرتين لم تقم أى باخرة ترفع العلم الإسرائيلى بالمرور فى مضايق تيران.

وأستطيع أن أكرر لكم، يا سيادة الرئيس، أننى بصفة خاصة، وكذلك المجتمع الدولى كله بصفة عامة، سوف نقدر تقديراً كبيراً هذه المبادرة من جانبكم.

وأرجوكم أن تقبلوا يا سيادة الرئيس أصدق أمانى واحترامى الشخصى.

يوثانت

هذه البرقية - وهى تنشر الآن لأول مرة - كان لها تأثير كبير فى القاهرة، وكانت دراستها تفصيلاً تعطى إشارات واضحة:

1- إن هذه الرسالة لم تكن لتصدر عن يوثانت إلا وهى موضع اتفاق بين القوى الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة.

2- إن التأكيد على عدم توقع مرور بواخر إسرائيل تتحدى الحصار معناه أن يوثانت كان على اتصال مباشر أو غير مباشر بإسرائيل.

3- إن حدة الأزمة ربما تتوقف عند الدرجة التى بلغتها الآن.

4- إن هناك أسبوعين قادمين من الانتظار قبل أن تتحرك الحوادث.

كانت هذه الرسالة بتاريخ 30 مايو.

ثم تأكد هذا كله برسالة الرئيس "جونسون" المباشرة إلى جمال عبد الناصر يرجوه فى مقابلة ممثل شخصى له، وهو "روبرت أندرسون"، الذى جاء بالفعل وقابل جمال عبد الناصر، ثم تم الاتفاق بينهما على رحلة يقوم بها نائب رئيس الجمهورية المصرى السيد زكريا محى الدين إلى واشنطن لمقابلة الرئيس "جونسون" والتباحث معه. ثم غادر "أندرسون" القاهرة، وبعث إلى جمال عبد الناصر ببرقية من روما يؤكد فيها أن الرئيس الأمريكى سوف يكون فى انتظار زكريا محى الدين صباح يوم الثلاثاء 6 يونيو!.

... ثامناً - ماذا حدث إذن بعد ذلك؟

كان من حق جمال عبد الناصر أن يستريح، وأن يتصور أن التوتر تخف حدته، والغريب أنه لم يسترح وإنما ذهب يوم الجمعة 2 يونيو ليحضر اجتماعاً للقيادة العامة للقوات المسلحة، يقول فيه:

- إنه يخشى من الأيام الثلاثة القادمة.

وكان فى تلك الفترة بين عاملين:

* عامل الاطمئنان على سير تطورات الحركة السياسية.

* عامل القلق على احتمالات ضربة إسرائيلية مفاجئة، ثم كان فى ذهنه أنه مهما كانت الظروف فإن القوات المسلحة قادرة على خوض معركة دفاعية طويلة النفس.

وما لم يكن يعرفه جمال عبد الناصر فى ذلك الوقت هو أن الولايات المتحدة - كما ثبت عملياً فيما بعد - كانت تتحرك بسياستين:

* سياسة فى وزارة الخارجية.

* وسياسة أخرى فى وكالة المخابرات المركزية.

كانت وزارة الخارجية تتعامل مع يوثانت... أو هكذا تقول!

وكانت المخابرات المركزية تتعامل مع المؤسسة العسكرية فى إسرائيل وهذا الآن مؤكد!

وجاء صباح يوم الاثنين 5 يونيو، واختلفت التطورات مع تقديرات جمال عبد الناصر، خصوصاً فيما يتعلق "بمعركة دفاعية ذات نفس طويل".

ووقع الخطئان القاتلان:

1- ضربة الطيران الإسرائيلى، والطريقة التى نجحت بها هذه الضربة.

2- قرار الانسحاب من سيناء، وقد صدر صباح 6 يونيو.

وأخفيت جسامة ضربة الطيران عن جمال عبد الناصر... ولم يعرف بقرار الانسحاب، إلا بعد صدوره بوقت طويل. ولا أريد أن أخوض هنا فى تفاصيل أكثر..

... تاسعاً - الهزيمة.

لقد نسينا عندما وقعت الهزيمة أن حربنا مستمرة.

1- كان شعورنا بالمهانة شديداً، ولهذا أسباب تبرره، ولكننا كان يجب أن ندرك أن بين أهداف أعداء العرب تلطيخ سمعة الجيش المصرى، وإقناع الشعب المصرى والأمة العربية أنه ليس فى مقدور أيهما أن يعتمد عليه. كان من أهدافهم أن يسقونا الشعور بالمهانة، وأن يترسب هذا الشعور بالمهانة إلى أعماق أعماقنا... وساعدناهم وشربنا.

لقد هزمت أمم قبلنا فى معارك، ولكنها لم تعتبر هزيمة معركة خسارة للحرب، طالما أنها تملك إرادتها.

لم تشعر أمريكا بالمهانة بعد "بيرل هاربور" وقيام السلاح الجوى اليابانى بتدمير كل الأسطول الأمريكى... وإنما شعرت بالتصميم.

ولم تشعر بريطانيا بعد الهزيمة الساحقة فى "دنكرك"... وإنما شعرت بالتصميم.

بل أن فرنسا التى استسلمت لهتلر.. استغلت مقاومة ضابط واحد رفض الهزيمة، وهو "ديجول"... واعتبرته ممثلاً لإرادتها، واعتبرت انتصار الحلفاء انتصاراً لها.

أما نحن، فلم نفعل ذلك.

كانوا يريدون أن يصدروا لنا المهانة... وكنا نحن على استعداد، وبشدة، أن نستوردها!

2- كان الشعور فى العالم العربى بخيبة الأمل شديداً - وكان له ما يبرره بطبيعة الحال - ولكن كان لا بد أن يتذكر الجميع أنه بداية ونهاية ليس هناك غير هذا الجيش المصرى فى الخط الأول - ومع جيوش عربية أخرى - يستأنف القتال.

3- الغريب أنه مع ظهور دور "التواطؤ" الأمريكى، فقد ظل اللوم يصب على مصر وقيادتها وجيشها بمنطق هؤلاء الذين "لا يقولون للضارب لا تضرب ولكن يقولون للمضروب لا تصرخ"!

... عاشراً - مسئولية جمال عبد الناصر.

وجمال عبد الناصر مسئول، ولا يمكن لأحد أن يعفيه من مسئوليته، بل ولم يقبل هو بديلاً عن الاعتراف بها كاملة، ولم يتمسح بشىء، ولا توارى خلف أحد.

وعندما يجىء وقت الحكم التاريخى عليه فى مسألة الهزيمة، فلابد أن توضع فى الاعتبار عوامل كثيرة:

1- ظروف الأزمة وتداعيها، وهل كان فى وسعه أن يتقاعس عن نجدة سوريا؟

2- قيادته للحركة السياسية فى الأزمة، والطريقة حاول بها تفادى الانفجار.

3- تمثيله للإرادة العربية فى الصمود بعد الهزيمة، وهذا فى حد ذاته من أمجد مواقفه، فالهزيمة الحقيقية هى هزيمة الإرادة، وليست الهزيمة هى التراجع عن أرض... خصوصاً وأن الصراع طويل ومستمر.

4- نجاحه فى إعادة بناء القوات المسلحة فى ظرف ستة شهور من الهزيمة.

5- عودته إلى ميدان القتال طبقاً لسياسة الدفاع - والردع - والتحرير، وقد بلغت عودته إلى ميدان القتال قمتها فى حرب الاستنزاف التى هى الجولة الرابعة فى الحرب العربية - الإسرائيلية.

6- استعداده وتخطيطه لمعركة التحرير.

7- ثم أن الهزيمة بكل مسئولياتها يجب أن توضع فى إطارها من كفاحه كله، فلم تكن معركة 5 يونيو هى معركته الوحيدة، وإنما كانت واحدة من معاركه... نجح فى بعضها، ولم ينجح فى البعض الآخر.

وبعد مئات السنين، وحينما يكتب التاريخ بشرف وأمانة، وبغير أحقاد وعقد، فإن التاريخ سوف ينصف جمال عبد الناصر حتى فى هزيمة سنة 1967... أبسط ما سوف يقال عنه:

أنه كان رجلاً... تحمل مسئوليته بشجاعة، وتقبل الحساب عنها فى كبرياء..

ومثل كرامة وإرادة أمة بأسرها فى يوم من أحلك أيامها... وكان وسط الظلام والعواصف والمؤامرات الدولية: إنساناً آمن بوطنه وأمته وبمثلهما العليا، وأعطى حياته لخدمة هذه المثل بشرف، وأصاب مرات وأخطأ مرات، لكنه حارب طول الوقت بإيمان ويقين، ولم يستسلم حتى النفس الأخير.. وكذلك يفعل الرجال.

القومية العربية ....والزمن الجميل والتحديات القائمة

بقلم / سميح خلف

القومية العربية ويرافقها الوحدة العربية أي اعلان حالة التمرد على سايكس بيكو ونتائج الحرب العالمية الأولى والثانية واعلان صريح للأمة العربية أن تتوحد بروابطها المشتركة من أجل الاستقلال والتنمية والرخاء وأن تكون الأمة العربية لها فضاء خاص بها يناطح الفضائيات الأخرى في عصر القوتين العظمتين وإذا ما قدر الله ولم يتلقى فكر القومية العربية انتكاسات مميتة لأصبح فضاء الأمة العربية يناطح الفضاءات الأخرى التي هيمنت عليها أمريكا في عصر انهيار الاتحاد السوفييتي وظهور الفضاء الصيني والفضاء الهندي والفضاء الأوروبي .

دعونا نتحدث عن العصر الجميل لنهضة الفكر القومي العربي الذي بدأ بإنبثاق ثورة 23 يوليو التحررية بقيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر رائد الفكر وصاحب الخطوات التطبيقية في الاتجاه الصحيح نحو بناء الداخل كخطوة أولى لتوحيد المسار العربي من منطق التكنولوجيا والقوة والعدالة الاجتماعية ، حينها توحدت الجماهير العربية لتقول :-

من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر ِ .....لبيك عبد الناصرِ

لقد كان لفكر ثورة يوليو وانطلاقتها البعد الثقافي على الأمة فلقد أحيا عبد الناصر ما كان قد دفن من حملات وغزوات متتالية وتقسيمات للأمة العربية ولذلك قالت الجماهير " يا جمال ....يا حبيب الملايين " أي أن ثورة يوليو قد حققت الجانب الموضوعي والجانب العاطفي لدى الانسان العربي .

ثورة يوليو بقيادة المارد العربي التي حطمت الأسوار والأسلاك الشائكة وكانت على مرمى حجر من توحيد الشعوب العربية بعد أن رسمت ثقافة عربية موحدة أمام المعضلات التي واجهت الأمة بدء من حلف بغداد إلى الصراع العربي الصهيوني إلى الاستعمار الفرنسي في الجزائر والاستعمار البريطاني لليمن .

انجازات كثيرة ومتعددة على المسار الداخلي لمصر العظيمة وعلى المسار الخارجي على المستوى الاقليمي والدولي حققتها ثورة يوليو بقيادة الزعيم العربي جمال عبد الناصر .

لقد كانت ثورة يوليو هي الشرارة الاولى لأن ينهض البركان العربي من تحت الصخور التي رسمها الاستعمار ووضع أوزانها فكانت ثورة الجزائر العظيمة بقيادة بن بلا وكانت الثورات المتتالية في العراق وكانت الثورات في اليمن في جنوبه وشماله ضد التعفن والرجعية والجهل والاستعمار وكانت الرئة الأخرى للوطن العربي سوريا الحبيبة أيضا ًالتي استجابت مع نهضة الفكر القومي العربي باعلان الوحدة بقيادة شكري القوتلي مع جمال عبد الناصر ،انها خطوة رائدة وان لم يصادفها النجاح كثيرا ًولكن كانت خطوة بينت حجم التحدي التي توجهه الأمة العربية .

لا أريد هنا أن أدخل امام المشككين في مهاترات لا تخدم إلا ذوي الرؤية الضيقة وذوي الإقليمية والتشرذم ، تلك الثقافة التي حملتها الأنظمة المرتدة والانقلابية على واقع الأمة وأطروحاتها القومية ، فمصر عبد الناصر هي الحديد الصلب التي بيعت شركاته وهي المصانع للأنسجة الحريرية والقطن وهي المصانع للورق ، وهي أيضا ًالمصانع للأسمدة الكيميائية وهي المصانع الحربية أيضا ًوهي القطاع العام الذي عملت القوى على تحطيمه بنظام الخصخصة بزعم عدم جدوى المنظومة الإدارة والانتاجية للقطاع العام ، كل ذلك كي يرتبط الاقتصاد باملاءات الصندوق الدولي والرؤية الأمريكية ولترتبط الدول العربية بسياسة الدولار الذي يتهاوى الآن والذي يعاني من الركود والانهيار الذي يدل على انهيار أمريكا وأولا ًوأخيرا ًبفعل المقاومة العربية وتكاليف الحرب والغزوات على العراق وأفغانستان ، ونسجل هنا للمقاومة العربية في العراق وللمقاومة الاسلامية في أفغانستان أوسمة الشرف والعزة أمام تصديها لأعظم القوى غطرسة وقتل وتدمير .

جمال عبد الناصر يعني العدالة الاجتماعية ويعني النصرة للفلاح وللعامل التي ضاعت مصالحه أمام القطط السمان التي أفرزها نظام الخصخصة الامبريالي .

لقد صدقت مقولة ماركس أن الرأسمالية أعلا مراحل الرجعية ولابد للنظام الرأسمالي أن ينهار بما يمتلك من دكتاتورية اقتصادية على حساب المجموع ولا أريد هنا أن أدخل في تشريح للمنظومة الرأسمالية وأساليبها في سرقة واستغلال الدول النامية والكادحة ولكنني أريد أن اذكر أن ماكين مرشح الرئاسة الأمريكي ذكر الأسبوع الماضي كرؤية لعلاج الأزمة الاقتصادية الأمريكية المنهارة " بمنظومة اعادة توزيع الثروة في أمريكا " ومن هنا عاد ماكين والنظام الرأسمالي إلى مقولة الزعيم القومي معمر القذافي وما أتى به من فكر اقتصادي واجتماعي وسياسي لمعالجة قضايا الغبن والظلم في المجتمعات وسيطرة الأقوياء على الضعفاء ، فلقد كان للقذافي الابداع الأول في فكر اعادة الثروة وتوزيع الثروة على الشعب لتلافي أزمات الاستغلال والقطط السمان ، ومن هنا أمريكا تتعلم الدرس من فكر أحد رواد الفكر القومي في عالمنا العربي .

عبد الناصر لم يخدع أحدا بل وضع يديه على جرح الأمة ووضع الفكر العلاجي لهذا الجرح والشعب العربي لم يشرب الخديعة ولكن الأمة العربية مستهدفة في فكرها وثقافتها وتاريخها وليس غريبا في عصر العولمة الأمريكية والاقليمية والقطرية والتشرذم أن تكتب كثير من الأقلام المشبوهة لتطعن في الفكر القومي وروداه وتغذي عناصر الردة والرجعية والانغلاق تحت مغلف سايكس بيكو وآخرهم وليس بآخرهم المدعو " مينا ملاك عازر " والتي نشرت مقاله جريدة المصري ، فلقد تحول الوطن العربي بعد النكسة القومية بفقدان الأمة العربية جمال عبد الناصر إلى حلقات من التشرذم والانغلاق وكان ذلك عن طريق الأقلام المسمومة والتي لا تمت لواقع الأمة العربية بصلة ويؤرقها أي فكر وحودي وقومي ، تلك الأقلام التي تجهز لسيطرة أكبر على الوطن العربي من الدول الاستعمارية لاستغلال ثرواتها واستغلال امكانياتها وضمانة للكيان الصهيوني بأن يستمر ويتمدد عن طريق التمركز في فلسطين والامتداد عبر ما يطرح من عمليات تطبيع وكانت دعوة بيريز للأمة العربية وأنظمتها في زيارته الاخيرة للقاهرة دعوة واضحة لكي تتجاوز الأنظمة أصول المشكلة وأزمة هذا الكيان المغتصب لفلسطين بدعوته لمفاوضات مباشرة مع العرب تحت بند المبادرة السعودية التي تسقط حق العودة للاجئين الفلسطينيين وقضية القدس وانهاء القرارات الدولية وتجميدها والغائها ، المهم تلك الأقلام التي تقول دعو مصر للمصريين واليمن لليمنيين والدولة الفلانية للفلانيين وكأن الأمة العربية هي عدوة نفسها بناء على منطق الحدود والأشواك ، تلك العقليات التي تحاول ان تنسج ثقافة لدى المواطن العربي ، فتارة تهاجم المصريين والمصريين يهاجمون مواطنيين الدولة الفلانية ومواطنين الدولة الفلانية يهاجمون اللاجئين الفلسطينيين بحجة التوطين الذي يرفضه الفلسطينيين جملة وتفصيلا ًالمهم أن تلك الأقلام تحاول أن تنسج من الخيال ما تطرحه الصهيونية وأمريكا من فكر ثقافي لتجزئة الأمة وتجزئة ثقافتها وتجزئة تحديها لمشاكلها ، غريبة تلك الثقافة التي انصاع لها كثير من المواطنين العرب وكأن العرب أعداء نفسهم وأصبحوا أخطر من أمريكا وإسرائيل على مصالح بعضهم شيء غريب فعلا ً.

لم نسمع إلا في عصر العولمة الأمريكية والنظام الرأسمالي المنهار عن مجلة اسمها المصري وقطعاً سيولد مجلات وصحف تتحدث عن ذاتية المواطنة لكل قطر عربي وهذه نقطة خطرة في الفكر الانسلاخي والتشرذمي الذي يطرح على المواطن العربي .

منذ وفاة نسر الأمة العربية جمال عبد الناصر حاولت تلك الأقلام وتلاميذها المستجدين أن يبخسوا في انجازات ثورة يوليو فتارة يقولون أن السد العالي الذي كان معجزة في عصره قد أضر بالأرض الزراعية ، وتارة يقولون بدون الاحتكام للمدة والزمن أن هناك محطات قوى كهربائية أنشأت أضعاف ما حققه عبد الناصر في السد العالي ، كل ذلك حقد دفين على انجازات ثورة يوليو وعادوا من جديد ليفرضوا القيود على الفلاحين ليعيدوا الأرض للإقطاعيين وقالوا أن عبد الناصر هزم في 67 وهزم في 56 ولكن نقول لهم ماذا حققتم والقدس تهود الآن وماذا حقق الفكر التشرذمي والاقليمي والقطري ونقول لهم أيضا ماذا أنتم فاعلون وثرواتكم مرصودة لتنمية الاقتصاد الأمريكي المنهار وملايين الجوعى في الأمة العربية إنكم تزيفون التاريخ وتتحايلون لمصلحة أسيادكم من دوائر الامبريالية والرأسمالية المنهارة .

الزمن الجميل للفكر القومي العربي الذي يعتبر العدو اللدود للفكر الرأسمالي ومن هنا كان التآمر كبير على فكر عبد الناصر وفكر البعث في العراق بقيادة الشهيد صدام حسين وكان التآمر شديد أيضا ًعلى فكر ثورة الفاتح من سبتمبر واستمراريتها وكان التآمر على الفكر القومي في الجزائر والتآمر على الفكر القومي في اليمن والتآمر على الفكر القومي في سوريا والتحديات جمة ولكن المعركة لم تنتهي بعد ولم تفقد الأمة كوادرها من القوميين الوحدويين لأنهم على ثقة بان الأمة العربية لن تنهض من ليلها إلا بالوحدة والقفز على كل ثقافات التشرذم والانغلاق والعنصرية التي تحاول ان تزرعها تلك الأقلام تحت مقولة الثروة لكذا وكذا ، ولم يسألوا أنفسهم كم من الثروة تسرقها أمريكا وغير أمريكا وهل يمكن للمواطن العربي الصغير والبسيط أينما وجد في الأرض العربية أن يسرق ثروة أمته ،إنما أخفي كان أعظم فلتتحد السواعد المؤمنة بحتمية الوحدة العربية وتحقيق القومية العربي فالقومية العربية لا انفصال لها عن واقعها الاسلامي الذي يحتم الوحدة بين الأمة الاسلامية والقومية العربية والوحدة العربية هي الطليعة والقوة الأولى لتحقيق مجتمع عربي موحد وفضاء عربي موحد وستبقى المعركة قائمة مع كل حملات التشويش التي تقوم بها الأقلام المغرضة على الفكر القومي وأعلامه ورواده فمطلوب أن تفقد الأمة الثقة بروادها وثقافتها وأن يدخل علينا ثقافة وفكر " سنوات الضياع " ، ونور ، ولا مكان ولا وطن ومجموعة" mbc وتحميل أزمات المواطن العربي على قضية فلسطين واللاجئين كشماعة تحجب نقاط الفشل في نظام الخصخصة والرجعية والانقلاب على الفكر القومي .





عبد الناصر والحركة العربية العامة

محمد حسنين هيكل
الحديث الثامن

ويقولون - ضمن ما يقولون - عن جمال عبد الناصر:

- لقد انقض على الأرض العربية كأنه الإعصار... زرع الشوك وحصد الورد، وأشاع الفتنة، وحبس الود بين أبناء الأمة الواحدة!!

فهل هذا صحيح؟

لكى نستطيع اختبار صحة هذا القول - ومثله - فربما كان مفيداً أن نعود بنظرة على الأرض العربية قبل جمال عبد الناصر:

1- كان الاستعمار البريطانى ما زال يقاوم شبه الجزيرة العربية، وفى مصر، والسودان، وليبيا، لكى يحتفظ بمواقعه المسيطرة القديمة، وكذلك كان يفعل الاستعمار الفرنسى فى شمال أفريقيا.

وكانت الشعوب العربية تقاوم السيطرة، ولكن ردها كان أضعف من التحدى، خصوصاً بعد أن حقق الاستعمار نجاحه الكبير بإنشاء إسرائيل قاعدةً له فى قلب الأمة العربية، تقطع امتداد أرضها، وتعوق وحدتها، وتمتص جهودها أولاً بأول.

وكانت قوى السيطرة الأمريكية واقفة على الباب تنتظر نتيجة المعركة الدائرة بين الاستعمار التقليدى وبين الوطنية العربية، وكانت خطتها أن تتقدم لتمسك بزمام الأمور إذا تحول اتجاه المعركة ضد الاستعمار التقليدى.

أو إذا عجز هذا الاستعمار التقليدى عن مواصلة دوره، بسبب الاستنزاف الذى تعرض له فى الحرب العالمية الثانية، ومثل هذا حدث فى تركيا واليونان، اللذين كان لبريطانيا فيهما دورٌ خاص اضطرت للتخلى عنه للولايات المتحدة التى أعلنت "مبدأ ترومان" وهرعت إلى التواجد العسكرى والسياسى فى تركيا واليونان سنة 1950.

ويلفت النظر أن هذه هى السنة نفسها التى تبلور فيها مشروع منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط "ميدو" - كما أطلق عليها وقتها - ليكون حلقة فى سلسلة أحلاف الغرب المعادية للاتحاد السوفيتى - يملأ الفجوة المفتوحة بين حلف الأطلسى "ناتو"، وحلف جنوب شرق آسيا "سياتو" - وكانت هذه الأحلاف كلها تحت القيادة الأمريكية.

2- فى نفس الوقت كانت دلائل الصراع الاجتماعى - الصراع الطبقى - موجودة فى المنطقة، تعكس نفسها داخل كل بلد عربى، كما تعكس نفسها عبر كل الحدود العربية.

إن تعبير "الصراع الطبقى" ما زال يخيفنا، وما زلنا نتصوره شحنات من الكراهية، وذلك لا مبرر له. وإذا نظرنا إلى تاريخنا الاجتماعى - نظرة صدق موضوعى - لوجدنا على سبيل المثال:

أن الثورة التى قادها الملك عبد العزيز آل سعود كانت فى حقيقتها تعبيراً عن صراع طبقى دار فى إطار قبلى، وهو يصلح ليكون نموذجاً تقليدياً لنظرية ابن خلدون الشهيرة عن دورة الصراع بين البدو والحضر، وبين القبائل والمدن.

بل إن الخلافات الشهيرة فى ذلك الوقت بين الأسر الحاكمة فى المنطقة العربية كانت بشكلٍ ما تعبر عن صراع طبقى بين حكام مجتمعات القبائل وحكام مجتمعات التجار.

أعود إلى ما كنت أقوله:

كانت بوادر الصراع الطبقى موجودة فى كل بلد عربى.

وفى مصر مثلاً كان هذا الصراع بعد 26 يناير 1952 مشتعلاً بحريق القاهرة، ملطخاً بالدم الذى أساله العنف فى سنوات القلق التى عانتها مصر قبل الثورة.

ثم كانت بوادر الصراع الطبقى موجودة عبر الحدود العربية، متمثلةً فى خلافات الأسر الحاكمة، والحروب الصغيرة، وغارات الحدود، إلى آخره. وكان ذلك شيئاً طبيعياً من طبائع الحركة التاريخية ذاتها.

بل إننا نرى الآن أمام عيوننا صراعاً طبقياً يجرى على مستوى العالم كله، وليس على مستوى منطقة محددة ومحدودة فيه.

أليس هناك الآن نوع من الصراع الطبقى بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة، يطلقون عليه - مجازاً - تعبير الصراع بين الشمال والجنوب؟

أليس حقيقياً أن جزءً كبيراً من التأييد الضخم الذى تلقاه الثورة الفلسطينية فى المجتمع الدولى، وفى الأمم المتحدة بالذات، يرجع إلى تعاطف كل المحرومين فى العالم النامى مع ثورة المحرومين من كل حق فى فلسطين؟

أليس حقيقياً أن الصراع الطبقى على المستوى العالمى هو من أكبر الأسباب التى دعت كوبا إلى الوقوف جنباً إلى جنب مع جنود الحركة الشعبية لتحرير أنجولا؟

إن كوبا - جغرافياً - لم تكن فى القارة، ولكنها - اجتماعياً - وقفت مع ثوارها. وجنوب أفريقيا - جغرافياً - جزء من القارة، ولكنها - بانتمائها الاجتماعى - وقفت ضد ثوارها.

3- كانت المنطقة كلها، رغم موقعها الاستراتيجى - وهو حقيقة اكتشفت من قديم الزمان - ورغم ثروتها المحتملة - وهى حقيقة اكتشفت على الأقل منذ بداية القرن - لا تمثل بذاتها أى قيمة، فى موازين القوى العالمية، فقد كان ثقلها كله يعود إلى من يسيطر عليها ويمسك بمقاديرها من بين القوى الكبرى الغالبة.

ولم يكن الاستعمار يحكم بنفسه، وإنما كان يستخدم عناصر ارتبطت مصالحها بمصالحه، وتناقضت بالتالى مصالحها مع مصالح الجماهير التى تسلطت عليها.

وبالتالى، فقد كان كفاح شعوب المنطقة لتحقيق ذاتها وتأكيد تأثيرها على موازين القوى عن طريق التخلص من السيطرة السياسية - هو فى نفس الوقت صراع اجتماعى ضد الاستغلال المحلى بأشكاله المختلفة.

ومن هذه الحقيقة الرئيسية، فلقد تداعت حقائق أخرى، أبرزها أن الحكم على أصالة أى حركة وطنية سياسية أصبح مرهوناً برؤيتها الاجتماعية.

كانت الصراعات إذن قبل جمال عبد الناصر موجودة بالطول وبالعرض على الأرض العربية، ولم يأت بها جمال عبد الناصر من عنده، ولا التقطها من الفراغ التقاطاً لكى يفرضها على الأمة وشعوبها.

ومع ذلك فلنأخذ مثالاً نطبق عليه، ولنأخذ المثال من أول خلاف عربى قاده جمال عبد الناصر، وهو خلاف اختفى الآن جميع أبطاله، وهذا مناسب لأنه يطرح كل الحساسيات جانباً.

لنأخذ خلافه مع نورى السعيد ما بين سنة 1953 إلى سنة 1958، ففى تلك السنوات الخمس انقسم العالم العربى على نفسه كما لم ينقسم من قبل ولا من بعد.

كان موضوع الخلاف هو حلف بغداد - الذى قام تطويراً لفكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط "ميدو" - وهل ينضم إليه العرب بحثاً عن مستقبلهم، أو لا ينضمون إليه حرصاً على مستقبلهم؟

نأخذ هذا الخلاف، وحجج الطرفين فيه، ونقارن:

- كانت مصر، ومن قبل الثورة - وتابعتها فى ذلك دول عربية أخرى - قد رفضت فكرة منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، فقد وجدتها صيغة جديدة من صيغ السيطرة الاستعمارية.

ثم عرض هذا المشروع على جمال عبد الناصر بعد الثورة، فكرر رفضه أيضاً.

وكان جمال عبد الناصر أكثر وضوحاً فى رفضه، فقد كان يريد للعرب أن يقيموا "نظاماً عربياً" شاملاً لهم على أساس وحدة الأمة مصلحةً وأمناً.

ولا يريد نظام "شرق أوسط" يقوم على تعبير جغرافى اخترعته أثناء الحرب العالمية مطالب هذه الحرب وإستراتيجياتها.

وكان جمال عبد الناصر يرى أن "نظام الشرق الأوسط" سوف يشمل تركيا وإيران وباكستان، وربما إسرائيل أيضاً ولو حتى بطريق غير مباشر.

ولم يكن يرى وحدة مصلحة أو أمن بين العرب وبين هذه الدول.

وربما كان يرى معها - باستثناء إسرائيل - فرصة للتعاون والتنسيق، ولكن النظام يجب أن يكون غير النظام.

ولم يكن عنده مانع أن تنضم تركيا وإيران وباكستان إلى حلف للنطاق الشمالى من الشرق الأوسط، لكنه بالنسبة للعرب كان يتصور شيئاً آخر: نظام عربى - كما قلت - يستند على:

* جامعة الدول العربية - إطار سياسى.

* ميثاق الدفاع العربى المشترك - عمل عسكرى موحد.

* سوق عربية مشتركة - اقتصاد يتكامل باستمرار.

- فى مقابل ذلك، خرج نورى السعيد برأىٍ آخر يؤيد حلفاً مع الغرب، وكان رأيه أن بريطانيا لن تخرج من مصر والعراق إلا إذا اطمأنت إلى أنه ليس هناك فراغ دفاعى ينشأ فى المنطقة بعد خروجها، وبالتالى فالارتباط بالأحلاف هو الوسيلة للخلاص من الاحتلال.

وكان نورى السعيد يرى أيضاً أن عهد الاستقلال التقليدى قد انتهى، وأن العالم الآن فى مرحلة "الاعتماد المتبادل" بين عديد من الأطراف التى تتفق مصالحها، خصوصاً أمام خطر واحد يهددها..

وأن الخطر الذى يتهدد العرب الآن هو الخطر الشيوعى القادم من الاتحاد السوفيتى، والعرب فى هذا يلتقون مباشرةً مع الغرب الذى يقف للاتحاد السوفيتى بالمرصاد، ويعوق تقدمه.

وكان نورى السعيد يؤكد ذلك بأن يشير إلى خريطة، ويقول لمن يناقشه باستمرار:

- "أن بين حدود العراق الشمالية وحدود الاتحاد السوفيتى مسافة عشرات الأميال، وإذا لم يكن هناك رادع فإن جحافل الجيش الأحمر قد تجتاز الجبال فى أى وقت، وتجتاح العالم العربى كله".

** كان عبد الناصر يرد على ذلك بتفنيد حجج نورى السعيد:

- "... نحن قادرون على إرغام الاحتلال الأجنبى فى أرضنا على أن يحمل عصاه ويرحل".

- "... ولن يكون فى المنطقة فراغ بعد رحيله، لأن المنطقة ليست فضاءً عارياً، وإنما المنطقة تسكنها أمة عربية قادرة على الأخذ بأسباب القوة".

- "... و"الاعتماد المتبادل" مرغوب فيه، ولكن على أساس وحدة المصلحة والأمن، وبالتالى فإطاره الممكن الوحيد هو الإطار العربى".

- "... والخطر لن يجيئنا من الشيوعية ولا من الاتحاد السوفيتى، وإنما الخطر الأكبر علينا - وتحديد العدو أول خطوة فى رسم أية استراتيجية - هو من إسرائيل".

- "... وعلى فرض أن الخطر من الشيوعية، فإن الوطنية هى درع المقاومة الحقيقية".

- "... ثم أن الخطر السوفيتى لن يجىء بالجيش الأحمر زاحفاً عبر الجبال الشمالية، لأن ذلك - لو حدث - سوف يحرك موازين دولية كبرى".

- "... ومع ذلك فلننشئ نظامنا العربى المستقل.

وليكن هذا النظام موجهاً بالدرجة الأولى ضد إسرائيل، ثم ليكن بعد ذلك موجهاً إلى أى خطر يجيئنا من أية ناحية، نصده بكل قوانا، وليس هناك بأس فى هذه الحالة من أن نطلب نجدة القادرين على نجدتنا ضده".

** وكان نورى السعيد يسوق حججاً لتدعيم وجهة نظره:

* "كيف نسلح جيوشنا إذا لم نتعاون مع الغرب، ومن أين نجىء بالسلاح الذى نواجه به إسرائيل؟".

* "إن تركيا وإيران وباكستان معنا فى حلف، وسوف يحاربون فى صفوفنا ضد إسرائيل؟".

* "إن هناك رباطاً يشدنا إلى هؤلاء الثلاثة، وهو رباط الإسلام".

** وكان جمال عبد الناصر يرد:

* "إن الغرب - الولايات المتحدة بالذات - لن تسلحنا لحرب نخوضها ضد إسرائيل".

"وقد أكدت التطورات صحة رأى جمال عبد الناصر، فبعد انهيار حلف بغداد ثبت أن كل ما حصلت عليه العراق من المساعدات العسكرية الأمريكية كان ثلاث طائرات"!

* "إن تركيا وإيران وباكستان لن تحارب معنا ضد إسرائيل، لأنها لا تشعر بخطرها وهى عنها بعيدة".

* "إن رباط الإسلام مقدس، وهو لا يشدنا إلى هذه الدول الثلاث وحدها، ولكنه يشدنا إلى شعوب وأمم مسلمة فى أقاصى آسيا وأعماق أفريقيا (إندونيسيا، الملايو فى آسيا مثلاً - والسنغال وغينيا فى أفريقيا مثلاً)..

لكن رباط الإسلام المقدس شىء، ووحدة المصلحة والأمن شىء آخر، خصوصاً إذا ارتكزت إلى جانب الدين على وحدة التاريخ ووحدة الثقافة ووحدة اللغة ووحدة الامتداد الجغرافى المتصل".

وانفرد نورى السعيد بموقف وحده، فوقع بغير إخطار ولا سابق إنذار حلف بغداد مع تركيا... ولم يقف عند هذا الحد.

وإنما وجه الدعوة مفتوحة إلى بقية الدول العربية، خصوصاً فى المشرق، لكى تنضم إلى الحلف الجديد، وكان الضغط الغربى على أشده فى عواصم تلك الدول، يحاول أن يجرها جراً إلى حلف بغداد.

فى هذه اللحظة فقط تحرك جمال عبد الناصر إلى تصعيد خلافه مع نورى السعيد وكانت وجهة نظره:

"لو اقتصر الأمر على العراق لقلنا دولة تمارس حقوق سيادتها المشروعة، والحكم على سياساتها يعود لشعبها أولاً وأخيراً.

ولكن توجيه الدعوة إلى بقية الدول العربية والضغط عليها حتى تنضم إلى حلف بغداد، هدم لكل أمل فى إقامة "نظام عربى" مستقل.

واحتدمت المعركة.

ووقفت السعودية وسوريا مع مصر.

وانتهت المعركة بسقوط حلف بغداد فى بغداد، وبواسطة الشعب العراقى وجيشه.

نلاحظ هنا عدة أشياء:

1- أن جمال عبد الناصر لم يفتعل الخلاف.

2- أن جمال عبد الناصر كان فى موقف الدفاع، ولم يكن فى موقف الهجوم.

3- أن جمال عبد الناصر كان على حق، بنتيجة التجربة التاريخية.

4- أن جمال عبد الناصر لم يعتمد على شىء، إلا على جماهير الأمة العربية وعلى وعيها.

وربما أضفت هنا ملاحظة سريعة فى الرد على هؤلاء الذين يقولون أن جمال عبد الناصر أضاع ثروة مصر فى "مغامرات" خارجية، وهم بالطبع يقصدون حركته العامة داخل العالم العربى ومن حوله..

هذه الملاحظة هى أن "المغامرات" - كما يسمونها - هى فى حقيقة أمرها التزام قومى، فإذا طرحنا موضوع الالتزام القومى جانباً ونظرنا إلى هذه المغامرات نظرة ضيقة وإقليمية، وحتى حسابية، لقلنا أن هذه "المغامرات" لم تكن خسارة لمصر، وإنما كانت كسباً لها.

ذلك أن قيمة أى دولة فى العالم - خصوصاً فى عصر الحرب الباردة - أصبحت ترتبط بمقدار تأثيرها خارج حدودها الضيقة، وقد حصل جمال عبد الناصر من العالم الخارجى "بمغامراته" ما يتعدى قيمة مصر داخل حدودها، لكى يوازى تأثير مصر خارج هذه الحدود.

والبرهان العملى على ذلك هو الأرقام، فمصر "المغامرة" استطاعت أن تنمى بمعدل زيادة قدره 6.7 بالمائة سنوياً فى الفترة ما بين 1955 إلى 1965، طبقاً لوثائق البنك الدولى، وأما مصر "غير المغامرة" الطيبة المؤدبة المطيعة، فإن الادخار القومى - أساس التنمية - فيها سنة 1975 كان 1.2 بالمائة بالناقص، طبقاً لأرقام التخطيط المصرى!

وكانت معركة حلف بغداد نموذجاً لمعارك أخرى خاضها جمال عبد الناصر تحت شعارات عدم الانحياز، وكان كثيرون لا يؤمنون به فى العالم العربى، وتحت شعارات التنمية، وكانت مفهوماً وافداً على العالم العربى، وتحت شعار "الاشتراكية"، وكانت شيئاً شبه مكروه فى العالم العربى. وإذا التفتنا حولنا الآن، فماذا نجد؟

ما كان ينادى به جمال عبد الناصر بالأمس ويحارب بسببه هو الآن عقائد أساسية فى العالم العربى.

العالم العربى كله ينادى بالموقف المستقل.

والعالم العربى كله يتبنى سياسة عدم الانحياز.

والعالم العربى كله يتجه نحو "الاشتراكية"، وإن اختار لها البعض مسميات أقل عنفاً وأكثر رقةً مثل "العدالة الاجتماعية".

ويقال:

- "لم يكن هناك بأس فيما دعا إليه ودافع عنه... ولكن المشكلة كانت مشكلة الأسلوب... أسلوب التحريض والإثارة... إدارة السياسة من الشرفات وأمام الميكروفونات... هذه هى القضية".

والرد على هذه النقطة كما يلى:

1- أليست كل دعوة جديدة تقابل بالصد، مما يجعلها أمام ضرورة الإلحاح بكل الوسائل... لنقرأ التاريخ، ولا أحتاج هنا لضرب الأمثلة من حياة روّاد التغيير أو حتى الإصلاح، ومن حياة رواد الفكر أو حتى رواد العلم.

2- لقد كان العصر عصر الحرب الباردة... كانت حرباً سلاحها التأثير بواسطة الكلمة والصوت، بدلاً من القنبلة والطائرة.

3- لقد كان على جمال عبد الناصر أن يخاطب جماهير تقع تحت السلطة الرسمية لهؤلاء الذين يقاومون دعوته.

4- لقد كان جمال عبد الناصر الصوت الوحيد المسموع فى كل المنطقة من الخليج إلى المحيط، وكانت كل القوى تنتظر كلمته، وكان ضرورياً أن يتكلم.

وربما تذكرنا أن جمال عبد الناصر خاض معركة الأحلاف، وانتصر فيها بغير رصاصة واحدة، وبغير نقطة دم واحدة.

ومع ذلك، فلنكن منصفين، ونسأل:

- لقد رحل جمال عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970، فهل سكنت الأعاصير بعده على الأرض العربية.. وهل عاد الورد وزال الشوك، وأقبل الود وأدبرت الفتنة فى العلاقات ما بين العرب؟

إن كان هو الذى يثير ثائرة الكل على الكل، فما بالهم لم يخلدوا إلى الهدوء والصفاء بعد رحيله؟

والعلاقات بين مصر وسوريا ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر والثورة الفلسطينية ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر وليبيا ليست هدوءً وصفاءً.

والعلاقات بين مصر والأردن ليست هدوءً وصفاءً.

وهذه كلها هى خطوط المواجهة مع العدو الواحد، أو هى عمق جبهة المواجهة!

* وبعد ذلك:

العلاقات بين سوريا والعراق ليست هدوءً وصفاءً.

العلاقات بين ليبيا والمغرب ليست هدوءاً وصفاءً.

* وهناك ثلاث حروب محتملة أو قائمة فعلاً على الساحة العربية.

حرب بين الجزائر والمغرب.

معارك على الحدود بين اليمن الجنوبى وسلطنة عمان.

توتر شديد بين العراق وسوريا.

* وأسوأ من ذلك كله، حرب أهلية عربية لم نفرغ بعد من تضميد جراحها فى لبنان، وكانت خسائر الأمة فى هذه الحرب الأهلية وحدها أربعة عشر ألف قتيل، وأكثر من خمسين ألف جريح، وهذا كله أكبر من خسائر مصر البشرية فى كل المواجهات مع إسرائيل، من حرب فلسطين 1948، إلى حرب السويس 1956، إلى حرب يونيو 1967، إلى حرب الاستنزاف 1969، إلى حرب أكتوبر 1973!

كل هذا وجمال عبد الناصر بعيد، لا يحرض أحداً ولا يستثير أحداً!

لعلى أقول فى النهاية أن دور مصر يجب أن يكون موجوداً فى العالم العربى، سواء اتهمت بالتدخل فى شئون الآخرين أو لم تتهم.

ومع ذلك، فلعلى أزعم أن مصر مارست، وهى تستطيع أن تمارس، دورها بغير تدخل فى شؤون الآخرين.

وفى كل الأحوال فإن مخاطر تدخل مصر... أقل من مخاطر سكون مصر.

وأعترف أننى لم أكن سعيداً بدور مصر فى الأزمة اللبنانية التى تحولت إلى شبه حرب أهلية عربية.

وأعترف أيضاً أننى لم أقتنع بحجة "عدم التدخل" كعذر يقدم لسكوت مصر، كما أننى لم أقتنع بمنطق يقول أن عوامل الجغرافيا السياسية GEOPOLITICS كانت تسمح لسوريا مثلاً، ولا تسمح لمصر، بدور إيجابى فى حل الأزمة اللبنانية.

إن الادعاء "بعدم التدخل" مردود عليه بدواعى المصير الواحد فى وسط معركة تخوضها الأمة فعلاً، ولا تنتظر الغد لتخوضها.

ثم أن التعلل "بالجغرافيا السياسية" وأحكامها مردود عليه بأن القبول بمثل هذا المنطق لا يضيع دور مصر فحسب، وإنما يضيع مصر كلها، من حيث أنه يعزلها عن بقية العالم العربى عزلاً كاملاً.

إن عامل "الجغرافيا السياسية" يظهر فى الأمة الواحدة إذا ضاع منها دور المحرك الرئيسى، ومصر هى المحرك الرئيسى فى المنطقة.

ولكى أشرح هذه النقطة أكثر، أقول:

إذا أخذنا بأحكام الجغرافيا السياسية، واستبعدنا حقيقة الأمة الواحدة والقوة الرئيسية المحركة فيها، فماذا نجد؟

* نجد شبه الجزيرة العربية وحدة جغرافية سياسية، وهى تشمل السعودية، واليمن الشمالى واليمن الجنوبى، وعمان، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والبحرين، والكويت..

* ونجد الهلال الخصيب وحدة جغرافية سياسية أخرى، وهى تشمل سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين.

* ونجد المغرب العربى وحدة جغرافية سياسية ثالثة، وهى تشمل المغرب والجزائر وتونس، وربما ليبيا.

* وأخيراً نجد وحدة جغرافية سياسية رابعة هى وادى النيل.

وبهذا المنطق: أين تكون مصر، ومن يبقى معها؟

يبقى السودان، وهو بحكم الجغرافيا السياسية ينجذب إلى شرق أفريقيا، بمقدار ما ينجذب إلى شمال وادى النيل!

ولست أعرف إذا كان ذلك ما نريده؟

ثم أذكر بشىء:

- لقد كان بين الأسس التى تم عليها حل الأزمة اللبنانية هو العودة إلى "اتفاقية القاهرة"، التى نظمت علاقات المقاومة الفلسطينية مع السلطة اللبنانية.

اسمها "اتفاقية القاهرة"، لأنها عقدت فى القاهرة، يوم كانت القاهرة: "مغامرة"!

كانت الخلافات إذن قبله، والخلافات مستمرة بعده.

ولربما تغيرت الخطوط، وتبدلت الصداقات والخصومات، وخفت موازين وثقلت موازين.

لكن الخلافات مستمرة، والصراع دائر.

بل لعلنا ننسب إلى جمال عبد الناصر فضل "تمدين" الخلافات العربية، فقد رفعها من مستوى ثارات قديمة بين الملوك والقبائل والعشائر والطوائف - فجعلها حركة جماهير، وقضايا مستقبل ومصير: استقلال سياسى - تحرر اجتماعى - نضال وحدوى - تأثير عالمى - موارد تعود إلى أصحابها - سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج - تخطيط... تأمينات... تصنيع... تأميم... زرع صحارى - بناء سدود - إلى آخره... إلى آخره.

أى صوت كان هناك بالنداء على هذا كله أعلى من صوته؟ وأى حركة كانت هناك نحو هذا كله أقوى من حركته؟

من؟ وأين؟

الثلاثاء، 27 مارس 2012

هل وزع الفقر وخلف وراءه تركة مثقلة؟

بقلم محمد حسنين هيكل
الحديث السابع

وعند الذين يهاجمون جمال عبد الناصر - بالحق والباطل - ادعاءً يوجهونه إلى أى حجةً تساق لهم، دليلاً وبرهاناً..

يقال لهم:

- لقد أعاد توزيع الثروة والدخل.

وردهم الجاهز باستمرار:

- وزّع، هذا صحيح... ولكن ماذا وزّع؟

لقد وزع الفقر، وذهب وخلف وراءه تركة من الخراب كان الله فى عون من آلت إليه؟!

والسؤال الذى أريد أن أتعرض له اليوم هو بالضبط هذا السؤال:

- هل وزع جمال عبد الناصر اشتراكية الفقر بدلاً من اشتراكية الغنى!

- وهل ترك وراءه خراباً لا يصلح إلا للبوم والغربان تنوح على أطلاله؟!

سؤال يستحق أن يجاب عليه... وأحاول.

ولكنى قبل أن أفعل، ألتمس العذر مقدماً إذا استعملت كثيراً من الأرقام. والأرقام بطبيعتها جافة رغم أن لها قدرة على البيان لا تضارعها فيها وسيلة أخرى من وسائل التعبير.

لقد بدأت تجربة التنمية فى عصر عبد الناصر بخطوة تبدو الآن مرتجلة، لكنها فى الحقيقة كانت الخيار الوحيد المطروح أمامه وقتها.

كان يشعر بأهمية التنمية شعوراً غريزياً، أقصد ذلك الشعور الذى يولده الإحساس بالحاجة إلى شىء فى اتجاه معين، دون أن تكون هناك دراسة كاملة لهذا الشىء، وتحديد دقيق لهذا الاتجاه.

وأحس أنه إذا انتظر حتى تكتمل الدراسة، وحتى يتم التحديد الدقيق للاتجاه، فإن وقتاً ثميناً سوف يضيع.

وفى نفس الوقت، فإنه لم يكن يثق فى الجهاز الحكومى الذى ورثته الثورة من العهد الملكى.

ومن هذا كله تحرك فى ثلاثة اتجاهات على طريق التنمية:

1- جاء بالمشروعات التى وردت فى وعود وزارات ما قبل الثورة أثناء خطب العرش، واعتبر أن هذه المشروعات درست بما فيه الكفاية.

وأنشأ مجلساً أعلى للإنتاج خارج إطار الجهاز الحكومى..

وضم فيه مجموعة من أبرز خبراء مصر الاقتصاديين قبل الثورة، وممن لم تلحق بسمعتهم شوائب، وجعل على رأسهم حسين فهمى، وهو اسم من ألمع الأسماء الاقتصادية وقتها، وكان قد تولى وزارة المالية من قبل، إلى جانب إسهامه فى إنشاء كثير من المشروعات فى السنوات السابقة.

ووضعت تحت تصرف مجلس الإنتاج كل المبالغ التى أمكن توفيرها له ورصدها للتنمية، ووصلت هذه المبالغ إلى أكثر من ألف مليون دولار.

وكان بين أبرز المشروعات التى نفذت بإشراف مجلس الإنتاج: مصنع حديد حلوان، ومصنع السماد فى أسوان، وكهربة خزان أسوان، وكهربة خط حلوان.. إلى آخره.

وفى نفس الوقت، كان جمال عبد الناصر قد أنشأ مجلساً أعلى للخدمات خارج إطار الجهاز الحكومى أيضاً.

ووضع على رأسه فؤاد جلال، وطلب أن يحول إليه كل ما صودر من ثروة الملك السابق ومن أملاك الخاصة الملكية، وقد بلغت قيمتها فى ذلك الوقت سبعين مليون جنيه، وقد نفذت بها مشروعات الوحدات المجمعة للصحة والتعليم، وإعادة التدريب، والإرشاد الزراعى فى الريف، إلى جانب سلسلة المستشفيات المركزية التى أُنشئت فى ذلك الوقت.

2- بعد هذه الخطوة الأولى فى مجال التنمية - وقد كانت فى مجال رد الفعل أكثر منها فى مجال الفعل - بدأ عبد الناصر يفكر فى الطريقة التى يمكن بها وضع خطة كاملة للتنمية الاقتصادية فى مصر.

وأقر توصية لمجلس الإنتاج فى ذلك الوقت، بأن يعهد إلى بيت خبرة أمريكى عالمى، هو بيت "آرثر دوليتل" الشهير، بإجراء مسح شامل لإمكانيات مصر الاقتصادية، وكيف يمكن التخطيط لها تخطيطاً شاملاً. وتم ذلك فعلاً، وقامت مجموعة من خبراء "دوليتل" بمهمة استغرقت سنتين كاملتين.

3- فى نفس الوقت، فإن جمال عبد الناصر كان يدرك أهمية قيام جهاز تخطيط وطنى، ومع أنه كان يعتقد أن التخطيط أرقام، فقد كان يشعر فى نفس الوقت أن التخطيط التزام أيضاً.

كان ذلك فى سنوات 1953 و1954 و1955.

وجاءت حرب السويس سنة 1956، وكانت حرب السويس فى حقيقتها حرب التنمية فى مصر، فقد كان محورها هو السد العالى، وكان تأميم قناة السويس هو رد جمال عبد الناصر على سحب المساهمة الأمريكية البريطانية فى السد العالى، وعلى إحجام البنك الدولى إثر ذلك عن أن يقوم بتمويل المشروع.

وكان السد العالى هو التجسيد العملى لآمال عبد الناصر الطموحة فى التنمية، وكان بين حجج جون فوستر دالاس - وزير الخارجية الأمريكية - وهو يسحب المساهمة الأمريكية فى تمويل السد، هو أن مصر وشعبها وميزانيتها لا تستطيع تحمل أعباء مثل هذا الحلم العملاق!

وأثناء حرب السويس، وبعدها، أضاف جمال عبد الناصر إلى إمكانيات ووسائل التنمية عنصرين جديدين:

1- قناة السويس وقيمتها الاقتصادية ودخلها.

2- مجموعة البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية، التى كانت مملوكة للإنجليز والفرنسيين والبلجيك.

وقد وضعت هذه المصالح تحت الحراسة فى ظروف الحرب أولاً، ثم صدر قرار بتمصيرها ثانياً، ثم تغير التمصير إلى التأميم ثالثاً، وكانت تلك أول نواة لقطاع عام يقوم بدور طليعى فى عملية التنمية.

ومع بداية سنة 1957، كانت الفرصة قد أصبحت متاحة للتخطيط المدروس والشامل، وبدأ العمل، واستمر حتى سنة 1967... عشر سنوات كاملة بغير انقطاع.

عشر سنوات تحملت فيها مصر ضغوطاً اقتصادية ونفسية بغير حدود.. وتحملت فيها مصر مسئوليات عربية استوجبها دورها القومى.

ومع ذلك فإن هذا كله لم يوقف اندفاعها نحو التنمية، ولم يؤثر فى النتائج الباهرة التى حققتها.

طوال هذه السنوات العشر كانت نسبة النمو الاقتصادى فى مصر تسير بمعدل 6.2% سنوياً بالأسعار الثابتة الحقيقية.

بل أن هذه النسبة ارتفعت فى وسط الفترة، أى من سنة 1960 إلى سنة 1965، إلى معدل 6.6%.

ومصدر هذا الرقم تقرير البنك الدولى رقم [870 - أ] عن مصر، الصادر فى واشنطن بتاريخ 5 يناير 1976 (أى مطلع هذه السنة التى نحن فيها الآن).

هل يحتمل هذا المصدر أى شك؟

هل أصبح البنك الدولى متواطئاً مع عبد الناصر؟

وما الذى يعنيه هذا الرقم؟

يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تقوم بتنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر عبد الناصر.

كانت تلك نتيجةً لا مثيل لها فى العالم النامى كله، حيث لم يزد معدل التنمية السنوى فى أكثر بلدانه المستقلة خلال تلك الفترة عن اثنين ونصف فى المائة.

بل أن هذه النسبة كان يعز مثيلها فى العالم المتقدم، باستثناء اليابان، وألمانيا الغربية، ومجموعة الدول الشيوعية.

وجاءت سنة 1967. وكانت الصدمة الكبرى، ولكن تجربة التنمية المصرية كانت قادرة على تحمل أعباء الصمود.

ولكى يكون الكلام محدداً، فإن الاقتصاد المصرى تحمل بعد سنة 1967 بالمهام الأربع التالية:

1- تحمل هذا الاقتصاد عبء إعادة بناء القوات المسلحة (ولا أخوض فى تكاليف هذا العبء حتى لا أقع فى محظور السرية الواجبة).

2- تحمل هذا الاقتصاد بإتمام بناء السد العالى، ولم يكتمل بناء هذا السد، كما نتذكر، إلا سنة 1970، حين وقف جمال عبد الناصر فى آخر احتفال حضره لعيد الثورة فى 23 يوليو من تلك السنة يستهل خطابه التقليدى للأمة برسالة جاءته من وزير السد العالى يعلنه بأن بناء السد قد تم، وبأن بناة السد على استعداد لتحمل مسئوليات أية مشروعات كبرى غيره يُكلفون بها.

(من المحزن أن صور جمال عبد الناصر نُزع معظمها أخيراً من منشآت السد العالى فى أسوان، وقيل فى تبرير ذلك أن شاه إيران كان يريد زيارة السد، ولأن العلاقات بينه وبين جمال عبد الناصر لم تكن على ما يرام، فقد رُئى رفع معظم الصور حتى لا تؤذى عينيه إذا وقعتا عليها.

واعتقادى أن ذلك خطأ حتى فى تقدير مزاج الشاه، وأظنه لو عرف بما حدث لأبدى اعتراضه عليه، فإن الشاه رغم خلافه مع جمال عبد الناصر، يعترف له بدوره التاريخى الكبير).

3- تحمل هذا الاقتصاد بأعباء مشروعات جديدة ضخمة، أبرزها مشروع مجمع الحديد والصلب، وقد وصفه الرئيس السادات بأنه مشروع "لا يقل ضخامةً عن مشروع السد العالى"، ثم إنه من القواعد الأساسية لصرح الصناعات الثقيلة فى مصر.

4- تحمل هذا الاقتصاد، فوق ذلك كله، بعبء تثبيت أسعار السلع الاستهلاكية، فبقيت الحياة محتملة للسواد الأعظم من الجماهير.

كانت تلك شبه معجزة حملها الاقتصاد المصرى، ولم تكن المعجزة من صنع المصادفات أو عفاريت الجن، وإنما كانت من صنع طاقة إنتاجية متماسكة قادرة على تحمل صدمة فاجأتها على غير انتظار.

وتبدو قيمة هذه المعجزة فى الصمود إذا تذكرنا أن مصر فى ذلك الوقت لم تكن تحصل من الدعم العربى إلا ما نصت عليه اتفاقية الخرطوم سنة 1967، وكان فى حدود مائة مليون جنيه كل سنة، تكاد توازى تماماً ما فقدته مصر بإغلاق قناة السويس وضياع دخلها.

وأسأل بإنصاف:

- هل هذه صورة اقتصاد تركه جمال عبد الناصر خراباً تنعق فيه البوم والغربان، أم أنه على العكس من ذلك، اقتصاد استطاع الاستجابة للتحديات؟

ولربما رد البعض، وردهم متوقع:

- والديون.. نسيت الديون؟!

ليكن... ولنتوقف لحظة أمام حديث الديون.

تقول الأرقام:

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كان مجموع الديون التى تتحملها مصر هى أربعة آلاف مليون دولار، هى مجموع الدين المدنى والعسكرى، وكان معظمها للاتحاد السوفيتى، على أقساط ممتدة، وبسعر فائدة قدره 2.5 بالمائة.

وكان الدين المرهق هو الدين القصير الأجل، وهو قروض بتسهيلات مصرفية ولموردين فى حدود مائة وثمانين يوماً والفوائد عليها عالية، ما بين 10 إلى 14 فى المائة.

كان حجم هذا الدين هو 104 مليون جنيه.

هذه هى صورة الديون، فكيف يمكن أن نضعها فى إطارها الحقيقى.

الدين الخارجى الرئيسى، وهو أربعة آلاف مليون دولار مثلاً، يوازى ربع مثيله الإسرائيلى مثلاً، مع التباين الهائل فى عدد السكان (36 مليوناً فى مصر وثلاثة ملايين فى إسرائيل) وفى قياس آخر فهو يمثل نصف الدين التركى!

وإذا ما تذكرنا أن معظم الديون كانت فى الحقيقة لتمويل مشروعات إنتاج لوجدنا أن الصورة ليست مخيفة.

ولكن أكثر ما كان يزعج جمال عبد الناصر هو الدين القصير الأجل، معظمه استهلاكى، واستحقاقاته قريبة، وفوائده عالية.

كان حجم هذا الدين - كما قلنا - 104 مليون جنيه سنة 1970. وكيف يمكن أن نضع هذا الدين فى إطاره الحقيقى، عن طريق المقارنة والقياس.

ماذا لو أجرينا المقارنة والقياس على حجم هذا النوع من الدين سنة 1975؟!

تقول الأرقام أن هذا النوع من الديون القصيرة الأجل على مصر وصل فى شهر يناير سنة 1975 إلى 1004 مليون جنيه.

أى أنه من سنة 1970 إلى سنة 1975 زاد عشر مرات.

يبقى أن أقول أن مصدر هذه الأرقام تقرير رسمى للبنك المركزى المصرى قدمه إلى البنك الدولى، وورد فى تقرير البنك الدولى رقم [870 - أ] عن مصر، الصادر فى 5 يناير 1976 (بداية هذه السنة)!

وأسأل:

- هل أنا فى حاجة إلى أرقام أخرى لكى أقول - وبمنتهى الهدوء - أن عبد الناصر لم يترك حين رحيله خراباً تنعى الغربان والبوم أطلاله ؟

ومع ذلك، أسوق هذه الأرقام المقارنة فى عدد من المجالات الهامة.

* فى مجال الادخار الوطنى والتنمية.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كان الاستهلاك العام والخاص فى مصر بنسبة 90 بالمائة - وكانت المدخرات الوطنية المتاحة من الداخل للتنمية بنسبة 10 بالمائة من الدخل القومى.

سنة 1975 وصل الاستهلاك العام والخاص إلى نسبة 101.5 بالمائة أى أن الاستهلاك زاد على الدخل القومى كله بواحد ونصف فى المائة - أى أن مصر أصبحت تأكل من رأسمالها.

* فى مجال التضخم.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) كانت نسبة التضخم السنوى فى مصر فى حدود 5 بالمائة سنوياً.

سنة 1975، كانت نسبة التضخم السنوى فى مصر ما بين 20 إلى 25 فى المائة.

* فى مجال الدعم العربى لمصر.

سنة 1970 (سنة رحيل عبد الناصر) لم يكن هناك غير اتفاقية الخرطوم.

سنة 1975، قدمت الدول العربية، علاوة على اتفاقية الخرطوم، وزيادة عليها، ما يكاد يصل إلى ألفى مليون دولار.

وإذا أردت أن أكون منصفاً لكل الأطراف، فإنى أقول:

- أن عبد الناصر لم يترك خراباً ينعق البوم والغربان على أطلاله، وإنما ترك اقتصاداً قادراً على الاستجابة، وبالتأكيد فلقد كانت لهذا الاقتصاد مشاكله، ولكن معظمها كان مشاكل نمو، إلى جانب مشاكل خلط فى الأولويات، وقصور إدارة.

ولكن الصورة العامة لم يكن فيها ما يدعو إلى التشاؤم، وإنما كان فيها ما يستدعى التطوير والتحديث، خصوصاً فى الإرادة.

والصورة التى نراها الآن - بأرقام سنة 1975 - تبدو مزعجة، ولكن الأعذار يمكن أن تساق لها من عوامل كثيرة، بعضها خارج عن الإرادة مثل ارتفاع أسعار المواد الغذائية الذى جعل الدعم الحكومى لهذه السلع يرتفع من 80 مليون جنيه سنة 1970، إلى 650 مليون جنيه سنة 1975، ثم إلى زيادة نسبة التضخم العالمى، ثم إلى القفزة الهائلة فى أسعار الوقود. نستطيع هنا - 1975 - أن نجد مبررات وأعذار.

ولكننا لا نستطيع - بالإنصاف - أن نقول إنه من هناك - سنة 1970- بدأت المشكلة حين ورثنا خراباً ينعق البوم والغربان على أطلاله!

ليس ذلك صحيحاً.

ثم أنه ليس أميناً!

ويقال أن الحل هو " الانفتاح" وتشجيع رأس المال الخاص على استثمار أمواله، والتوسل إلى رأس المال الأجنبى أن يطل علينا بنظرة عطف ورضى.

وهل لى أن أذكر ما تقوله الأرقام؟

* تقول الأرقام أن القطاع العام يسيطر على 30 بالمائة من وسائل الإنتاج.

* وإن القطاع الخاص يسيطر على 70 بالمائة بما فى ذلك الزراعة.

* مع ملاحظة أن النسبة فى الصناعة وحدها هى 75 بالمائة للقطاع العام، و25 بالمائة للقطاع الخاص.

ومع ذلك، فإن القطاع العام أسهم مباشرةً فى ميزانية الدولة سنة 1975 بما قيمته 800 مليون جنيه، على شكل أرباح وضرائب ورسوم مباشرة.

وفى نفس الوقت، فإن إسهام القطاع الخاص فى هذه المجالات فى ميزانية الدولة سنة 1975 لا يزيد على ثلاثين مليون جنيه!!

ولست أريد أن أقلل من أهمية نشاط القطاع الخاص، ولكن قوة التقدم الكبرى تبقى هى القطاع العام.

* ورأس المال الأجنبى.

سوف أعطى نموذجاً واحداً، وأقفل فمى بعده وأسكت فى السنتين الأخيرتين، وبرغم أصابعنا العشرة التى أوقدناها شموعاً لرأس المال الأجنبى، كان مجموع استثماراته فى مصر حتى شهر يوليو 1975 - من أولها إلى آخرها - ثلاثة ملايين جنيه إسترلينى بالتمام والكمال.. جاءت مساهمة فى مشروعات مشتركة أبرزها مشروع "ومبى" لبيع اللحم المشوى، ثم مشروع دجاج "كنتاكى" لبيع الدجاج المقلى، وقد دخلت فى الاستثمارات تحت بند مشروعات سياحية.

وبقية أساطير الانفتاح ما زالت هناك مع السحاب.

ثم مرة أخرى: ماذا أقول؟!

الأحد، 25 مارس 2012

نيران الصراع الطبقى من أشعلها فى مصر


محمد حسنين هيكل
الحديث السادس

ويتهم جمال عبد الناصر بين ما يتهم به اليوم فى مصر أنه أشعل نيران الصراع الطبقى فى مصر، وأثار الحقد والبغضاء والحسد بين الأغنياء والفقراء، فلم يصبح هؤلاء آمنين بما رزقهم الله، ولا أصبح أولئك راضين بالقسمة والنصيب!

وتثير هذه التهمة -!- سؤالين:

- هل الصراع الطبقى فى مصر - أو فى غير مصر- ظاهرة اخترعها جمال عبد الناصر ولفقها؟ أم أن الصراع الطبقى باعتراف الدنيا كلها - غرباً وشرقاً - واحد من أهم عوامل الحركة التاريخية وقانون من قوانينها؟

- وهل كانت مصر - قبل جمال عبد الناصر - آمنة سالمة من تفاعلات الصراع الطبقى كأنها لؤلؤة فى صدفة مغلقة نائمة مع أحلامها فى أعماق البحر بعيدة عن العالم وعن التاريخ؟! أم أن الصورة الحقيقية كانت أبعد ما تكون عن هذه اللوحة من لوحات السلام الأبدى؟!

الرد على هذين السؤالين:

صورة واحدة هى صورة القاهرة المحترقة فى مساء يوم 26 يناير 1952.

كانت العاصمة التى أكل اللهيب قلبها وحوله إلى أنقاض متداعية ورماد - هى التصوير البشع لحدة الصراع الطبقى فى مصر وضراوته.

وبصرف النظر عن الفاعل المجهول الذى أشعل الشرارة الأولى فى هذا الحريق فإن الجماهير المحرومة هى التى تولت بعد ذلك تزكية النار وتأجيجها إعلاناً لغضبها ورفضها للقسمة والنصيب معتبرة أن الحرمان ليس قدراً خصها الله به، وإنما هو قسر يفرضه عليها القادرون!

ولم يكن حريق القاهرة صورة واحدة، لم تسبقها صور ولم تلحقها صور فى فيلم تطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى مصر الحديثة.

قبلها كانت هناك صور تمهد للمشهد المخيف فى 26 يناير.

وبعدها كانت هناك صور تتداعى من هذا المشهد وتتواصل بعده.

... وقبلها كانت هناك تراكمات فوق تراكمات.

- النهب الذى حدث للأرض الزراعية فى مصر طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين: نهب احتكرته الأسرة المالكة فى البداية، ثم أباحت نصيباً منه للمرابين الأجانب، ثم سمحت لطبقة مصرية معينة أن تشاركها فى جزء منه فى ظروف كلها قابلة للطعن محاطة بما يستوجب الريب والشكوك.

- قيام اقتصاد تجارى وصناعى ناشئ ومحدود فى مصر - على أساس فائض مدخرات الملكية الزراعية وفى يد أصحابها - وكان هذا الاقتصاد عاجزاً بسبب ارتباطه بالمصالح الأجنبية الكبرى خصوصاً فى أوروبا..

- وذلك عن طريق البنوك وشركات التأمين والتجارة الخارجية فى الصادرات والواردات وكانت كلها فى يد مجموعات الإنجليز والفرنسيين والسويسريين والبلجيك - الأمر الذى دعا اقتصادياً بارزاً كالدكتور عبد الجليل العمرى الذى تولى وزارة المالية بعد الثورة أن يقول فى وصف الحالة:

- "لقد كان الاقتصاد المصرى كبقرة ترعى فى أرض مصر ولكن ضروعها كانت كلها تحلب فى خارجها".

* تفاقمت الأوضاع الاجتماعية فى ظروف الحرب العالمية الثانية وذلك بأرباح السوق السوداء فى يد جماعات من "الشطار" انتهزوا الفرصة السانحة وضاعفوا وسط ظلام الحرب أرباحهم وثرواتهم.

ثم زادت الحالة تفاقماً فى السنتين السابقتين على ثورة 1952 لأن قيام الحرب الكورية واندفاع الولايات المتحدة إلى تكديس مخزون من المواد الاستراتيجية تحسباً لقيام حرب عالمية - رفع أسعار القطن وذهبت الأرباح كلها إلى أيدى السماسرة والمضاربين وشركائهم على قمم السلطة وفى قيادات الأحزاب.

- وعبّرت التناقضات الاجتماعية المتزايدة فى حدتها عن نفسها بسنوات من القلق فى مصر امتدت من وسط الحرب العالمية الثانية سنة 1942 إلى منتصف سنة 1952، وكان القلق شاملاً للمدينة وللريف فى مصر طوال عشر سنوات مشدودة ومتوترة.

فى المدينة تلاحقت حوادث الاغتيال السياسى لرؤساء الوزارات - أحمد ماهر ومحمود فهمى والنقراشى مثلاً - وباغتيال الوزراء والشخصيات - أمين عثمان والشيخ حسن البنا مثلاً - وباغتيال مسئولى الأمن بل ومسئولى القانون - سليم زكى حكمدار القاهرة والقاضى أحمد الخازندار الذى أصدر أحكاماً فى قضايا كان المتهمون فيها من الإخوان المسلمين مثلاً - وفوق ذلك كانت القنابل تدوى فى دور السينما وفى أماكن السهر واللهو وفى الشوارع تصيب أول عابر سبيل!

فى الريف كانت النار تحت الرماد وكانت تهب أحياناً فيعلو لهيبها حريقاً فى قصور كبار الملاك كما حدث فى قصر البدراوى فى "بهوت"، وكما حدث فى دائرة الأمير محمد على ولى العهد فى ذلك الوقت - على سبيل المثال.

- ثم كانت مذبحة البوليس فى الإسماعيلية قبل أيام من حريق القاهرة - مأساة حزينة تكشف عن عجز النظام المصرى كله عن إدارة الصراع الوطنى سواء على الناحية السياسية أو على الناحية الاجتماعية، وسقط صولجان السلطة على الأرض متهالكاً مهزوماً.

واشتعلت عاصمة الدولة واستبيح قلبها المحترق لكل من يريد أن يخطف غنيمة من وسط الركام!

... وبعد الحريق تداعت الصور.

لم تعد المشاهد المتلاحقة تستغرق السنين وإنما أصبح الحساب بالأيام وبالساعات، كأنه سباق زادت سرعة المشتركين فيه بقرب نهاية الشوط، يحس بها الجميع وإن لم يستطع أحد منهم أن يحدد متى تجىء لحظة الحقيقة، لكن الكتابة - كما يقولون - كانت على كل الجدران!

- أعلنت حكومة الوفد فرض الأحكام العرفية مساء يوم 26 يناير 1952 وبعد ساعة واحدة تلقى رئيسها مصطفى النحاس خطاب إقالته بتوقيع الملك فاروق.

* وتشكلت وزارة برئاسة على ماهر لكنه شهر واحد ثم سقطت الوزارة.

- وكلف نجيب الهلالى بتشكيل وزارة جديدة أعلن قيامها على أساس التطهير أولاً ثم التحرير، وبدأ يحقق فى فضائح المضاربات على القطن وبدأ يطالب أحمد عبود باشا بضرائب متأخرة عليه بلغت قيمتها 11 مليون جنيه أوشكت أن تسقط عنه بالتقادم بعد شهر واحد إذا لم يدفعها فعلاً أو لم يطالب أمام المحكمة بدفعها، واختصر أحمد عبود طريقه فدفع للملك فاروق مليون دولار فى سويسرا لكى يخرج نجيب الهلالى قبل أن يستوفيه حق الدولة أو يطالبه أمام المحاكم به فيحفظ بذلك الحق أن يسقط بالتقادم خمس سنوات.

وسقطت وزارة نجيب الهلالى قبل أن تقترب من التطهير أو من التحرير.

- وجىء بحسين سرى وهو عضو دائم فى مجالس إدارات شركات أحمد عبود ليرأس الوزارة ولكن الغليان المكتوم كان يرج المسرح السياسى رجاً وكانت المدافع الرشاشة ما زالت تدوى فى أجواء القاهرة والقنابل تنفجر على أرصفتها، وكانت دقات النبض السياسى للجيش تبدو مسموعة من خلال انتخابات مجلس إدارة نادى الضباط.. حيث سقط كل مرشحى القصر ونجح آخرون بعد أن ساندهم تنظيم سرى فى صفوفه صدرت عنه قبل ذلك وخلاله منشورات باسم "الضباط الأحرار".

- وسقطت وزارة حسين سرى بحركة ارتجاج المسرح السياسى ذاتها وأعيد نجيب الهلالى إلى رئاسة الوزارة مرة أخرى يوم 21 يوليو 1952.

يوم 23 يوليو قامت الثورة.

وجاء جمال عبد الناصر.

جاء جمال عبد الناصر والصراع الطبقى فى مصر على أشده حريقاً ودماً.

لم يشعل ناره إذن ولم يؤجج ضرامه، ولا اخترعه من عنديّاته أو لفق مظاهره تلفيقاً!

بل لعلى أقول أن جمال عبد الناصر فعل عكس ذلك تماماً فقد أطفأ الحريق وحقن الدم - حين وجد صيغة معقولة للتحول الاجتماعى وكانت مفاتيحها على النحو التالى:

1- لقد أدرك أن الصراع الطبقى قانون من قوانين الحركة الاجتماعية لا يمكن إبطال مفعوله ولا تجميد تفاعلاته، وأن للفقراء حقوقاً لا يستطيع الأغنياء حبسها.

2- إن مخاطر الصراع الطبقى تزداد بمقدار ما تتزايد وتتسع الفوارق بين الطبقات، وفى حالة مصر فإن الفجوة شاسعة، ومن ثم فإن الخطر داهم.

3- هناك مأزق يواجه الشعوب النامية الواقعة تحت سيطرة الاستعمار واحتلاله، وهذا المأزق يتمثل فى أنها تحتاج إلى وحدتها الوطنية الكاملة فى مواجهة الاستعمار الخارجى، وفى نفس الوقت فإن الصراع الطبقى داخلها يقطع ويفصل.

وذلك ما عبر عنه جمال عبد الناصر فى فلسفة الثورة فى يناير 1953 فى حديثه عن التصادم بين ضرورات الثورة السياسية ضد الاستعمار وضرورات الثورة الاجتماعية ضد الاستغلال.

4- استطاع جمال عبد الناصر أن يستوعب حقائق عصره، وأول هذه الحقائق أن الحرب الباردة هى فى صميمها صراع بين كتلتين دوليتين كل منهما مسلحة لا بالقنبلة الذرية وحدها، ولكن قبل القنبلة بعقيدة اجتماعية معينة.

وبما أنه ليس هناك جزء فى العالم يستطيع أن ينسلخ عن الكل خصوصاً بثورة التكنولوجيا وبالذات فى مجال المواصلات - إذن فإن الحرب الباردة لا يمكن صدها عند أية حدود دولية... إنها كظواهر الجو لا تعترف بخطوط الأسلاك الشائكة ولا حتى بحقول الألغام.

ثم أن الحرب الباردة تسابق على النفوذ ميدانه الأرض المفتوحة خارج نطاق الكتلتين المعسكرين!

5- إن ترك الصراع الطبقى إلى نهايته سوف يلطخ التراب الوطنى بالنار والدم وسوف يؤدى لا محالة إلى الحرب الأهلية بين الفقراء والأغنياء..

وإذا وقعت الحرب الأهلية فى وطنٍ من الأوطان فى هذا العصر الذى تهب فيه رياح الحرب الباردة، فليس هناك ضمان يحول دون تدويلها، بواسطة التنافس والتسابق بين معسكرين دوليين وكتلتين عالميتين كل منهما فى الحقيقة عقيدة اجتماعية مسلحة.

ومثل ذلك حدث أمام عيون الناس فى أسبانيا.

تفاقمت فيها حدة الصراع الاجتماعى إلى حد الحرب الأهلية، ثم تحولت الحرب الأهلية إلى صراع دولى.. سياسى اجتماعى ميدانه أسبانيا.

واشتعلت أسبانيا كلها بالنار ونزفت دمها سنوات بعد سنوات.

وانتقل مصيرها من يد شعبها فأمسكت به موازين دولية خارج إرادته، ثم نزل الستار على المأساة الأسبانية بسيطرة قوى الفاشية فيها تعبيراً عن أوضاع عالمية لا علاقة للشعب الأسبانى بها.

بهذه المفاتيح فى يده، وبالتجربة والممارسة، وبثقة شعبية أسطورية فيه تأكدت خلال حرب السويس وبانتصارها - توصل جمال عبد الناصر إلى حلٍ جديد جعل من التجربة المصرية كلها ظاهرة بالغة الأهمية فى التحول الاجتماعى بغير عنف دموى، وفى التنمية الاجتماعية عن غير الطريق الرأسمالى.

استطاع أن يصنع شيئاً لا مثيل له فى غير التجربة المصرية... شيئاً أسميناه - وما أظننا شططنا - "بتأميم الصراع الطبقى"!

كانت عناصر هذه التجربة كما يلى:

1- سلطة وطنية تقدمية.

2- هذه السلطة تقوم باسترداد كل المصالح الوطنية المنهوبة للاستغلال الأجنبى (قناة السويس - البنوك - شركات التأمين - التجارة الخارجية، إلى آخره).

3- تتجه هذه السلطة بعد ذلك إلى تصفية مواقع الامتيازات الطبقية التى تراكمت فى ملكية الأراضى الزراعية، وفى ملكية الشركات الصناعية والتجارية التى تعيش على الحماية الجمركية وبألاعيب التحايل على القانون، وفى ملكية الأراضى العقارية.

هكذا صدرت قوانين الإصلاح الزراعى وقوانين تأميم البنوك ثم قوانين التأميم الواسعة فى يوليو 1961، ثم لحقت بها قرارات الحراسة وكانت تستهدف أصلاً مطاردة الثروات الفادحة التى استطاعت أن تفلت من قوانين الإصلاح الزراعى ومن قوانين التأميم فى يوليو 1961.

(ولقد أسلم بوجود بعض التجاوز فى قرارات فرض الحراسة فى مرحلة لاحقة، خصوصاً بعد سنة 1967، لكن التجاوز شىء يمكن تصحيحه، وأما المبدأ الأصلى فشىءٌ آخر لا يمكن الحكم عليه بغير المنطق الذى صدر منه).

4- إن السلطة الوطنية التقدمية راحت تندفع بعد ذلك إلى عملية تنمية اقتصادية شاملة عن طريق التخطيط فى نفس الوقت الذى كانت فيه تدير عملية إعادة توزيع واسعة النطاق تكفل نقل الثروة - القديمة بالتراكم والجديدة بالتنمية - باستمرار من متناول وسيطرة القادرين إلى متناول وسيطرة المحرومين..

وذلك عن طريق إتاحة فرص التعليم والعمل لأوسع الجماهير، ثم عن طريق مظلة الخدمات والتأمينات، ثم السيطرة على أسعار الغذاء ولو عن طريق الدعم، والسيطرة على أسعار الإسكان بعديد من الوسائل المتاحة بينها تخفيض الإيجارات فى المبانى القائمة والتدخل لتحديدها بلجان تقدير الإيجارات فى المبانى الجديدة.. إلى جانب المشاركة فى إدارة عملية الإنتاج وفى اقتسام فائض ربحها.

5- من هذا التركيب الاقتصادى الاجتماعى الفوار بالحيوية نشأت فكرة التحالف بين قوى الشعب العاملة، له السيطرة على وسائل الإنتاج وله السلطة السياسية التى يدير بها العمل الوطنى كله فى اتجاه التنمية الشاملة باستمرار وتذويب الفوارق بين الطبقات باستمرار أيضاً.

ثم أن هذا التحالف وحده هو الذى يستطيع أن يحمى الاستقلال الوطنى، ويسعى للوحدة العربية، ويحقق التضامن مع حركة الثورة الوطنية على كل أرض ومع كل شعب.

هذه هى العناصر الأصيلة فى التجربة، وبعدها يجىء السؤال:

- هل نجحت هذه التجربة عملياً.. أو هى لم تنجح؟!

أزعم أنها نجحت، وسوف أعدد أسباب ذلك فى ظنى فيما بعد، ولكنى أستطرد من هنا إلى نقطة متصلة بها مثارة فى مصر الآن بشأن مستقبل العمل السياسى عن طريق ما أسموه أولاً بلجنة المنابر، ثم عادوا فغيروا اسمه بعد ذلك إلى لجنة مستقبل العمل السياسى فى مصر!.

يتساءلون فى مصر الآن:

- "منابر داخل الاتحاد الاشتراكى ثابتة أم متحركة؟

أحزاب أو لا أحزاب؟".

ننسى الأصل أحياناً ونمسك بالشكل.

ننسى أن العمل السياسى فى النهاية تعبير عن حقائق اقتصادية اجتماعية بالدرجة الأولى.

ننسى أن الحزب هو فى حقيقته طليعة سياسية لطبقة اقتصادية اجتماعية، ولا يمكن أن يكون شيئاً آخر، لأنه لا يجتمع على الهدف الواحد إلا أصحاب المصلحة الواحدة.

وننسى أن صيغة التحالف بين قوى الشعب العاملة لا سند لها فى الحقيقة والواقع إلا فكرة إدارة الصراع سلمياً بين طبقات لا تتفاوت الفوارق بينها إلى درجة القطيعة، ثم إنها تسعى عن طريق التنمية وإعادة التوزيع - الكفاية والعدل كما كنا نسميها - إلى تذويب الفوارق بين الطبقات.

ومن هنا فإن الحقيقة الاقتصادية الاجتماعية هى التى تصنع التعبير السياسى عن نفسها وليس العكس.

وبالتالى فإن نجاح صيغة التحالف مرهون تماماً بما كنا نسميه "تأميم الصراع الطبقى".

وأخشى أن بعض ما يحدث فى مصر الآن سوف يؤدى - أردنا ذلك أو رفضناه - إلى ظهور أحزاب.

وليس ذلك شيئاً أدعو إليه كضرورة... وفى نفس الوقت فليس شيئاً أرفضه كمبدأ.

إن الأحزاب سوف تظهر لأن تأميم الصراع الطبقى يجرى فكه الآن فى مصر سواء كان ذلك بتخطيط مسبق أو كان فعل مصادفات ساقتنا إليها ملابسات.

لماذا؟

لأن طبقة جديدة تظهر الآن فى مصر نتيجة لما نطلق عليه سياسة الانفتاح، وتكدس بسرعة ثروات هائلة، وتبنى لنفسها مواقع متميزة باستغلال ظروف سانحة!

هذه الطبقة الجديدة مكونة من عنصرين:

- بقايا من عناصر الطبقة القديمة فى مصر، وهى ليست العناصر الأصيلة فى تلك الطبقة القديمة، وإنما جماعات كانت تعيش على هامشها وفى خدمتها.

- ثم جماعات وافدة جديدة هبطت عليها الثروة من السماء مفاجأة، وفى الحقيقة فإن غنى هذه الجماعات جاءها من مصدرين:

الأول: هو المضاربة فى الأراضى العقارية التى ارتفع سعرها بشكل فاحش فى مصر نتيجة لعوامل كثيرة.

والمشكلة فى الثروة الناشئة من المضاربة فى الأراضى العقارية أنها تصنع غنى فادحاً لدى بعض الأفراد بغير أن تضيف شيئاً إلى الثروة القومية للمجتمع!

والثانى: هو الاشتغال بعمليات السمسرة والتهريب الظاهرة أو المستترة وراء ألوان من النشاط مشروعة أو تبدو مشروعة وهى فى الحقيقة نوع من "الإباحية الاقتصادية"!

وتقدير الخبراء أن هناك خمسمائة مليونير جديد فى مصر خلال السنتين الأخيرتين - والرقم منقول عن تحقيق لهنرى تانر مراسل نيويورك تايمز فى مصر - وتقدير الخبراء أيضاً أن مائتين من هؤلاء جاءت ثرواتهم من الزيادة فى أسعار الأراضى العقارية، ثم أن باقى أصحاب الملايين الجدد جاءتهم الثروة عن الطريق الثانى... طريق الإباحية الاقتصادية!

والطبقة الجديدة تضغط ضغطاً فاحشاً على الاستهلاك إلى حد البذاءة... والطبقة الجديدة تضغط على القطاع العام كأنها تريد تكسير ضلوعه.

ثم أن الطبقة الجديدة هى القوة الحقيقية وراء الحملة الضارية على التجربة الوطنية التقدمية فى مصر.

تحاول هدم منجزات عبد الناصر حتى لا يبقى لها ذكر أو أثر، ثم تحاول الفصل بين عهده وعهد أنور السادات تتصور بذلك أنها تستطيع تطويق مسئوليته عن قيادة التجربة، وأخيراً تحاول تكبيل جماهير الشعب المصرى فى "عقدة ذنب" بحجة أنها ضيعت وعيها بانقيادها الأعمى لسحر جمال عبد الناصر!

والمشكلة أن الطبقة الجديدة لا يمكن ائتمانها على قضية من قضايا العمل الوطنى.

لا هى مؤتمنة على قضية التراب الوطنى، ولا هى مؤتمنة على قضية التحول الاجتماعى.

والطبقة المصرية القديمة الأصيلة - مثلاً - كانت فى ظنى أقدر منها وأشرف على الأقل فى قضية التراب الوطنى وإن جاز لنا أن نشك فى أمانتها على قضية التحول الاجتماعى.

لماذا؟

لأن تلك الطبقة القديمة كانت تعيش على ملكية الأرض الزراعية وكانت الأرض الزراعية تمنحها إحساساً بالانتماء إلى الطين المصرى.

وأما الطبقة الجديدة فليس لها فى مصر إلا أنابيب تتسرب منها الثروة وتتدفق أولاً بأول خارج مصر.

بل أن هذه الطبقة - فى معظم الأحيان - واجهة أو وكالة لمصالح أجنبية تعمل خارج مصر وليس لها هم إلا أن "تشفط" ما تستطيع أن تصل إليه فى مصر.

ومع نمو هذه الطبقة وتمركزها فى مواقع الاستغلال والامتياز الطبقى يوماً بعد يوم فإن بقية الطبقات فى مصر سوف تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن مصالحها ولو اقتضاها الأمر أن تخرج عن صيغة التحالف التى تصبح فى تلك الحالة قيداً يجمد حركتها وليست إطاراً يتسع لها.

وإذن ينفك تأميم الصراع الطبقى...

وإذن تعود إليه الحدة والتوتر...

وإذن يزداد الخطر بمقدار ما تتسع الفوارق.

ويجرى اللعب بالكبريت قرب مخزن البارود.

ومع ذلك يتهم جمال عبد الناصر بأنه أشعل نيران الصراع الطبقى فى مصر، وبأنه أثار الحقد والبغضاء والحسد بين الأغنياء والفقراء.

وكان المتنبى هو الذى قالها قبل ألف سنة:

- وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية