الخطر الذي يمثله تنظيم القاعدة على الانتفاضات والثورات العربية لا يقل دهاء عن المخاطر التي تمثلها الأنظمة في سعيها لمنع الثورات والتغيير.
بالأمس اجتمع الخطران في بغداد. من جهة مثل قرار توقيف نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي أحد تعبيرات الانخراط الرسمي العراقي في حماية النظام في سورية، ومن جهة ثانية لاقى رد تنظيم القاعدة على القرار السعي الايراني عند منتصف الطريق.
دم في بغداد، ودم في دمشق، وربما انضمت عواصم جديدة الى مستنقع الدم المستولد مجدداً، ذاك ان "هلال الأقليات" قابل للتمدد في ظل انعدام المناعة الوطنية لدى معظم القوى والسلطات في المنطقة.
ليست الحكومة العراقية من تآمر على نفسه وأحدث التفجيرات، لكن معادلة ان الاضطراب السياسي يساوي دماً صارت حقيقة ثابتة في العراق، وعلى رغم ذلك لم تتورع الحكومة عن الدفع باتجاه الاضطراب، وطبعاً لم تتورع القاعدة عن الرد.
المنطقة كلها تتغير على وقع الحدث السوري، العراق الجديد ينحر نفسه من أجل النظام في سورية، وحزب الله يترنح تحت وطأة خسارات متتالية في الداخل والخارج في سبيل حماية ما يمكن حمايته من هذا النظام. حركة حماس تبحث عن مأوى غير دمشق، والحكومة اللبنانية تارة "تنأى" بنفسها عن النظام وتارة أخرى تنأى بنفسها عن الشعب في سورية.
نادرة، لا بل منعدمة القوى العاقلة في هلال الأقليات البائس، فاستجابة القاعدة لنداء الدم في بغداد لاقى الى حد كبير صوت الموت المدوي في دمشق. تصلح هذه الوقائع كعناصر لنص أدبي أسود وقاتم. فحين يتجول الموت بين عاصمتي الأمويين والعباسيين متولياً وصل الزمنين عبر قناة البعث الواحد غير المنشطر، يصبح ما قاله مسؤول عراقي قبل نحو سنتين، وبعد زيارة رافق فيها نوري المالكي الى دمشق وأعقبها تفجير مقر الأخير في بغداد، حقيقة لا تُرد. فالرجل قال في حينها انه شعر بعد الاجتماع انه كان في حضرة يزيد ابن معاوية. الشبهة الاموية كانت في العام 2009 خبثاً قاتلاً، لكنها في نهاية العام 2011 دهاء لا بد منه للعيش في هلال الأقليات. هذا ما قاله لكاتب هذه السطور المسؤول العراقي نفسه.
لا يمكن فهم ما يجري في العاصمتين وفق معطيات التفسير السياسي العادي، فالسياسة لا تحتمل هذا القدر من الوضوح. قرر المالكي (الشيعي) معاقبة طارق الهاشمي (السني) في سياق الانقسام حول الموقف من الثورة السورية، فرد تنظيم القاعدة عبر قتل مواطنين شيعة في بغداد. هل من شيء أوضح من ذلك؟ هل من شيء يخلو من السياسة بحجم خلو هذا الوضوح منها.
السياسة هنا تتمثل في ان المالكي عاقب الهاشمي على وقوفه في وجه نظام كان سبق ان اتهمه بمحاولة قتله في العام 2009، والقاعدة انتقمت لرجل كانت هي نفسها قد حاولت قتله في العام 2009 أيضاً.
ما أجمل هلال الأقليات هذا. ما أجمل طوائفنا واحزابنا. ما أجمل قبرنا الجماعي. ما أجمل حزب البعث العربي الإشتراكي في القطرين السوري والعراقي.
حازم الأمين

11:55 ص
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق