
على غرار المؤتمرات الإعلامية على مدار السنوات السابقة، فإن الحذر في طرح الأسئلة، وتجنب إحراج المسؤول،
وطرح أسئلة تحمل إجاباتها في ذاتها... ظل موجوداً في المؤتمر الصحفي الذي عقده وزير الخارجية السورية وليد المعلم أمس الأول. السائلون كلهم تقريباً موالون يسألون ويزايدون على المعلم، والأخير في موضع من لا يتوقع لكلامه أي تعليق أو استغراب، ما شجعه على ارتكاب جملة من الأخطاء الفادحة، سواء لجهة دقة المعلومات، أو لجهة استعمال عبارات لا تليق برأس الدبلوماسية السورية.
مغالطات واعترافات
خلال المؤتمر الصحفي بدا الإعلاميون السوريون كتلاميذ يلوم بعضهم "المعلم" على تركهم بلا بينة من الأمر، فيما لاحظ آخرون أنهم التزموا في عملهم الإعلامي بسقف مندوب سوريا في الجامعة العربية، الذي نعى العمل العربي المشترك، وخوّن العرب، واعتبر قرارهم "لا يساوي الحبر الذي كتب فيه"، فيما وزير خارجيتهم يدعو العرب خلال مؤتمره الصحفي إلى قمة رئاسية طارئة، وإلى إرسال مراقبين، ويخصص مؤتمراً كاملاً لمناقشة القرارات العربية!.
إزاء هذا الواقع، وتحت تأثير الأزمة المتصاعدة؛ اعترف المعلم بأن في سوريا أزمة خلافاً لمؤتمره الصحفي السابق-، كما نطقت شفتاه بكلمة "معارضة" وباسم أحد قياداتها للمرة الأولى، كما أقر بوجود فشل إعلامي سوري، وبـ "تقصير في موضوع الحوار الوطني" (علماً أنه سبق أن نفى في مؤتمره في حزيران الماضي ذلك كله معقباً: "القافلة تسير والكلاب تنبح").
ومع أن المعلم نفى أن تكون الأوضاع في سوريا تدعو إلى التوتر؛ فقد أكثر من استعمال عبارات غير دبلوماسية في وصف قرارات جامعة الدول العربية؛ فمرة يقول إن القرار الأخير "مشين وخبيث"، ومرة يصف العرب بـ"قلة الحياء"، ومرة يصف الغطاء العربي بأنه "غطاء مهترئ"...! ويبدو أن توتر المعلم انعكس على معلوماته؛ فقد أكد المعلم خلال المؤتمر الصحفي أن "الناتو" لن يتدخل في سوريا، معللاً ذلك بأن "سوريا ليست ليبيا"، وبالأوضاع الاقتصادية في أوروبا والعالم، لأن "عمليات "الناتو" في ليبيا كلّفت 240 مليار دولار"!، ولدى طرح سؤال آخر عليه بهذا الموضوع، نسي المعلم الرقم الذي عرضه، فذكر رقماً آخر هو "280 مليار دولار"، معتبراً تدخل "الناتو" كارثة على المستوى الاقتصادي على الدول المشاركة.
ولعله يجب القول - من باب تبيان الحقائق، لا من باب التسويق لتدخل "الناتو"- أن هذا الخطأ الرقمي من المعلم سواء كان مقصوداً أو غير مقصود- بالغ الفداحة، فعمليات "الناتو" في ليبيا لم تبلغ بحال من الأحول-على خلاف التقديرات- بضعة مليارات من الدولارات، وما أنفقته الولايات المتحدة في كل مشاركتها لم يتجاوز مليار دولار، وهو أقل مما تنفقه في أسبوع واحد من العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، أما بريطانيا وفرنسا فمشاركاتهما بحدود مئات الملايين وليس المليارات (على سبيل المثال؛ في منتصف فترة عمليات "الناتو" كان تجاوُز سقف الـ 400 مليون دولار موضع نقاش أمام البرلمان البريطاني)... وعليه فقد اعتبر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن عمليات "الناتو" في ليبيا "واحدة من أنجح العمليات في تاريخ الحلف الذي يمتد إلى 62 عاماً... وأن تكلفة العمليات العسكرية على ليبيا هي الأقل في تاريخ حروب "الناتو"". من جهة أخرى، فإن دعاية حلفاء النظام قامت - وما زالت- على أساس أن أحد أهم "أسباب المؤامرة على سوريا" يعود إلى وضع الاقتصاد العالمي (كلام السيد حسن نصر الله في 11/11/2011 على سبيل المثال لا الحصر)، في حين عَكَسَ المعلم الموضوع جاعلاً من أسباب اطمئنانه إلى عدم استكمال "المؤامرة" بتدخل "الناتو"؛ هذا الوضع الاقتصادي العالمي المتدهور!
وعلى ذمة المعلم؛ فإن القادة العرب أبلغوه أن موافقتهم على التدويل ضد القذافي كان بسبب خوفهم من تأثيره على الأوضاع في تونس ومصر (بعد الثورة) وأن القذافي مسؤول عن انفصال جنوب السودان، في حين أن الحجة نفسها تنطبق على النظام السوري وتالياً فإنها لا تُعتَبَر عامل اطمئنان لنظامه- لجهة دعم هذا النظام الفعلي للقذافي لغاية لحظة سقوطه، وتدخله إلى جانب علي عبد الله صالح في اليمن، ووفاة طيارين سوريين في كل من ليبيا واليمن، والتأثير الواضح على الأوضاع في لبنان.
المنطق المقلوب
لعل أهم ما أظهره المؤتمر الصحفي لوليد المعلم أن القيادة السورية تملك "مبادرة عربية" مختلفة عن تلك التي سمع بها العالم، بمعنى آخر فإن القيادة السورية تقرأ المبادرة بمنطق مقلوب تماماً.
نصت المبادرة العربية التي قرأها رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أمام الإعلام في أول بند منها على ما يأتي: "وافقت الحكومة السورية على وقف أعمال العنف من أي مصدر كان". والنص واضح لجهة جعل وقف أعمال العنف مسؤولية النظام السوري، وأن الحكومة السورية وافقت على ذلك.
في المؤتمر الصحفي؛ قال المعلم إن "سوريا مع المبادرة العربية، لأنها في مصلحتها"، وإن عبارة "من أي مصدر كان" تعني مسؤولية دول الجوار في ضبط الحدود، ووقف الحوالات المالية (العقوبات المالية تمنع ذلك أصلاً)، ووقف التحريض الإعلامي (يعتبر النظام ما تبثه الفضائيات غير الموالية له تحريضاً إعلامياً)! وبناءً على هذا المنطق؛ أضاف المعلم: "خطة العمل العربية افتقدت إلى الآلية، فلم يتم توقيف الحوالات المالية إلى أطراف في سوريا، ولا تهريب السلاح، ولا التحريض الإعلامي على سوريا"!. ومعنى ذلك أن النظام السوري فهم البند الأول من المبادرة العربية على أنه التزام يقع على عاتق الدول العربية وغير العربية، لا على عاتق النظام، وأن الآلية المطلوبة، هي لوقف ما يسميه النظام مؤامرة، لا لوقف سفك دماء المدنيين! وبما أن البند الأول لم يطبقه من هو معني به وفق منطق النظام- فإن الحكومة السورية لم تطبق بقية البنود!
ولعل أطرف ما جاء على لسان المعلم أيضاً؛ إشاحته النظر عن أحادية إعلامه، ودعوته قناتي "الجزيرة" و"العربية" وغيرهما من الإعلام العالمي "إلى الموضوعية"، لكنه أضاف بأنه مطمئن بسبب "خروج الشعب السوري لتأييد قيادته" (طلب النظام السوري تنظيم مظاهرة تأييد لنفسه في حماه قبل يومين، فخرج المتظاهرون على أساس أنهم مع النظام، وما إن سارت التظاهرة حتى هتفت لإسقاط بشار الأسد، وعلى الفور انقلبت القوة الأمنية التي تواكب التظاهرة إلى قوة قمع لها وسقط عشرات القتلى والجرحى!).
تُرى ما معنى أن يعتذر المعلم عن استهداف مقار عدد من البعثات الدبلوماسية، فيما العالم يعرف أن النظام هو من ينظم الاحتجاجات المشابهة وهو من يمنعها؟ وهل فعلاً اطمأن السوريون إلى مستقبل الأزمة في بلادهم بعد كلام المعلم؟
بقلم :فادي شامية

12:16 م
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق