
أرخى كلام الأمين العام لـ»حزب الله» السيّد حسن نصرالله بثقله على مجمل الوضع الداخليّ ولا سيّما الأمنيّ منه، بعدما تطرّق إلى أمور ظنّ معظم اللبنانيّين أنّها أصبحت وراءهم، من دون الأخذ في الحسبان الانعكاسات السلبيّة التي قد يعيشها الشارع المحتقن نتيجة الخطابات المتوتّرة والمتشنّجة.
لكن يبدو أنّ الأزمة التي تتخبّط بها قيادة « حزب الله » نتيجة سقوط رهانها على عدم تمويل المحكمة، إضافة إلى قراءتها الخاطئة لما يحصل في المنطقة ولا سيّما الوضع السوريّ، جعلتها تتّخذ قراراً جماعيّاً يقتضي التصعيد وافتعال الأزمات السياسية والأمنية ضد البعض في الداخل اللبناني وتحديداً تيّار « المستقبل ».
قرار الردّ هذا لم يأتِ من فراغ، إنّما جاء بعد اجتماع مطوّل لقيادة الحزب داخل إحدى شقق الضاحية الجنوبية بدأ قبيل منتصف ليل اليوم الذي أعلن فيه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تحويله حصّة لبنان في المحكمة، ولم ينتهِ إلّا مع ساعات الفجر الأولى.
أولى خطوات هذا اللقاء، كُشفت خلال الكلمة التي خصّصها نصرالله للردّ على قرار التمويل، عندما قال: « في السابع من أيّار أنتم اعتديتم، وإذا أراد أحد الدخول في معركة معنا يستطيع أن يعرف من الآن ماذا يمكن أن تكون نتيجتها ».
الشعور بفائض القوّة حَمَل نصرالله على توجيه رسالة هجوميّة ضدّ تيار « المستقبل » وحلفائه، وضد كلّ من يفكّر في إعادة صياغة أفكاره أو حساباته بطريقة تتعارض مع مواقف حزبه وتوجّهاته المعروفة.
لكن، ما أذهل قيادة الحزب هو حجم الردّ السريع للرئيس سعد الحريري، إذ اعتبر البعض أنّه ردٌّ من العيار الثقيل يفي بالغرض ويعبّر عن فئة كبيرة من اللبنانيّين عانت الأمرّين وضاقت ذرعاً بمواقف حزب الله وتصرّفاته وبطريقة تعاطيه الفوقيّة في حقّهم.
اليوم تمّ التمويل، وما كان نصرالله يعِد به جمهوره في الأمس لم يعد اليوم قابلاً للصرف، والجمهور الذي احتشد لسماعه ظنّ لوهلة أنّه سيعلن مفاجأة من العيار الثقيل، لكن كعادته خرج هذا الجمهور خالي الوفاض من أيّ إنجاز يسجّل لقائده، أقلّه في هذه المرحلة الحرجة التي تمرّ بها المنطقة وما تستدعيه من قوّة موقف لمواجهة ربيع هادر قد يتحوّل إلى جارف يأخذ في طريقه كلّ عنيد مخالف.
وفي قراءة مختصرة لخطاب نصرالله، رأى عضو كتلة « المستقبل » النائب عمّار حوري في حديث إلى « الجمهورية » أنّه « موجّه في الدرجة الأولى إلى جمهور « حزب الله » قبل أن يكون موجّهاً إلى تيّار « المستقبل » وحلفائه »، لافتاً إلى أنّ نصرالله « أراد تبرير التمويل أمام جمهور لطالما وعده بعدم تمريره لأنّه أميركيّ – إسرائيليّ ».
واعتبر حوري أنّ « خطاب نصرالله كان دفاعيّا، حاكى من خلاله جمهوره لتمرير هذه المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة، بعد التحوّل الواضح في الممارسة التي كانت موجودة خلال العامين الماضيين، الأمر الذي اضطرّه للّجوء إلى هذا الأسلوب من الكلام ».
لا شكّ في أنّ المرحلة المقبلة حسّاسة للغاية، فهي تتطلّب الوعي الكامل من كلّ الأفرقاء، في ظلّ الاحتقان المذهبيّ الحاصل خصوصاً بين السنّة والشيعة، والذي يعتبر « حزب الله » في طليعة العاملين عليه.
هنا، أكّد حوري أنّ « لجوء الحزب إلى افتعال أزمة ما في الداخل اللبنانيّ سيكون لها تداعيات سلبيّة جدّاً، ومن شأنها أن تأخذ البلد إلى المجهول »، مُعتبراً أنّ « أيّ أمر مماثل لن يستفيد منه سوى العدوّ الإسرائيلي وبعض المتربّصين بلبنان شرّاً ».
ودعا حوري الحزب إلى « الابتعاد من خطابات التهويل في حقّ الأفرقاء اللبنانيّين، لأنّ الهيكل لو وقع، فهو سيقع على رأس الجميع وليس على فريق محدّد »، داعياً قيادة حزب الله إلى « التفكير مليّاً قبل الإقدام على أيّ خطوة من شأنها الإطاحة بالعيش المشترك ».
وأضاف: « بالنسبة إلينا، فإنّ تمويل المحكمة هو إنجاز ممتاز بغَضّ النظر عن اعتراضنا على الشكل الذي مُرّر به، لكن في المقابل نحن سنستمرّ في نضالنا باتّجاه العبور إلى الدولة وإقرار سيادة القانون المنطلق كما نصّ عليه اتّفاق الطائف ».
وهل لا تزال الأقلّية مصرّة على إسقاط الحكومة بعد التمويل؟ قال حوري: « من طبيعة المعارضة أن تقوم على إسقاط الحكومة وتعارض برنامجها، ونحن قلنا إنّنا معارضة ديموقراطيّة ملتزمة »، لافتاً إلى أنّ « الحكومة في حدّ ذاتها تفصيل ونتيجة، والأساس هو انقلاب 11 كانون الثاني الذي أتى ببرنامج معيّن التزمنا مواجهته مهما كلّف الأمر ».
وشدّد حوري على ضرورة « حفظ السلم الأهلي من خلال التزام اتّفاق الطائف، الذي يعتبر ضمانا ومعيارا للوصول إلى الدولة القويّة القادرة التي تستطيع حماية جميع مواطنيها من دون استثناء ».
وختم حوري حديثه، مذكّرا بأنّ « كلام الرئيس سعد الحريري أمس الأوّل أكّد التمسّك بالحقيقة والعدالة وبمنطق الدولة واتّفاق الطائف ».
علي الحسيني -الجمهورية

12:44 ص
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق