
بعد أن اجتاز نجيب ميقاتي « قطوع » الاستقالة التي هدّد بها على خلفية ملف تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وبعد أن اجتازت حكومته الثانية « مطبّ » اعتكاف وزراء تكتل « التغيير والإصلاح » الذين يعبّرون بممارساتهم الحكومية والوزارية عن « شبقٍ ونكدٍ صبياني » وفق توصيف مصادر وزارية تشاركهم الحكومة ذاتها، وإثر إعلان ميقاتي نفسه أنّ الحكومة ستجدّد زخمها في إطلاق ورشة عمل فاعلة لمعالجة القضايا المطروحة وخصوصاً المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، وبعد أن خرج كل أقطاب الأكثرية المشكّلة لهذه الحكومة، المؤيّد منهم للتمويل والمعترض عليه رغم حصوله، للقول إنّ المرحلة تتطلب البقاء في الحكومة وبقاءها صوناً للمصلحة الوطنية العليا، وأمام فقدان قوى المعارضة المتمثّلة تحديداً في « تيار المستقبل » وباقي قوى 14 آذار ورقة ضغط استخدمتها ضد ميقاتي وحكومته منذ قيامها، هي ورقة التمويل، فإنّ السؤال اليوم: ماذا تحضّر قوى 14 آذار في المرحلة المقبلة؟ وما هي رؤيتها لتفعيل المواجهة مع حكومة ميقاتي مستقبلاً؟
من نافل القول إن في قوى 14 آذار من يراهن إرادياً وربما لا إرادياً على ما يجري في الملف السوري لتغييرٍ ما في لبنان، كما من البديهي الاستنتاج أنّ لأيّ تطور دراماتيكي في سوريا إنْ على مستوى بقاء النظام أو رحيله، تداعيات جمّة في المنطقة، ولبنان أول المتأثرين بها. لكن التساؤل هو ألا يوجد أي أفق داخلي للعمل السياسي اللبناني؟ وهل إنّ الحراك الداخلي في لبنان يتعلّق حصراً بمتغيّرات الخارج؟ القبول بهذه المقولة إهانة للقوى السياسية جميعها من مختلف التوجهات، فذلك يعني أنها تُقِرّ بتبعيّةٍ لقوى الخارج أو الارتهان لها أو بأنها في الحد الأدنى لا تتقن دور الفاعل بل امتهنت أدوار التلقّي. وإذا كان صحيحاً ومنطقياً أن يتّخذ البعض مظلّةً سياسية عبر مواقفه لتأمين حماية من أيّ تداعيات إقليمية، فإن الأصح أن يتم إنشاء مظلة وطنية جامعة تحمي كافة اللبنانيين دون استثناء. وتبقى القضية الأساس هل يدرك الجميع ضرورة ذلك؟ وإذا كانوا يدركون، فهل لديهم النية بل القدرة للتحرك في هذا الاتجاه؟
وبانتظار أن تكشف الأسابيع المقبلة ما ينتظر لبنان والمنطقة من أحداث وتحولات، فإن الحراك على مستوى قوى 14 آذار شهد ركوداً على جبهة الأمانة العامة بعد رصد سلسلة زيارات لأعضائها إلى العاصمة الفرنسية باريس حيث عقدوا لقاءات مطوّلة مع الرئيس سعد الحريري لتنسيق المواقف وتنظيم العمل وتفعيله استعدادًا لما قد تُمليه في اي لحظة معطيات الوضع السوري وملفات الداخل اللبناني. وبعد أن كانت الاستعدادات لدى المعارضة بجميع قواها قد بُنيت على أساس معضلة التمويل، أتى الإخراج الذي حصل لتمرير البند، ليُحرج 14 آذار، رغم أن في الأمر انتصاراً لهدف أساسي عند هذه القوى، لكن الإحراج حصل بفعل رهان غالبية 14 آذار على أن الحكومة التي لطالما وصفوها بأنها « حكومة حزب الله » لن تموّل المحكمة الدولية ما سيؤدي إلى إحراج ميقاتي وإخراجه، وبالتالي تعديل المشهد السياسي، وهو ما لم يحصل، فتغيّرت معطيات اللحظة الراهنة، وبات على 14 آذار أن تعيد النظر بحساباتها المرحلية بشكل سريع.
وتشير المعلومات التي حصلت عليها « صدى البلد » من مصادر موثوقة إلى أن عاملَين اثنين أدّيا إلى تعرض حراك 14 آذار إلى انتكاسة « مؤقتة »، الأول نجاح ميقاتي في تمرير التمويل رغم معارضة حلفائه وبالتحديد « حزب الله »، والصورة التي خرج بها بعد واقعة التمويل على أنه حامي العدالة والمحكمة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وبالتالي إسقاط نظرية 14 آذار بأن ميقاتي يوم قبِل التكليف إنّما فعل ذلك تحت شرط قبوله إلغاء المحكمة. والعامل الثاني كان من وليد جنبلاط مجدداً.
وتوضح المعلومات، أن جنبلاط الذي سدّد ضربة قاصمة لـ 14 آذار بخروجه منها في 2 آب 2009، عادت هذه القوى لتبني آمالاً جديدة على عودة جنبلاطية إليها بعد تفجّر الثورة في سوريا، وراح قياديو 14 آذار يخلقون الحجج والتبريرات لمغادرة جنبلاط لصفوفهم، ويطرحون النظريات حول عودته، ومنهم مَن رآه لا زال معهم في القلب. وتطور الأمر إلى تلاقٍ بدأ تحت عنوان العلاقات الشخصية، ليتحوّل بعدها إلى لقاءات سياسية، سُرِّب عنها في بعض الصحف، وقد جرت فيها نقاشات معمّقة بين جنبلاط ورموز من 14 آذار حول عناوين المرحلة وتفاصيلها وآفاق المرحلة المقبلة وقانون الانتخابات والحوار الوطني وغيرها، وقد ظهر في محصلة هذه النقاشات أن التباين في وجهات النظر لا يزال قائماً في كثير من الملفات الأساسية، فنظرة جنبلاط نحو أزمة سوريا تختلف عن نظرة « البعض » من 14 آذار ويدعو لعدم التسرّع في البناء على الملف السوري، كما أنّه من معارضي أي تهجّم على رئيس مجلس النواب نبيه بري، ويرفض استمرار الهجوم على سلاح حزب الله في المنابر والتصاريح، ويخشى من حدة التوتير المذهبي الذي يتحكّم بمنطق « بعض » نواب المعارضة، وإنْ كان يدرك أنّ في خطاب « حزب الله » ما يستفز الجهة الأخرى، وهو لهذا كان مصراً على تمرير التمويل.
في كل حال، فإنّ قوى 14 آذار، ورغم الصدمتين، لا تزال تواظب على الإعداد لوثيقة سياسية جديدة، تطلقها قريباً، ربما لن يكون الجديد فيها سوى الفقرة المتعلّقة بـ »الربيع العربي »، وبالتحديد « ربيع سوريا »، سيّما وأن المسائل في لبنان لا تزال هي عينها منذ 2005 وحتى الساعة، ولم يستجد ما يذكر داخلياً منذ قيام حكومة نجيب ميقاتي، الجديد فقط هو في المستوى الإقليمي.
فهل ستنجح 14 آذار في تقديم رؤية عملانية، لا تنظيرية، للفترة المقبلة تخرج فيها من منطق ردة الفعل إلى ميدان العمل الفاعل رغم ما تعانيه في ظل غياب سعد الحريري وابتعاد وليد جنبلاط؟
صالح حديفة – البلد

12:47 ص
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق