
ربما لا يفترض بالوزير المستقيل شربل نحّاس أن يحزن بعد «النهاية الدرامية» لرحلته على طريق تضييق هامش التمييز بين الطبقات، فقصّته مع «الإصلاح والتغيير» ليست الأُولى، ولن تكون الأخيرة على الأرجح.
فالتضحية بـ"الوزير العنيد" لم تحصل يوم قبلت استقالته في الأمس، بل حين قبل العماد ميشال عون أن يشرب الأنخاب مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في منزل الوزير جبران باسيل، من دون أن يحضر الوزير الأصيل الذي بدا وكأنه وضع على الطاولة مادة لتحسين شروط التنمية في قضاء البترون، وإتمام اتفاقات حول ملفي الكهرباء والنفط والتقنيات.
يومها كان في الإمكان الكلام عن "إقالة موضوعية" لنحّاس الذي لم يكتم تفاجؤه بالعشاء غير السرّي، الى حدّ أنه ذهب من تمسّك الى تشدّد في قراراته، بما يشبه حشر عون وإرغامه على تحمّل مسؤولية الاستقالة، وذلك على رغم أنّ هذه الاستقالة جاءت شكلاً نتيجة لتشدّد رئيسي الجمهورية والحكومة في الإصرار على توقيع مرسوم النقل قبل الدخول في أي حلّ للأزمة الحكومية.
ومع هذه الاستقالة ينضمّ نحّاس الى "قائمة الشهداء"، الأحياء منهم والأموات الذين سقطوا على "مذبح الجنرال" الذي يغالي دائما في التبشير لنفسه بمبدئية وتمسّك بالقيم، ليعود في لحظات القرار الى تفضيل الانحياز الى خيار الربحية وقياس التعامل مع القضايا الكبيرة بمعيار الكسب الانتخابي والسياسي.
وقبل سقوطه شهيداً، لا بدّ لنحّاس من أن يتذكّر أنّ كثيرين استشهدوا قبله ومنهم من استشهد مرّتين، مرّة بالفعل المادي المباشر، ومرّة بفعل الانقلاب على المبادئ التي من اجلها استشهدوا، وتبقى شهادة نحّاس قليلة الاهمية امام شهادة عناصر الجيش اللبناني وضباطه الذين سقطوا في 13 تشرين، والمفقودين منهم تحديدا، الذين تمّت التضحية بقضيتهم، فباتوا نسياً منسياً، تشهد عليه زيارات براد والقمم والأنخاب ورحلات الذهاب والاياب العائلية في الطائرات الرئاسية.
وقبل سقوطه "شهيداً" كان لا بدّ لنحّاس من أن يتذكر أنّ مبدأ "لا سلاح في لبنان إلّا سلاح الجيش اللبناني" قد سقط هو أيضا شهيداً، وكان عليه أن يتذكّر أنّ ضابطاً لبنانياً استشهد في زمن السلم الإهلي وتمّ سؤاله عن سبب استشهاده، في أبلغ إشارة إلى أنّ المبادئ ليست وسيلة تكتية للوصول الى الأهداف الشخصية.
وكان على نحّاس أن يتذكر أيضاً رفيق السلاح فايز كرم الذي امتنع عن الإدلاء بما يعرف في التحقيق، فكان مصيره نيل العقوبة وحيداً، مع انه كان يستطيع لو أراد أن يفتح أبواب الجحيم في ملف بحجم الجبال. وكان على نحّاس أيضاً أن يتذكّر رفاق السلاح الذين رأوا بأمّ عينهم كيف أنّ مشروعاً سيادياً قاتلوا من اجله قد تحوّل بورصة رئاسية يعلو فيها تداول الأسهم ويهبط على إيقاع مشروع الوصول الى بعبدا.
وكان على نحّاس أيضاً أن يتذكّر أنّ كتاباً برتقالياً من ألفِه إلى يائه قد تحوّل شهيداً بكلّ ما يحتويه من أفكار ومبادئ وثوابت لا تحتمل التلاعب والتأويل، وكان عليه أن يعاين كيف
سُحِبَ الكتاب ـ الشهيد من التداول لأنّه اصبح يرمز الى ذاكرة يريد صاحبها أن يطويها في الأدراج.
وبغضّ النظر عن صحّة التوجّه الاقتصادي للوزير المستقيل أو عدمها، فإنّ ما قام به يشكّل نموذجاً من الاستقامة واحترام الذات يستحقّ عليه اكثر من مجرّد التقدير، لكن ما لا يجوز له أبداً أن يُفاجأ بأسلوب التخلّي عنه، وباللقاءات الكواليسية التي أدّت إلى إقصائه، فهو على ما يمثل من أهمية والتزام بما آمن به، لم يكن استشهاده ابلغ من استشهاد مَن سبقوه، لأنّ التداول في سوق المصالح المشخصنة لا يترك مجالاً للثبات على مبادئ ثَبُتَ منذ العام 1988 أنّها جسرٌ للعبور الى الذات. 
اسعد بشارة - صحيفة الجمهورية

1:27 م
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق